مقالات وآراء

إذا كان عدوك أخاك فأعلن الهزيمة: في مأساة الحرب بين السلامات والبني هلبة

“الشياطين لا تحتاج كي تدخل إلى أبواب واسعة، يكفيها شقٌ صغير في ضمير رجل أو كرامة مكسورة”.
دستويفسكي
في الحروب كلها قد نجد فيها منتصر ومهزوم، إلا في حروب الإخوة، فهناك لا ينتصر أحد، لأن الدم حين يخاصم الدم، والرحم حين ينقلب على الرحم، لا تكون النتيجة نصراً ولا هزيمة، وإنما خسارة جماعية يتقاسمها الجميع بالتساوي.
وما أشد بؤس الإنسان حين يرفع سلاحه في وجه من تجمعه به الأرض، والذاكرة والمصاهرة، والتراث، والثقافة، وأواصر العيش المشترك، ثم يظن بعد ذلك أنه حقق نصراً يستحق الاحتفال.
لقد ابتُليت دارفور، منذ عقود، بدائرة جهنمية من الصراعات التي لا تكاد تخمد حتى تشتعل من جديد، وكأنها قدر مفروض على أهل الإقليم.
غير أن المتأمل في جوهر هذه الحروب يدرك أنها ليست قدراً بقدر ما هي حصاد مرّ لتراكم طويل من الإخفاقات السياسية والاجتماعية والإدارية، ولعجز مزمن عن مواجهة الأسباب الحقيقية التي تلد النزاع وتعيد إنتاجه في كل مرة بصورة أكثر عنفاً وأشد قسوة.
وما جرى أخيراً بين قبيلتي، البني هلبة والسلامات ليس سوى فصل جديد من كتاب الدم المفتوح في دارفور.
فصل تتكرر فيه المشاهد ذاتها قتلى يُشيَّعون إلى مثواهم الأخير، ونساء يندبن أبناءهن وأزواجهن، وأطفال يستيقظون على أصوات الرصاص بدلاً من أصوات الحياة، وقرى تفرغ من أهلها كما تفرغ الأشجار من أوراقها في مواسم القحط.
ثم يجلس الناس بعد ذلك إلى موائد الصلح، ويتبادلون كلمات الأسف ويجددون روابط الإخاء، والمودة، ويظنون أن الجرح قد التأم، بينما يبقى الخنجر مغروساً في عمقه.
لقد تعلم أهلنا في دارفور من تجاربهم المريرة حكمة بالغة الدلالة حين قالوا: “النار ما بغطوها بالعويش”، وهي عبارة تختصر مأساة كاملة في كلمات قليلة إذ لا معنى للسلام إذا اقتصر على إخماد اللهب الظاهر وترك الجمر مشتعلاً تحت الرماد.
فما أكثر الاتفاقات التي أوقفت إطلاق النار ولم توقف أسباب الحرب، وما أكثر المصالحات التي عالجت النتائج وتركت الجذور تتغلغل في الأرض حتى إذا سنحت لها الفرصة عادت لتنبت شوكاً جديداً.
إن الحروب القبلية في دارفور ليست مجرد خلافات عابرة حول مورد أو مسار أو حادثة طارئة، وإنما هي تعبير عن أزمة أعمق تضرب بنية المجتمع والدولة معاً.
فحين تضعف سلطة القانون، ويتراجع حضور الدولة، وينتشر السلاح بين الأيدي، وتضيق موارد العيش، وتُستدعى العصبيات الأولية إلى ساحة السياسة، يصبح المجتمع أشبه بحقل يابس ينتظر شرارة صغيرة ليشتعل بأكمله.
غير أن أخطر ما في هذه الحروب المتناسلة ليس عدد القتلى ولا حجم الدمار، وإنما ذلك الخراب الصامت الذي يصيب الروح الجماعية للمجتمع.
فالبيوت يمكن أن يتم بناؤها، والحقول يمكن أن تُزرع من جديد، والماشية ولادة، أما الثقة حين تنكسر بين الناس فإن ترميمها يحتاج إلى أجيال وأجيال.
