معركة الكرامة المزعومة أم معركة الحقيقة الغائبة؟

بقلم: حسن عبد الرضي
حين يكتب بعض الصحفيين عن الفساد في السودان هذه الأيام، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ليس ما يقولونه، بل ما يتجنبون قوله. فالمشكلة ليست في الحديث عن الفساد، وإنما في الانتقائية التي تجعل بعض الأقلام ترى القشة في عين الآخرين ولا ترى الخشبة في عين السلطة التي تدافع عنها صباح مساء.
كتب ضياء الدين بلال داعياً إلى “معركة كرامة جديدة” ضد الفساد، بعد ما أسماه انتصاراً في “معركة الكرامة” العسكرية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه قبل الانتقال إلى أي معركة جديدة هو: متى تحقق هذا الانتصار الذي يتحدث عنه؟ وأين هي الدولة التي عادت إلى مسارها الطبيعي بينما الملايين ما زالوا نازحين ولاجئين، والخدمات الأساسية منهارة، والاقتصاد يترنح تحت وطأة الحرب؟
إن إطلاق أوصاف النصر والهزيمة ليس عملاً دعائياً ولا أمنية سياسية، بل هو توصيف لواقع ملموس. والواقع يقول إن السودان ما زال غارقاً في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، وإن الحرب التي رُوِّج لها باعتبارها طريق الخلاص تحولت إلى مأساة مفتوحة يدفع ثمنها المواطن البسيط كل يوم.
ثم إن الحديث عن الفساد يظل ناقصاً ما لم يبدأ من الفساد الذي رافق هذه الحرب نفسها. فهل يمكن تجاهل ما أثير حول الأموال التي صُرفت لتجنيد الأقلام وتوجيه المنابر الإعلامية؟ وهل يمكن القفز فوق التصريحات التي تحدثت عن شراء الولاءات الإعلامية وتسخير بعض المنابر لخدمة خطاب الحرب؟
وإذا كان المال العام يُستخدم لتلميع المسؤولين أو لتجنيد الصحفيين أو لتوجيه الرأي العام، فماذا يكون الفساد إذن؟
إن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة الأموال فحسب، بل سرقة الوعي أيضاً. فحين يُقدَّم التحريض على استمرار الحرب باعتباره وطنية، وحين يُصوَّر دعاة السلام على أنهم متخاذلون، وحين يُمنع الناس من رؤية الحقائق الكاملة تحت ستار الشعارات العاطفية، فإننا نكون أمام فساد سياسي وأخلاقي لا يقل خطورة عن أي فساد مالي.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية للصحفي ليست أن يتحول إلى جزء من ماكينة التعبئة، بل أن يكون ضميراً يقظاً يسائل الجميع بلا استثناء. أما أن يصبح الصحفي محامياً لطرف سياسي أو عسكري ثم يكتشف فجأة أن الفساد مشكلة تستحق المواجهة، فذلك يطرح أسئلة مشروعة حول توقيت هذا الاكتشاف وأسبابه.
إن السودان لا يحتاج إلى معارك دعائية جديدة، بل يحتاج إلى مواجهة شاملة مع جذور الأزمة كلها: الاستبداد، والفساد، والحرب، والكذب على الجماهير. ويحتاج قبل ذلك إلى صحافة حرة مستقلة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، لا صحافة تنتقي معاركها وفقاً لمصالح السلطة أو مزاجها السياسي.
فالفساد الذي دمّر السودان لم يكن مجرد تجاوزات مالية هنا أو هناك، وإنما كان منظومة كاملة شاركت فيها السياسة والإعلام والسلاح معاً. ومن أراد حقاً أن يخوض معركة ضد الفساد فعليه أن يبدأ بقول الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة.
وهنا يبقى السؤال قائماً: ما هو الفساد الأكبر؟ أن يسرق مسؤول مالاً عاماً، أم أن تُضلَّل أمة بأكملها وتُدفع نحو حرب عبثية ثم يُطلب منها أن تحتفل بالنصر بينما ما تزال جراحها تنزف؟



