مقالات وآراء

ما عدا المؤتمر الوطني

لم تكن عبارة “ما عدا المؤتمر الوطني” مجرد جملة خرجت من قاعة حوار سياسي لتدخل سجالاً عابراً بين القوى المختلفة، بل كانت أشبه بحكم مختصر حمل في جوفه ملفاً كاملاً من الوقائع والأسئلة والاتهامات والتجارب المريرة.. ولهذا وجدت طريقها سريعاً إلى الشارع السوداني، حيث تلقفها الناس لا بوصفها موقفاً تفاوضياً، بل بوصفها خلاصة شعور عام تشكل عبر سنوات طويلة من التجربة والمعاناة والخيبات الوطنية.

❝ التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه لا يكف عن محاسبة الذين لم يتعلموا منه.❞

— أوكتافيو باث

(1)

لكن السؤال الأهم ليس هو لماذا قيلت عبارة “ما عدا المؤتمر الوطني” بل هل كانت عادلة؟ والإجابة عند قطاع واسع من السودانيين هي نعم.. ليس لأن خصومة سياسية فرضت ذلك، بل لأن الحيثيات التي سبقتها ما تزال حاضرة في الذاكرة العامة. فالأحكام الكبيرة لا تولد من فراغ، وإنما من تراكم الوقائع التي تجعل الاستنتاج أقرب إلى النتيجة المنطقية منه إلى الرغبة السياسية العابرة.

(2)

لقد حكم المؤتمر الوطني السودان لسنوات طويلة، بيد من حديد، بعدما امتلك خلالها ولثلاثة عقود، سلطة القرار ومفاتيح الدولة وأدوات التأثير.. وخلال تلك السنوات لم يعد الحزب مجرد منافس سياسي بين منافسين، بل تحول إلى مركز الثقل الذي تشكلت حوله مؤسسات الحكم والإدارة والاقتصاد .. وحين تكون السلطة بهذا الاتساع، فإن المسؤولية بدورها تصبح واسعة ولا يمكن التنصل منها عند لحظة الحساب الوطني.

(3)

وأول ما كتب حيثيات هذا الحكم الشعبي هو الفساد الذي تمدد داخل أجهزة الدولة حتى أصبح جزءاً من صورتها أمام المواطنين.. فالمشكلة لم تكن في أخطاء معزولة أو تجاوزات فردية، بل في شعور عام بأن موارد البلاد الضخمة لم تنعكس على حياة الناس، وأن الفرص أهدرت، وأن الدولة التي كان يمكن أن تكون نموذجاً للتنمية تحولت إلى ساحة للأزمات المتلاحقة.

(4)

ثم جاءت الانقسامات الوطنية لتضيف صفحة أخرى إلى ملف الحيثيات.. فخلال سنوات الحكم لم ينجح المشروع السياسي الذي قاده المؤتمر الوطني في بناء إجماع وطني مستقر، بل انتهى به إلى مستويات غير مسبوقة من الاستقطاب والتشظي.. وحرب أكلت الأخضر واليابس وتركت شعب بأكمله الى مصير مجهول بعد قذفت به إلى قارعة المنافي والنزوح.. وعندما تحضر كل هذه الحثيات، يصبح السؤال عن المسؤولية أمراً مشروعاً لا يمكن القفز فوقه بشعارات المصالحة وحدها.

(5)

ولم يكن سقوط النظام في عام 2019 حدثاً منفصلاً عن هذا السياق، بل كان في نظر كثيرين نتيجة طبيعية لاتساع الهوة بين السلطة والشعب، ولمسار طويل من التراكمات.. لذلك فإن عبارة “ما عدا المؤتمر الوطني” لم تولد في غرف التفاوض، وإنما ولدت فعلياً في الشارع الذي خرج محتجاً على تجربة حكم كاملة.. وما الحوار السياسي إلا المكان الذي وجدت فيه تلك القناعة الشعبية طريقها إلى التعبير المباشر.

(6)

ومع ذلك فإن أهمية العبارة لا تكمن في استبعاد حزب بعينه، وإنما في الرسالة التي تحملها.. فهي تقول إن المشاركة السياسية ليست حقاً مجرداً من المسؤولية، وإن العودة إلى المشهد العام لا بد أن تسبقها مراجعة صريحة للتجربة السابقة.. فالأمم التي تتجاوز أخطاءها دون مساءلة غالباً ما تجد نفسها تعيد إنتاج الأزمات نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.

(7)

لهذا تبدو العبارة أكبر من مجرد استثناء سياسي.. إنها تعبير عن رغبة في وضع معيار للمحاسبة داخل الحياة العامة.. وقد يختلف الناس حول تفاصيلها أو حدودها أو نتائجها، لكنهم يصعب أن يتجاهلوا السؤال الذي تقف خلفه:” كيف يمكن بناء مستقبل جديد إذا لم تتم مواجهة الأسباب التي قادت إلى الخراب القديم؟ ذلك هو السؤال الذي يمنح العبارة قوتها واستمرارها.

إن الذين ينظرون إلى عبارة “ما عدا المؤتمر الوطني” باعتبارها مجرد موقف سياسي عابر ربما لا يدركون أنها في نظر كثير من السودانيين تمثل خلاصة حيثيات ما تزال تُكتب حتى اليوم.. فهي ليست حكماً انتهى النطق به، بل قضية مفتوحة، ما تزال وقائعها حاضرة في الذاكرة الوطنية كجرح مفتوح.. ولهذا لم تصبح العبارة عنواناً لخلاف سياسي فحسب، بل عنواناً لسؤال أكبر: “كيف يحمي السودان مستقبله من الأخطاء التي أوصلته إلى هذا الخراب؟” ذلك هو جوهر الحكاية، وما عداه تفاصيل.. إنا لله ياخ.. الله غالب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..