الإطار الاستراتيجي للديموقودية: هندسة السلام الشامل ومأسسة حقوق أصحاب الأرض والضحايا في السودان

د. بخيت أوبي
أثبتت التجارب التاريخية للسلام في السودان ، ونظريات حل النزاعات بحسب فكر البروفيسور جون كالتونغ حول السلام الايجابي، أن الاتفاقيات الفوقية بين الأطراف المتصارعة بشرعية السلاح لا تنتج سلاما إيجابيا بل هدن مؤقته سرعان ما تعود إلى مربع المواجهة العنيفة وشرعنة العنف البنيوي. أن استبعاد أصحاب المصلحة الحقيقيين والمتاثرين سلبا بالحرب من النازحين واللاجئين والمجتمعات الأصلية من مسارات التفاوض الحالية لا يمكنها أن تنتج سلاما مستداما، بل تجرد العملية الجارية برمتها من شرعيتها الديمقراطية بصورة تضمن انهيارها.
تمثل “الديموقودية” أداة تفاوضية ومنهجية واقعية وعملية تدمج بين المعايير الديمقراطية الحديثة (الحق في التمثيل والفيتو) والبوصلة الأخلاقية والعرفية الأصيلة للشعوب السودانية ( الجودية، القلد، المسيد، الراكوبة، الحواكير، النفير، وغيرها) لتفكيك ابعاد الصراع (المواقف، السلوكيات، التناقض الجذري) عبر مسارات خمس استراتيجية ومرتبطة:
١. مسار المسح والتحصين الشامل (Inclusion & Mapping)
* القيادة الديموقودية : يتم فيها تطبيق “النفير الديمقراطي” وذلك عبر تسمية ممثلين للاجئين والنازحين عبر تقسيم المعسكرات إلى مربعات جغرافية تحوى ما منها ٢٠٠ خيمة كوحدة انتخابية يتم فيها اختيار ممثل وممثلة بالانتخاب، بالتوازي مع استدعاء رجالات الإدارة التقليدية غير المسيسة لممثلي المجتمعات الأصلية. وأن تشمل العملية جميع لاجئ السودان بالخارج.
* المعالجة البنيوية لغالتونغ: تفكيك السلوك العدائي لعزل وتفتيت محاولات الاستقطاب العسكري للمدنيين، وكسر احتكار النخب والمسارات المسلحة لطاولة القرار.
* سلطة الفيتو والشرعية: يُمنح أصحاب المصلحة حق “فيتو التمثيل”؛ بحيث لا يُعترف بأي وفد مدني أو مسار سياسي لا يحمل تفويضاً شرعياً مكتوباً وموقعاً من مجالس المعسكرات والأعيان التاريخيين للحواكير.
* دور المجتمع الدولي والوسطاء: التعهد بتمويل وتأمين مراكز الاقتراع جغرافياً ورقمياً، وتوفير الحماية الفيزيائية والقانونية للممثلين المنتخبين لضمان استقلاليتهم الكاملة.
٢. مسار الحوار العلاجي والسيادة الإنسانية (Deep Dialogue & Sovereignty)
* القيادة الديموقودية: إحياء “مجلس الأجاويد” و”راكوبة الحوار” لإدارة الاتصال، واستخدام تكتيك “الإنصات الجسيم” لإعادة تأطير المظالم التاريخية وتنقيتها من خطاب الكراهية.
* المعالجة البنيوية لغالتونغ: معالجة المواقف والتحيزات النفسية، وتأسيس مبدأ الاعتراف المتبادل بالحقوق التاريخية والمواطنة المتساوية بين المكونات المجتمعية كافة.
* سلطة الفيتو والشرعية: تمتلك لجان تسيير العون الإنساني الشعبية بالمعسكرات سلطة “فيتو الممرات الإنسانية”، وبموجبها يتم تعليق المفاوضات السياسية والعسكرية فوراً في حال حصار المدنيين، أو تسييس الإغاثة، أو عرقلة تدفق الغذاء والدواء.
* دور المجتمع الدولي والوسطاء: الالتزام بتيسير وإدارة “طاولة باء” (طاولة أصحاب المصلحة) بالتوازي مع طاولة العسكريين، وحظر أي تداخل أو تسلل أمني يسعى لتخريب مسارات الحوار المدني.
٣. مسار التسامي والحلول العابرة للأرض (Transcendence & Co-Creation)
* القيادة الديموقودية: الانتقال من صراع الثنائيات الصفرية إلى ابتكار خيارات تشاركية مرنة لإدارة الأرض والموارد، وأحياء المفاهيم التراثية للتعاون وحل الخلافات المجتمعية والتعايش السلمي وإدارة تنوع المجتمع.
