أهم الأخبار والمقالات

البعد الحقيقي في الأزمة السودانية.. صراعات الضعف والانتصار للذات

أسماء محمد جمعة

هل تساءلت يوما لماذا يبدو بعض السياسيين السودانيين شديدي الحساسية تجاه النقد، أو شديدي الحرص على إظهار القوة والتفوق على الآخرين؟ ولماذا يلجأ بعضهم إلى الخطابات العدوانية أو الاستعراضية، أو إلى تضخيم أدوارهم وصورهم أمام الجماهير او حتى تظاهروا بالطرافة او التهريج ؟ وهل تعكس هذه السلوكيات قوة حقيقية وثقة راسخة بالنفس، أم أنها قد تكون محاولة نفسية لتعويض شعور أعمق بالهشاشة النفسية والضعف أو الخوف؟
يرى علم النفس أن الإنسان يسعى بطبيعته إلى الشعور بالقيمة والاعتراف والتقدير، وهذا أمر طبيعي. غير أن هذا السعي قد يكتسب طابعا مختلفا عندما ينشأ الفرد في ظروف تتسم بالحرمان أو التهميش أو القسوة أو الإهمال، كما أن التربية السلبية تلعب دورا مهما . ففي مثل هذه الظروف قد تتشكل داخله حاجة قوية إلى إثبات الذات وانتزاع الاعتراف من الآخرين ، وهي حاجة قد تظل فاعلة حتى بعد وصوله إلى مواقع العمل العام والنفوذ والسلطة.
وقد أشار علماء النفس إلى أن بعض الأفراد يلجؤون إلى ما يعرف بالتعويض النفسي، وهو محاولة لا واعية للتغلب على مشاعر النقص أو العجز أو التهديد الداخلي من خلال إبراز صفات أو سلوكيات معاكسة. فالشخص الذي يشعر في أعماقه بالضعف قد يسعى إلى الظهور بمظهر القوة المطلقة، والذي يخشى فقدان مكانته قد يبالغ في فرض السيطرة على الآخرين، والذي يعاني من خوف وضعف داخلي قد يصبح أكثر حساسية تجاه النقد أو المعارضة،والذي يشعر بعدم الأهمية والقبول قد يختبي وراء الطرافة والتهريج .
ومن هذا المنظور يمكن فهم بعض أنماط السلوك السياسي التي تتسم بالمبالغة في استعراض القوة أو الوطنية أو المعرفة أو الثقة بالنفس . فهذه المظاهر لا تعني بالضرورة وجود قوة نفسية حقيقية، بل قد تكون في بعض الحالات محاولة مستمرة لحماية صورة ذاتية هشة من الانكشاف أو التشكيك .
كما يفسر علم النفس هذه الظواهر من خلال آليات الدفاع النفسي، وهي وسائل يستخدمها العقل بصورة غير واعية لحماية الفرد من القلق أو الشعور بالضعف. ومن بين هذه الآليات الكذب و الإنكار والإسقاط والتبرير والتكوين العكسي. فعندما تصبح صورة الذات هشة، قد ينظر الفرد إلى أي نقد باعتباره تهديدا شخصيا لا مجرد اختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. ولذلك قد يتحول الحوار إلى صراع، والمعارضة إلى عداوة، والنقد إلى مؤامرة.
وتزداد خطورة الأمر عندما تنتقل هذه الديناميات النفسية إلى المجال العام. فبدل أن تصبح السلطة وسيلة لخدمة المجتمع، قد تتحول إلى أداة لحماية الذات وإشباع الحرمان النفسي. وعندئذ يصبح التمسك بالمنصب أو النفوذ  مسألة تتجاوز الاعتبارات السياسية لتلامس شعور الفرد بقيمته وهويته الشخصية.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من أزمة التفاوض والتسويات السياسية في السودان. فالمشكلة لا تكمن دائما في غياب الحلول أو ضعف المبادرات، بل قد تكمن أحيانا في الطريقة التي ينظر بها بعض الفاعلين السياسيين إلى أنفسهم وإلى خصومهم. فعندما يصبح التنازل مرادفا للضعف، والاعتراف بالخطأ مرادفا للهزيمة، وقبول رأي الطرف الآخر مساسا بالهيبة والمكانة، يفقد التفاوض وظيفته الأساسية بوصفه وسيلة للوصول إلى حلول وسط، ويتحول إلى ساحة لإثبات القوة والانتصار للذات. وفي مثل هذه الحالات لا يبحث كل طرف عن أفضل حل للأزمة بقدر ما يبحث عن الحل الذي يؤكد تفوقه ويحافظ على صورته أمام أنصاره الذين هم في الغالب فئة تتأثر بالولاء والخطاب العاطفي، وترى في صورة القائد رغم هشاشتها انعكاسا لقوتها وهويتها.
ولذلك قد تفشل مفاوضات كان يمكن أن تنجح لو جرى التعامل معها باعتبارها عملية مشتركة لحل المشكلات لا معركة لإثبات الذات. ويزداد الأمر تعقيدا إذا عاش المجتمع عقودا طويلة في ظل الحروب والصراعات المسلحة والانقلابات، حيث تترسخ لدى بعض النخب السياسية والعسكرية قناعة ضمنية بأن القوة والإكراه أكثر فاعلية من الحوار والتسوية. ومع مرور الزمن قد تتحول هذه القناعة إلى جزء من التكوين النفسي والسياسي، فيصبح التوافق صعبا ، لان كل طرف يخشى أن ينظر إليه باعتباره الطرف الأضعف إذا أبدا مرونة أو قدم تنازلا، حتى لو كان لمصلحة وطن على حافة التلاشي ، وهنا يظهر الجانب الخفي في الأزمة السودانية التي هي في حقيقة الامر معارك ضعف وهشاشة نفسية تدور بين من يبحثون عن إنتصارات للذات وارضاء للنفس من خلال العمل العام ،وليس هناك نموذج يمكن أن يشرح هذا المشهد أكثر من فشل الجهود الكثيرة التي بذلت لوقف الحرب في السودان دون فائدة حتى دخلت عامها الرابع .
