مقالات وآراء

سياط العزل وأوهام الإقصاء

بقلم: السماني شكرالله

في السياسة السودانية، كثيراً ما تتحول الشعارات إلى بدائل للفكر، وتصبح العبارات الرنانة ستاراً يُخفى خلفه عجز النخب عن مواجهة الواقع كما هو لا كما تشتهي. ومن بين أكثر الشعارات تداولاً وإثارة للجدل عبارة: “ما عدا المؤتمر الوطني”؛ تلك العبارة التي انتقلت من كونها موقفاً سياسياً إلى ما يشبه العقيدة التي تُرفع في وجه كل دعوة للحوار، حتى غدت جزءاً من الأزمة أكثر من كونها جزءاً من الحل.

غير أن القراءة المتأنية لتاريخ الحركة الإسلامية في السودان تكشف أن المؤتمر الوطني لم يكن سوى محطة تنظيمية في مسار أطول وأعمق. فقد تبدلت الأسماء وتغيرت الواجهات من جبهة الميثاق الإسلامي إلى الجبهة القومية الإسلامية ثم إلى المؤتمر الوطني، بينما ظل الجسم التنظيمي محتفظاً بقدرته على التكيف وإعادة التموضع. ولذلك فإن اختزال الأزمة في اسمٍ أو كيانٍ سياسي بعينه لا يعدو أن يكون رهاناً على الظل، لأن الأفكار والتنظيمات الاجتماعية لا تزول بقرارات الإقصاء ولا تُمحى بالشعارات.

لقد أفرزت ستة عقود من النشاط السياسي والاجتماعي حضوراً واسعاً لهذه الجماعة داخل المجتمع السوداني، كما أن ثلاثة عقود من الحكم مكّنتها من بناء شبكات نفوذ اقتصادية ومؤسسية معقدة. وهذه حقائق موضوعية لا تتغير بالمواقف العاطفية ولا بالرغبات السياسية. ومن ثم فإن تصور إمكانية استبعاد هذا المكون من أي عملية سياسية شاملة يبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى الحسابات الواقعية.

ولا يعني ذلك تبرئة أحد من الأخطاء أو تجاوز المظالم التي وقعت على السودانيين خلال العقود الماضية. فالعدالة ليست نقيض الحوار، والمحاسبة ليست مرادفاً للإقصاء الجماعي. إن الفارق الجوهري بين الدولة والثأر أن الدولة تحاسب الأفراد على أفعالهم، بينما يعاقب الثأر الجماعات على هوياتها. ومن هنا فإن الطريق الرشيد لا يكمن في إغلاق أبواب السياسة، بل في فتحها وفق قواعد صارمة تضمن عدم تكرار التجارب التي قادت البلاد إلى هذا المصير المؤلم.

إن التحدي الحقيقي ليس في منع طرف من الجلوس إلى طاولة الحوار، بل في الاتفاق على شروط وطنية تجعل أي مشاركة سياسية مرهونة بالالتزام بالعدالة الانتقالية، واسترداد الأموال العامة، وتفكيك التمكين الحزبي داخل مؤسسات الدولة، والقبول الصريح بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وتجريم الانقلابات العسكرية باعتبارها وسيلة للوصول إلى الحكم.

فالحوار، في جوهره، لا يُعقد بين المتفقين بل بين المختلفين. أما تحويل السياسة إلى ساحة للعزل المتبادل فلن ينتج سوى مزيد من التشظي والانقسام، ولن يورث السودانيين سوى دولة تتآكل أطرافها وحرب تتغذى على الأحقاد المتراكمة.

لقد آن الأوان لأن تنتقل النخبة السودانية من منطق “من يُستبعد؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “كيف نبني دولة لا يستطيع أحد اختطافها مرة أخرى؟”. فالمستقبل لا تصنعه قوائم المنع، بل تصنعه قواعد العدالة وسيادة القانون. وما لم ينتصر هذا الفهم، سيظل السودان يدور في الحلقة نفسها، تتغير فيها الأسماء واللافتات، بينما تبقى المأساة على حالها، ويظل الوطن يدفع ثمن عجز أبنائه عن مصالحة العقل مع الواقع.

تعليق واحد

  1. الكاتب الهمام يريدنا ان ننتقل مباشرة من حال الاقتتال والحرب والموت والدمار التي أدخلنا فيها اخوته الكيزان ونقفز لبناء دولة معطوبة كسابقاتها دون محاسبة او عزل ويخيفنا بأن الكيزان كالظل لا يمكن دفنهم!
    لعل الكاتب لا يدري ان الشعب الالماني استطاع دفن النازية نفسها وجرم حتي اللفظة نفسها علي الرغم من ان النازية لا تقارن من اي ناحية مع الكيزان الجرابيع وبالمثل استطاع الطليان قبر الفاشستسة الموسولينيه واستطاع الكمبوديون وأد الخمير الحمر وشرقا اوسطيا تم وأد البعثية والناصرية والقذافية والصدام حسينية والعلي عبدالله صالحية والمباركية وغيرها من احزاب وحركات كانت تظن انها محور الكون ولا يوجد اي مقارنة بينهم وبين الكيزان اللصوص العاطلين عن الموهبة والفكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..