مقالات وآراء

مشروع الجزيرة بين الحقيقة والخيال !

* أخيراً فتحت إدارة مشروع الجزيرة مياه الري من خزان سنار وأعلنت انطلاق الموسم الزراعي الجديد، ورفعت سقف الطموحات إلى زراعة 1.2 مليون فدان من القطن والذرة والفول السوداني وفول الصويا وغيرها من المحاصيل، وهو خبر جميل في بلد يبحث عن أي بارقة أمل وسط الخراب الذي خلفته الحرب، ولكن السؤال الذي لا بد أن يُطرح: هل يكفي فتح المياه لإعلان نجاح الموسم الزراعي، أم أننا ما زلنا نخلط بين الأمنيات والحقائق؟!

* الحقيقة الأولى أن مشروع الجزيرة لا يبدأ من خزان سنار، بل يبدأ من الحواشة، من القنوات الفرعية وقنوات أبو عشرين والترع الصغيرة التي تنقل المياه إلى المزارع، فإذا كانت هذه الشبكة غير جاهزة، فإن المياه غالبا ما تتحول إلى مشكلة بدلاً من أن تكون حلاً، والتقارير الميدانية التي تحدثت عن تراكم الأطماء والحشائش في أجزاء واسعة من المشروع لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد ملاحظات عابرة.

* والحديث عن الري وحده لا يكفي، فمن بين القضايا التي يغفلها كثيرون عند الحديث عن الموسم الزراعي قضية الصرف الزراعي، فنجاح أي مشروع مروي لا يعتمد على إيصال المياه فقط، بل على تصريف الفائض منها أيضاً، وقد عانى مشروع الجزيرة خلال العقود الماضية من إهمال قنوات ومصارف الصرف في العديد من الأقسام، مما أدى إلى ركود المياه وارتفاع مستوى الملوحة في بعض المناطق وتدهور خصوبة التربة وانخفاض الإنتاجية، ولذلك فإن تطهير الترع وحده لا يكفي، بل يجب أن يصاحبه تأهيل شامل لشبكات الصرف الزراعي، وإلا فإن المشروع قد يواجه مشكلات الغرق والتشبع المائي حتى في حالة توفر المياه بصورة منتظمة. إن نجاح الموسم لا يتوقف على تطهير الترع فقط، وإنما على التأكد أيضاً من جاهزية المصارف وشبكات الصرف لاستيعاب الفائض المائي والتخلص منه بكفاءة.

* الحقيقة الثانية أن المشروع يخرج من حرب مدمرة لم تترك قطاعاً إلا وأصابته في مقتل. وزارة الزراعة نفسها تتحدث عن خسائر تجاوزت عشرة مليارات دولار، ونهب شبه كامل للآلات الزراعية، وتدمير لمحطات البحوث والمخازن والبنى التحتية، فهل يمكن لمشروع تعرض لكل هذه الكوارث أن يستعيد عافيته بمجرد فتح بوابات خزان سنار؟!

* الحقيقة الثالثة أن المياه ليست المشكلة الوحيدة، فهناك التمويل. كم من المزارعين يملكون اليوم المال الكافي لحرث الارض والتقاوي والأسمدة والمبيدات والوقود، وكم منهم استطاع أصلاً تجهيز أرضه، وكم منهم ما زال ينتظر تمويلاً لم يصل بعد؟

* إن الحديث عن زراعة مليون ومائتي ألف فدان لا يصلح الا في المؤتمرات والاجتماعات واجهزة الاعلام فقط، ولكنه يحتاج على الأرض إلى مليارات الجنيهات وليس إلى التصريحات فقط.

* ثم تأتي مشكلة الإدارة والتنسيق، فقد ظل مشروع الجزيرة لعقود طويلة يعاني من تضارب الاختصاصات وضعف الصيانة وغياب المحاسبة، وكلنا نعرف أن كثيراً من مواسم المشروع فشلت ليس بسبب نقص المياه وإنما بسبب سوء إدارتها، ولذلك فإن الحديث عن الزراعة الجماعية والالتزام بالدورة الزراعية خطوة إيجابية، ولكن نجاحها يتوقف على التنفيذ الفعلي لا على القرارات الورقية.

* لا يعني ذلك أن الموسم محكوم عليه بالفشل، ولكنه ليس مضمون النجاح كما يحاول محافظ المشروع وغيره من المسؤولين تصويره، ويقيني أن هناك فرصة حقيقية لإنقاذ الموسم إذا تحركت الجهات المعنية بسرعة لمعالجة نقاط الضعف.