* المعالجة البنيوية لغالتونغ: تفكيك التناقض الجذري (عقدة ندرة الموارد والسيادة على الأرض) عبر تحويل المناطق الساخنة المتنازع عليها إلى أقاليم تنموية مشتركة تدار ديمقراطياً لصالح الجميع.
* سلطة الفيتو والشرعية: يُثبت حق “فيتو ملكية الأرض (الحواكير)”؛ والذي يقضي بالتشريع الدستوري لبطلان وحظر وتجميد كافة المعاملات العقارية وتخصيص الأراضي التي تمت الاستيلاء عليها خلال فترة النزاع، واعتماد مبدأ عودة الأرض لأصحابها التاريخيين دون قيد أو شرط.
* دور المجتمع الدولي والوسطاء: صياغة الإطار القانوني الدولي الحامي لـ “مفوضية الأراضي الشعبية” برئاسة المجتمعات الأصلية، وتوفير الدعم الفني اللازم لهندسة المشاريع التنموية العابرة للحدود القبلية والاثنية.
٤. مسار الهندسة البنيوية وميثاق الديموقودية (Structural Architecture)
* القيادة الديموقودية: صياغة مخرجات التفاوض وتحويل العهود الشفاهية إلى “ميثاق ديموقودية دستوري شامل” يحمل صبغة الإلزام القانوني والقدسية العرفية، مع دمج مفاهيم “جبر الضرر والديات” في بنود التعويضات الحديثة.
* المعالجة البنيوية لغالتونغ: اقتلاع وجرف العنف البنيوي والهيكلي من نصوص الاتفاق، ومنع نشوء أي تفوق مؤسسي لطرف يحمل السلاح أو يمتلك حظوة المركز على حساب الهامش وأصحاب الحقوق.
* سلطة الفيتو والشرعية: كفالة حق “فيتو بروتوكول العودة”؛ بحيث يحظر انطلاق أي مرحلة انتقالية أو ترتيبات سياسية في الدولة قبل التوقيع والمباشرة في تنفيذ خطة زمنية وميدانية للعودة الطوعية الآمنة، وجدولة التعويضات الفردية والجماعية للضحايا.
* دور المجتمع الدولي والوسطاء: التأسيس والإشراف على “صندوق جبر الضرر وإعادة الإعمار الدولي”، وإدراج ميثاق “الديموقودية” التاريخي كملحق دستوري أساسي تعترف به المنظمات الدولية ومجلس الأمن.
٥. مسار المأسسة والاستدامة الذاتية للسلام (Self-Guidance & Sustainability)
* االقيادة الديموقودية: تسليم “ادارة” العملية التوجيهية استراتيجياً من الوسطاء الأجانب إلى آلية وطنية مستدامة تُعرف بـ “مجلس حكماء وأصحاب المصلحة السوداني”.
* المعالجة البنيوية لغالتونغ: تحقيق السلام الإيجابي المستدام عبر نقل السلام من طور “أوراق واتفاقيات هشة مهددة بالانهيار” إلى “بنية تحتية مجتمعية ومؤسسية يومية” قادرة على حماية وصون نفسها.
* سلطة الفيتو والشرعية: يُمنح مجلس الحكماء سلطة “الفيتو والرقابة الدستورية” لنقض وإلغاء أي قرارات أو تشريعات تصدرها الحكومة الانتقالية المستقبلية إذا خالفت بنود حماية الحواكير، وحقوق النازحين واللاجئين، والعدالة الانتقالية.
* دور المجتمع الدولي والوسطاء: تقديم الدعم الفني والاستشاري لآليات الإنذار المبكر المحلية التابعة للمجلس، وربط كافة التدفقات المالية والاستثمارية والقروض الدولية لإنعاش السودان بمدى التزام السلطات الحاكمة بقرارات هذا المجلس.
ميثاق الشرف الأخلاقي (ملحق التحصين التفاوضي)
لضمان مناعة هذا البناء التفاوضي وتحصينه ضد أي اختراقات سياسية، يُلزم كل ممثل منتخب من أصحاب المصلحة بالتوقيع على وثيقة عهد مشددة تنص على ثلاثة مبادئ:
١. الالتزام المطلق بالصوت الجماعي للقاعدة (المعسكر والحاكورة)، ومقاطعة أي مسار تفاوضي يسعى لشرعنة المغانم العسكرية أو المحاصصات الحزبية.
٢. حظر كامل ومطلق لقبول أي هبات، أو امتيازات مالية، أو وعود بمناصب سياسية أو تشريعية في الدولة المستقبلية من أي طرف من أطراف النزاع، ويُعزل المخالف فوراً.
٣. التعهد بالاحتكام التام لآليات التحكيم العرفية والدستورية المشتركة المعتمدة داخل منظومة “الديموقودية” في حال نشوء أي خلاف داخلي بين كتل الضحايا، صوناً لوحدة الصف المدني.