وما من كارثة أشد على مجتمع من أن يتحول الجار إلى خصم، والقريب إلى عدو، وشريك الأمس إلى مصدر خوف وريبة وشك.
والسلامات والبني هلبة، كغيرهما من مكونات دارفور الاجتماعية، لم تصنع بينهم الجغرافيا حدوداً فاصلة، بل صنعت جسوراً من المصاهرة والمجاورة والمنافع المشتركة.
وقد تقاسمت القبيلتان الأفراح والأتراح ومياه الآبار وظلال الأشجار وأسواق القرى قبل أن تتقاسما ساحات القتال.
ولذلك فإن الرصاص الذي ينطلق من أحد الطرفين لا يصيب الطرف الآخر وحده، بل يصيب تاريخاً مشتركاً وذاكرة جمعية ووشائج إنسانية تراكمت عبر عقود طويلة.
ومن المؤسف أن كثيراً من هذه الصراعات تجد من يغذيها وينفخ فيها من وراء الستار.
تجار أزمات وسماسرة حروب يقتاتون على الانقسام، وسياسة فرق تسد، ومستفيدون من الفوضى والدمار والخراب، وأصحاب مصالح لا يزدهر نفوذهم السياسي إلا كلما اتسعت هوة الشقاق بين الناس.
وهؤلاء هم الرابحون الحقيقيون من الحروب، بينما يكتفي أبناء القبائل بحمل نعوش قتلاهم وإحصاء خسائرهم وانتظار جولة جديدة من الألم والضياع.
إن دارفور اليوم لا تحتاج إلى هدنة جديدة بقدر ما تحتاج إلى مراجعة شجاعة وصريحة مع الذات.
تحتاج إلى الاعتراف بأن السلاح لم يحل مشكلة قط، وأن الثأر لا يورث إلا ثأراً آخر، وأن الدم لا يغسل الدم.
تحتاج إلى مشروع سلام حقيقي ينطلق من معالجة الأسباب لا من تجميل النتائج، ومن بناء العدالة لا من تأجيلها، ومن ترسيخ المواطنة لا من استدعاء العصبية.
لقد آن للعقلاء أن يرفعوا أصواتهم فوق ضجيج البنادق، وللحكماء أن يتقدموا صفوف المشهد قبل أن يبتلع الحريق ما تبقى من الزرع والضرع والإنسان.
فليس من الشجاعة أن ينتصر المرء على أخيه، وإنما الشجاعة الحقيقية أن ينتصر على غضبه، وأن يغلب نزعة الانتقام في نفسه، وأن يختار طريق الصلح حين تكون الحرب أسهل الخيارات.
ولهذا أقول لأهلي جميعاً: إذا كان عدوك أخاك فأعلن الهزيمة.
أعلنها انتصاراً للحكمة على الغضب، وللرحم على العصبية، وللمستقبل على أحقاد الماضي.
أعلنها لأن القبور امتلأت بما يكفي، ولأن الأمهات بكين بما يكفي، ولأن دارفور التي أنهكتها الحروب تستحق أن ترى جيلاً يحمل أدوات البناء لا أدوات الفناء.
ولعل أعظم ما يمكن أن يُهدى إلى أرواح الضحايا ليس خطاباً حماسياً جديداً، ولا جولة أخرى من الثأر، وإنما سلام صادق يطوي صفحة الدم إلى غير رجعة، ويعيد إلى الناس إيمانهم بأنهم، مهما اختلفت قبائلهم ومساراتهم ومصالحهم، أبناء أرض واحدة ومصير واحد.
فلا الخاسر غريب، ولا القتيل عدو، ولا الدم المسفوح دم سواهم.
إنها دارفور تنزف من جرحها بأيدي أبنائها، ولا دواء لهذا النزيف إلا أن يدرك الجميع أن الوطن أوسع من القبيلة، وأن الأخوّة أبقى من الخصومة، وأن السلام، مهما بدا شاقاً، أقل كلفة من الحرب، حروب لا يعرف أحد أين تبدأ ولا متى تنتهي.
إلى أهلي في كل ربوع السودان….
سلام لا ينتهي.