* أولاً، يجب إعلان حالة طوارئ لصيانة وتطهير القنوات والترع وأبو عشرينات والمصارف الزراعية خلال الأسابيع القادمة، وعدم الاكتفاء بما تم إنجازه حتى الآن. ثانياً، توفير تمويل عاجل وميسر للمزارعين بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية والفوائد المرهقة. ثالثاً، إشراك روابط المزارعين في مراقبة توزيع المياه والإبلاغ عن الاختناقات فوراً. رابعاً، توفير الوقود والمدخلات الزراعية بأسعار معقولة قبل دخول الموسم في مراحله الحرجة. وخامساً، وضع نظام رقابي شفاف يعلن للرأي العام حجم الإنجاز والمعوقات بصورة دورية.

* مشروع الجزيرة أكبر مشروع زراعي مروي في السودان، وأحد أهم ركائز الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، وكان في يوم من الايام اكبر مشروع زراعي مروي في العالم، ولذلك فإن التعامل معه بمنطق الدعاية والتطمينات المجانية لن يفيد أحداً.

* صحيح أن فتح المياه خطوة مهمة، ولكن النجاح الحقيقي لن يقاس بما يخرج من خزان سنار، بل بما ينتجه المشروع وما يدخل في ميزانية الدولة وفي جيوب المزارعين في نهاية الموسم.

* ويبقى السؤال: هل تعلمنا شيئاً من إخفاقات السنوات الماضية، وهل نملك الإرادة لمعالجة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط، أم سنكتشف بعد أشهر أن المياه وصلت إلى الترع، لكنها لم تصل إلى الحواشات، وأنها عندما وصلت لم تجد طريقاً للخروج عبر شبكة صرف زراعي فعالة، والكل غارق في الفشل والفوضى وتوجيه الاتهامات للآخرين!

‫4 تعليقات

  1. اذا تم نفير مماثل للحرب الماثلة و التي وصفها أحد طرفيها بانها عبثية! أعتقد يمكن إنجاز الكثير..شرط توفر التقاوي..يوجد الآن في الجزيرة آلاف الشباب ،يحتاجون الي من يحركهم للعمل…
    المصارف بالرغم من إهمالها ،لا تشكل عقبة و من يزرع ان يترك أرضه للغرق..شوية مراقبة و همة يمكن إنجاح الموسم الزراعي..
    وربنا يكفي الناس كيد المصريين…

  2. من المهم ايضا الايدي العاملة و صحيح ان هناك الان اعداد كبيرة من العاطلين ممن فقدوا اعمالهم نتيجة الحرب و لكن ليس كل هؤلاء يمكنه العمل في اعمال الزراعة
    التمويل محرك مهم لجلب العمالة المطلوبة و لكن التعقيدات الاقتصادية الحالية تشكل العقبة الكبرى

  3. ما لم يذكر هنا أن مشروع الحزيرة حقق طفرة أنتاجية كبيرة في سنوات ثورة ديسمبر
    لو عرفنا السبب لوفرنا كثير من الحهد والوقت
    الحصل إنه حكومة الثورة كانت مع المشروع قلبا وقالبا
    في المقابل حكومة الكيزان التي كانت تعمل بمنهجية لتخريب المشروع
    إذا تواصلت حلقات الثورة فحيرجع المشروع
    العسكر والكيزان هم سبب أذية السودان
    بالقضاء عليهم أمورنا بتمشي كويس

  4. الفت نظر الدكتور السراج الى ما يحدث في القسم الشرقي لمشروع الجزيرة مكتبي حداف وود الفضل.
    هذا القسم كان يروى من النيل الازرق بواسطة طلمبات على الضفة الشرقية للنيل الازرق مقابل قرية ابوفروع على الضفة الغربية. الذي حدث ان هذه الطلبات تعرضت لتخريب واسع جراء الحرب الدائرة الأن. تعطلت عملية ري هذا القسم وتوقفت الزراعة وهو الآن قد عاد ” بلدات” كما كان سابقا. المزيد من المعلومات متوفر طرف إدارة مشروع الجزيرة. اضيف ان هذا القسم نال جائزة الإنتاج في مشروع الجزيرة عام 1970 على عهد الباشمفتش المرحوم امين عبيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..