مقالات وآراء

تكفير التفكير باسم السماء

حسن عبد الرضي

ليس أخطر على الدين من أولئك الذين يحتكرون الحديث باسمه، ولا أشد عداءً للحق من الذين يزعمون أنهم أوصياؤه. فالتاريخ الإنساني يكاد يجمع على حقيقة واحدة مؤلمة: كلما تحولت العقيدة إلى سلطة، وتحول رجال الدين إلى حراس للعقول، انكمش فضاء الحرية، وارتفعت المشانق، واشتعلت النيران في الكتب قبل أن تشتعل في الأجساد.
إن القارئ لتراث الحضارة الإسلامية لا يستطيع أن يتجاوز ذلك السجل الحافل بالصراع بين العقل والنقل، بين حرية الفكر وسلطة التكفير، بين الباحثين عن الحقيقة وأصحاب الحقائق الجاهزة. فكم من عقل كبير انتهى إلى الملاحقة أو النفي أو القتل! وكم من كتاب أُحرق لأن صاحبه تجرأ على التفكير! وكم من عالم أو فيلسوف أو متصوف وُسم بالكفر لأنه رفض أن يردد ما يردده القطيع!
لقد عانى فلاسفة كبار مثل ابن رشد من حملات التكفير والمصادرة، وتعرض مفكرون مثل ابن سينا والرازي لاتهامات الإلحاد والزندقة، وأُوذِيَ متصوفة كبار مثل الحلاج والسهروردي، وطورد مفكرون وأدباء وشعراء لأنهم اختاروا أن يسألوا الأسئلة التي يخاف منها أصحاب اليقين المغلق. ولم تكن المأساة في اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما كانت في تحويل الاختلاف الفكري إلى قضية دم وسجن ومطاردة.
لقد أصبح التكفير سيفاً جاهزاً، وأصبح الاتهام بالزندقة أسرع من إقامة الحجة، وتحولت بعض المنابر إلى محاكم تفتيش لا تختلف في جوهرها عن محاكم التفتيش الأوروبية إلا في اللغة والشعارات. والمفارقة المدهشة أن آلة التكفير لم تتوقف عند خصومها، بل التهمت أبناءها أيضاً. فكم من عالم كفّر غيره ثم جاء من يكفره! وكم من فقيه أخرج خصمه من دائرة الإسلام ثم وجد نفسه خارجها في نظر أتباع مدرسة أخرى! إنها الدائرة الجهنمية التي لا تنتهي. فالغزالي الذي هاجم الفلاسفة تعرض هو نفسه لاتهامات قاسية من بعض خصومه، وابن تيمية الذي كفّرته جماعات من معاصريه تعرض للسجن والاضطهاد، وغيرهم كثيرون. وكأن التاريخ يريد أن يقول إن من يفتح باب التكفير لا يستطيع أن يتحكم في اتجاه الريح.
إن المشكلة لم تكن يوماً في الإسلام نفسه، وإنما في ادعاء بعض البشر امتلاك التفسير النهائي للإسلام. فحين يعتقد إنسان أنه الناطق الرسمي باسم الله، يصبح كل مخالف له عدواً لله، وتصبح مطاردته عبادة، ويصبح قتله قربة. وهنا تبدأ الكارثة.
لقد دفع المسلمون ثمناً باهظاً لهذه العقلية. فبينما كانت أمم أخرى تفتح أبواب البحث والتجريب والاكتشاف، كان كثير من أصحاب العقول في عالمنا الإسلامي منشغلين بالدفاع عن أنفسهم ضد تهم الكفر والزندقة. وكانت طاقات هائلة تُهدر في معارك عقيمة حول من يدخل الجنة ومن يدخل النار، بينما كانت أسئلة العلم والعمران تنتظر من يجيب عنها. ولعل الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نتعلمه من هذا التاريخ هو أن حرية الفكر ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً لازدهار الحضارات. فالأفكار لا تُهزم بالسياط، والكتب لا تُناقش بالنار، والعقول لا تُقنع بالمشانق.
إن الحقيقة لا تخاف من السؤال، والدين الذي يخشى الحرية يفقد ثقته بنفسه، والإيمان الذي يحتاج إلى السيف لكي يعيش هو إيمان مأزوم في جوهره. لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يحاول البعض إحياء تلك العقلية القديمة تحت أي شعار. عقلية الوصاية على العقول. عقلية احتكار الحقيقة. عقلية التكفير قبل الحوار. عقلية السيف قبل البرهان. فالتاريخ الذي امتلأ بالمشانق والحرائق والفتاوى الدموية ليس تاريخاً ينبغي الافتخار به، بل تاريخ ينبغي التأمل فيه ونقده وتجاوزه. إن مستقبل المسلمين لن يبنيه حراس الماضي، وإنما يبنيه الأحرار الذين يؤمنون أن الله منح الإنسان عقلاً لكي يفكر، لا لكي يستأذن أحداً في التفكير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..