وإذا تأملنا بعض النماذج في المشهد السياسي السوداني المعاصر، يمكن ملاحظة أنماط متكررة من الاستعراض والمبالغة في إظهار القوة أو المعرفة أو الوطنية، إلى جانب صعوبة تقبل النقد أو الاعتراف بالخطأ. ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع هذه السلوكيات ناتجة عن التعويض النفسي، لكنه يظل أحد التفسيرات المهمة عندما تتكرر هذه الأنماط بصورة لافتة في المجال العام، خاصة لدى شخصيات نشأت في ظروف قاسية أو بيئات عانت من التهميش والحرمان وواجهت صعوبات في التربية، فوجدت في السلطة أو السلاح أو المناصب وسيلة لإثبات الذات وانتزاع الاعتراف حتى ولو على حساب الوطن والمواطن. وعندما تصبح الحاجة النفسية إلى القوة والقيمة قوية، تتراجع الأخلاق والقيم والدين، أو يتم إعادة صياغتها أو تأويلها بطريقة تخدم تلك الحاجة النفسية وتبررها.
وفي الحقيقة، القوة السياسية الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بقدرة المسؤول على إخافة خصومه أو تحقيرهم أو استفزازهم، بل بقدرته على تقبل النقد والاعتراف بالخطأ والتعامل مع الاختلاف دون شعور بالتهديد. فالسياسي المسؤول المتصالح مع نفسه القوي فعلا لا يتوارى خلف الأقنعة النفسية لإثبات نفسه وانتزاع القيمة دون استحقاق.
ولهذا فإن فهم البعد النفسي للسلوك السياسي مهم لتفسير بعض الظواهر التي تتكرر في المجال العام، فالكثير من الصراعات السياسية قد تكون في جوهرها صراعات على المكانة والاعتراف والهوية والقوة والانتصار للنفس أكثر من كونها صراعات على البرامج والأفكار والمصلحة العامة. وعندما نفهم ذلك نصبح أكثر قدرة على فهم السلوك السياسي نفسه، لا الاكتفاء بمشاهدة مظاهره الخارجية.
وإذا كان بعض السلوك السياسي ناتجا عن حاجات نفسية غير مشبعة تتعلق بالمكانة والاعتراف وإثبات الذات، فإن المجتمع نفسه يسهم أحيانا في تعقيد الأزمة، ويساهم دون أن يدري في تعزيز هذه الأنماط عندما يكافئ الخطاب الاستعراضي و يحتفي بالقوة أكثر من الحكمة، ويعتبر التنازل ضعفا والاعتراف بالخطأ هزيمة ،وفي الحقيقة نفس السلوك السياسي موجود على المستوى الاجتماعي . ولذلك فإن مسؤولية التغيير تقع على الجميع، من خلال بناء ثقافة جديدة تقوم على الحوار والتسامح واحترام الاختلاف وكذلك تقدير أهل الكفاءة وهو يعد جزءا أساسيا من علاج الأزمة السياسية نفسها. فكلما تراجعت الحاجة إلى استعراض القوة من أجل الحصول على الاعتراف الاجتماعي، أصبحت السياسة أقرب إلى البحث عن الحلول وأبعد عن الصراع على المكانة والهيبة.
إن أي مشروع حقيقي للخروج من الأزمة السودانية يحتاج إلى قراءة شاملة للواقع وفهم الجذور العميقة والخفية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. فالحلول الجذرية لا تبدأ فقط بإصلاح المؤسسات والقوانين، وإنما أيضا بفهم الإنسان الذي يدير هذه المؤسسات ويصنع تلك القرارات. فقد اعتدنا في كثير من الأحيان أن نبحث عن أسباب الأزمة في البرامج السياسية أو الصراعات على السلطة أو المصالح الاقتصادية، بينما نهمل الجانب النفسي الذي قد يكون حاضرا بقوة في تشكيل السلوك الفردي والجماعي وصناعة القرار وإدارة الصراع.
إن فهم الدوافع النفسية وآليات التعويض والحاجة إلى الاعتراف والمكانة لا يقل أهمية عن فهم المصالح والتحالفات السياسية، لأن كثيرا من الأزمات تستمر بسبب عجز الأطراف عن تجاوز صراعات الهوية والصورة الذاتية والشعور بالتهديد وليس بسبب غياب الحلول.
ومن هنا، لا بد من إعادة النظر في الأزمة السودانية من منظور أوسع وأكثر عمقا. فالأزمات الكبرى لا تفهم من خلال بعدها السياسي وحده أو الاقتصادي الاجتماعي فقط، وإنما من خلال قراءة تأخذ في الاعتبار تفاعل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية معا.
ولعل الخطوة الأولى نحو حل الأزمة السودانية تكمن في الانتقال من ثقافة الاتهام وتبادل اللوم إلى ثقافة الفهم والتحليل وإدراك الحقائق، والعمل على بناء بيئة سياسية ومؤسسية لا تسمح بتحويل الدولة والسلطة إلى أدوات لحماية الذات أو تعويض مشاعر النقص والحرمان.