‫3 تعليقات

  1. اقليم دارفور هذا اقليم غريب وعجيب يا اخي حمدين فقد تتصارع فيه القبائل علي شيء صغير وحقير حتي لو كان الصراع علي كوب شاي ( بدون اسباب موضوعيه تلاقي الشكله والبنية دورت و فجأة ) وفي اعتقادي يكمن السبب في توفر السلاح وتهريبه بطرق متعدده بدون حسيب ورقيب لاتساع هذا الإقليم وصعوبة فرض الرقابه عليه من الحكومة وثانيا بسبب ثقافة انسان دارفور منذ الصغر في أخذ الحق باليد دون اللجوء والاحتكام إلي السلطة القائمة أو الإدارة الأهلية في المنطقه واعتبار ذلك من نوع من الرجالة والشهامة وفي اعتقادي أن المشاكل والتي تحدث بين المزارعين والرعاة لها الاثر الكبير في الحروب والتي تحدث بين تلك القبائل وعلي سبيل المثال لا الحصر( هذه مزرعتي وتلك مزرعتك وغنمك اكلن زرعي وهذه حاكورتي وانت تعديت عليها ……الخ )

    1. لك التحية اخي كيمو على مداخلتك الجميلة. اتفق معك تماما في ان القبائل في دارفور تتصارع على اى شىء وكل شىء واحيانا كثيرة يكون السبب تافها. كما اتفق معك في ان وفرة السلاح وتهريبه بدون حسيب ورقيب لإتساع الاقليم وصعوبة فرض الرقابة عليه من الحكومة كما تفضلت من الاسباب التي ساهمت في هذا الوضع الى جانب الثقافة السائدة بأخذ القانون في اليد دون اللجوء للسلطة او الادارة الاهلية. وأتفق ايضا مع استاذنا الكاتب الرائع الصادق حمدين في ان المسألة اكثر من مجرد حالات فردية. وفي تقديري المتواضع ان المشكلة مشكلة وطن وليس اقليم محدد لأن السودان بلد متعدد الثقافات والقبائل ولذلك لابد من وضع منظومة متكاملة بعد انتهاء الحرب اللعينة يتم من خلالها ايجاد حلول وبحث الاسباب وراء النزاعات القبلية الدامية التي تطل برأسها كل حين وآخر في دارفور تحديدا. نعم شهدنا احتكاكات وصراعات قبلية دامية في شرق السودان ولكنها كانت محدودة وانتهت في وقتها. اما دارفور فالامر مختلف. كنا نعتقد ان الامر لا يعدو كونه صراع مزارعين ورعاة ولكن يبدو ان الموضوع اكبر من ذلك بكثير. حمى الله السودان وشعبه المكلوم وتقبل شهدائنا وتحية خالصة لك اخي كيمو ولاستاذنا الصادق حمدين.

  2. أخي كيمو الشايقي، لك التحية أشكرك على طرحك ورؤيتك للموضوع، وأتفق معك في أن انتشار السلاح وضعف هيبة الدولة من العوامل التي ساهمت في تفاقم النزاعات في دارفور، لكنني أرى أن القضية أكثر تعقيداً من أن تُختزل في خلافات قبلية تنشب لأسباب بسيطة أو تافهة.
    دارفور لها تاريخ طويل من التعايش بين مكوناتها المختلفة، وقبل تدخل الحكومات المركزية وتأجيج التناقضات وفق سياسات تقوم على استثمار الانقسامات الاجتماعية، كانت هناك آليات عرفية وإدارات أهلية قادرة على احتواء النزاعات وحلها مهما بلغت درجة تعقيدها. لذلك فإن جذور الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية وأمنية.
    أما ما يُتداول أحياناً عن أن حرباً أو اقتتالاً اندلع بسبب “كوب شاي” أو لأن “ست الشاي” أخّرت طلب أحد الزبائن، فهذه الحوادث قد تكون الشرارة الظاهرة فقط، لكنها ليست السبب الحقيقي. فالشرارة الصغيرة لا تتحول إلى نزاع واسع إلا عندما تكون هناك أسباب جذرية كامنة تتعلق بالاحتقان الاجتماعي، وغياب العدالة، وانتشار السلاح، وضعف مؤسسات الدولة، وهي أمور تحتاج إلى معالجة سياسية وإدارية واجتماعية شاملة.
    وبما أنك من أهل الشمالية، فأنت تعلم أن التناقضات والخلافات الاجتماعية ليست حكراً على دارفور، فهي موجودة بدرجات متفاوتة في مختلف أنحاء السودان. لكن عوامل مثل حياة المدن، وارتفاع مستويات التعليم، والوعي المجتمعي، وقوة المؤسسات المدنية، ساعدت على منع تلك التناقضات من التحول إلى نزاعات دامية.
    من وجهة نظري، الحل لا يكمن في تحميل القبائل المسؤولية أو في “البل” والاصطفافات القبلية، بل في تجريم خطاب القبلية والكراهية، ومنع الزج بالمكونات الاجتماعية في تنفيذ أجندات سياسية. عندما يصبح الانتماء للوطن فوق الانتماءات الضيقة، سندرك جميعاً كم أن السودان بلد جميل يستحق أن نعيش فيه بسلام.
    وفي النهاية، يا أخي الشايقي، ألا تتفق معي أن الإنسان بطبيعته يحب الحياة ولا يحب الموت؟ فلا توجد قبيلة أو مجموعة تتمنى الحرب لأبنائها، وكل الناس تتطلع إلى الأمن والاستقرار والعيش الكريم، لكن المطلوب هو معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع المجتمعات إلى دائرة الصراع والاقتتال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..