مقالات وآراء

الحلقة الثانية: الفتنة.. سلسلة التجربة الرواندية بين الإبادة والإرادة والريادة

عبد الوهاب محمد جعفر

صحيح أننا أحياناً لا نعرف مَن يقاتل مَن، بيد أن الضحية الوحيدة *هو* الشعب البريء، المشرد، والجائع. لا نعرف مَن الملام ومَن يستحق المديح.
_القائد: بول كاجامي_

قبل أن تسيل الدماء في شوارع كيجالي والخرطوم، سالت الدماء عبر القلم المسموم، وقبل أن يُرفع المنجل والبندقية لقتل الجار والصديق، رُفع صوت الإعلام تحريضاً وفتنة، مأساة البلدين لم تبدأ بالقتل، بل بدأت بالكلمة التي مهدت الطريق للإبادة الجماعية هنا وهناك.

رواندا والسودان تاريخياً بلاد مسالمة لا تعرف العداء العرقي، الهوتو والتوتسي في رواندا، مختلف القبائل والأجناس والألوان والأديان في السودان، تشاركوا الأرض واللغة والثقافة لقرون تحت سقف وطن واحد. لم يعرف الشعبان معنى العنصرية والتمييز العرقي إلا مع دخول الاستعمار الذي استعمل سلاح الفتنة والفرقة مستغلاً هشاشة المجتمعات آنذاك.

المستعمر البلجيكي في رواندا استُخدم كذبة العلم والطب زيفاً وخداعاً لترسيخ الانقسام عبر خرافة ما يعرف بالشعب الحامي، وهو مصطلح تعريفي في ثقافاتهم القديمة للطبقة المسؤولة عن حماية الشعب، وهي ما تعرف بطبقة النبلاء، أشاعوا كذباً أن التوتسي مهاجرون وافدون من سلالة أرفع وأكثر تطوراً وثقافة وحضارة من غيرهم من بقية الشعب الرواندي، فتم منحهم التميز والأولوية في كل شيء التعليم والعلاج والوظائف المرموقة، بينما عومل الهوتو كأنهم مواطنون من الدرجة الدنيا، مع العلم أنهم الأكثر عدداً حيث يمثلون 80% من الشعب، مما خلق شعوراً بالدونية والظلم.

لتكريس هذه الفتنة وتقنين العنصرية أجرى المستعمر قياسات زائفة أقل ما توصف به أنها مضحكة، فلقد كان المقياس في التميز عبارة عن فحص لشكل وتكوين الأنف وحجم الجمجمة الذي يدلل على الذكاء، ليثبتوا تميز وتطور نسل التوتسي، كما قنن المستعمر لذلك ببطاقة الهوية العرقية، وبهذا يكون قد رسخ للكراهية بنص القانون مستغلين جهل وبساطة الشعوب.

جاء بعد ذلك الحكام والساسة والمتطرفون ودعاة الفتنة قبل حرب الإبادة الرواندية واتخذوا من الإعلام بوقاً للتحريض وبث السموم، استخدموا من خلاله تكتيكات نفسية خبيثة عبر مزج خطاب الكراهية بالفكاهة، وربط الموسيقى بالسخرية من شعب التوتسي، فمن خلال تلك الـ100 يوم فقط، كانت كلمات المذيعين الذين يضحكون ويسخرون وهم يقرؤون قوائم الضحايا أقوى من مليون رصاصة، تحول الميكروفون إلى سلاح قاتل أقوى من البندقية.

لا تختلف قصص الفتنة باختلاف الجغرافيا والمكان، فكما كانت في رواندا بطاقة عرقية، عندنا خطابات الإقصاء والتمييز بين أبناء الوطن الواحد، وكما كان لديهم إذاعات تبث الكراهية، لدينا غرف للجداد الإلكتروني ومنصات تبث السموم والإشاعات المضللة لتشكيل رأي عام مساند لاستمرار الحرب.

الفتنة في البلدين احتاجت عقوداً لتُزرع، لكنها في رواندا حصدت مئات الآلاف في ثلاثة أشهر فقط، وها نحن في السودان الحرب تدخل عامها الرابع، أبيدت قرى ودمرت مدن، وتحولت البنية التحتية المنهارة أصلاً إلى أنقاض، وسالت شلالات من الدماء.

الشيطان لا يبدع بل يكرر أدوات نجاحه أمام الطمع الإنساني، والفتنة ليست قدراً بل هي قرار يتخذه ساسة في الغرف المغلقة وينفذه بعض الجهلاء والبسطاء والمنتفعين المنقادين خلف سياسة القطيع، ليدفع الثمن الوطن والمواطن.

في السادس من ابريل 1994 إشتعلت واحدة من أكثر الحروب وحشية، 100 يوم من القتل والاغتصاب والتعذيب والتشريد هزت ضمير العالم.

إلى الحلقة الثالثة: الإبادة..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..