‫5 تعليقات

  1. موضوع رائع جدا وبحث عميق للغاية صاغته يد الصحافيه
    والكاتبه الرائعه الجميله الاستاذه / اسماء محمد جمعه حفظها الله .!!!!

  2. يا بنت جمعه انته عايزه ليك شماعه عشان تعلقي فيها فشل السياسة والسياسيين في السودان مره تقولوا حراميه ومره تقولوا مجانيين عندهم مرض نفسي ….الخ
    والله نحنا زاتو ماعارفين حكاية السودان وسياسيين السودان دي ماشه علي وين
    يمكن الحكاية دي تتصلح لو انقرض جيلنا ده والجيل البعدو يمكن الجيل الثالث يصلح البلد لانو احتمال يكون اتربي كويس ههههه

    1. كيمو ياخي كترة الطلة بتمسخ خلق الله! عليك الله اهجد شوية ما تبقي عليك مساخة شوايقة ومساخة تعليقات!
      يا زول الحكاية ما جهاد وخدها مني انت ككوز ماك داخل الجنه ولو كسرت رقبتك فا شنو اهجد شويه وما ضروي تجي ناطي في اي موضوع تعلق ويا ريت لو كلام مفيد كلها اكاذيب وتضليل كيزان وشي مجافي للمنطق والواقع

      1. يا الشاعر هسع الجاب سيرة الكيزان شنو
        والله االموضوع ده ماليهو اي علاقة بالكيزان أو السياسة الكيزانيه الموضوع بيتحدث عن المجانين والمصحات العقليه
        انته براك يا الشاعر بقيت تشوف كل مايمشي علي وجه الارض هو كوز وبقيت تشوف اي موضوع اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي بيتحدث عن الكيزان وهو ماعندو اي علاقة بالكيزان لا من قريب ولا من بعيد

        1. يا اخي الزول دا بيقول ليك كرهناك عدييييييييل وتعليقاتك المشاتره تاني داير شنو حل عنا الله يرحم والديك ادينا نفس اسبوع وواحد وارجع تاني انتي م بتفهم؟؟؟؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..