مقالات وآراء

بلفاست: حين تعبر جراح الأوطان حدودها

عبدالعزيز أبوعاقلة

في بعض الأحيان لا تكون الحوادث العنيفة مجرد أخبار عابرة، بل تصبح لحظة تكشف ما تخفيه المجتمعات تحت سطحها الهادئ. حادثة بلفاست في أيرلندا الشمالية لم تكن فقط مأساة إنسانية بسبب فعل عنيف ارتكبه شاب في مقتبل العمر، بل تحولت إلى اختبار أخلاقي وسياسي كشف هشاشة النقاش العام، وفتح أسئلة أكبر من الحادثة نفسها: كيف يصل إنسان إلى هذه الدرجة من القطيعة مع المجتمع؟ وكيف يتحول الغضب أو الإحباط إلى عنف ضد الآخرين؟

من الطبيعي والواجب أن تكون الإدانة الأولى واضحة: الاعتداء على أي إنسان بريء جريمة لا تبررها هوية الفاعل ولا ظروفه. الضحية تظل ضحية، الجاني جاني والعدالة لا تعرف الأصول ولا الجنسيات. لكن المجتمعات التي تريد أن تتعلم لا تتوقف عند الإدانة، بل تحاول فهم الطريق الذي قاد إلى الجريمة، لأن تجاهل الأسباب لا يمنع تكرار النتائج.

المؤسف أن بعض التيارات اليمينية المتطرفة وجدت في الحادثة فرصة سياسية، فبدلاً من التعامل معها كواقعة فردية تحتاج إلى تحقيق هادئ،وانتظار نتيجة التحقيقات النهائية،جرى سريعا توظيفها سياسيا وضمن خطاب يخوف الناس من المهاجرين ويربط أخطاء الأفراد بجماعات كاملة. اليمين المتطرف لا يحتاج دائماً إلى صناعة الأزمة، بل يحتاج أحياناً إلى انتظار لحظة مؤلمة ثم إعادة تفسيرها بطريقة تخدم أجندته. وهنا تكمن خطورة تحويل جريمة فرد إلى محاكمة جماعية، لأن الهدف يصبح أحياناً كسب التأييد والضغط السياسي لا البحث عن الحقيقة.

لكن مواجهة خطاب الكراهية تحتاج أيضاً إلى شجاعة داخل مجتمعاتنا. فمحاولة نفي علاقة الجاني بالسودان أو إخراجه من دائرة الانتماء تكشف مشكلة أعمق؛ وهي أننا أحياناً نتعامل مع الهوية كأنها شهادة حسن سلوك وليست حقيقة اجتماعية. الوطن لا يُعرّف فقط بما نفتخر به، بل أيضاً بالجراح التي يحملها أبناؤه معهم.

السؤال الأصعب ليس فقط: من أين جاء هذا الشاب؟ بل ماذا حمل معه من وطنه القديم؟ فهو لم يولد في فراغ، بل جاء من سياق عاشت فيه أجيال طويلة تحت تأثير الحروب والانقلابات والخوف والعنف الإسلام السياسي الإقصائي . وعندما يصبح السلاح أكثر حضوراً من القانون، والقوة أكثر تأثيراً من الحوار، فإن آثار تلك التجارب لا تختفي بمجرد عبور الحدود.

هذا لا يعني أن المجتمع السوداني مسؤول عن جريمة فردية، ولا يعني أن كل من خرج من السودان يحمل ثقافة العنف. فهناك ملايين السودانيين الذين يقدمون نماذج مختلفة من العمل والنجاح والمشاركة الإيجابية في بلاد المهجر . لكنه يعني أن الدول لا تصدر البشر فقط، بل تصدر أيضاً آثار تجاربها التاريخية. فالاستبداد والقمع لا يبني إنساناً حراً بسهولة، والحروب تترك داخل النفوس خوفاً وغضباً وانكسارات تحتاج إلى زمن طويل حتى تُعالج.

لقد عانى السودان لعقود من أنظمة ظلامية كرّست الإقصاء والقمع، ومن حروب جعلت العنف ثقافة وجزءاً من الحياة اليومية. وعندما يعيش الإنسان في بيئة تضعف فيها قيمة القانون، فإن بعض الأفراد قد يحملون هذه التشوهات معهم حتى إلى المجتمعات الجديدة. الهجرة تغير المكان، لكنها لا تمحو الذاكرة دائماً.

لهذا فإن دور الجاليات في أوروبا لا ينبغي أن يكون فقط الدفاع عن الصورة أو الدخول في معارك نفي واتهام، بل احتضان الشباب الجدد، مساعدتهم على فهم المجتمع الجديد، وتعزيز معنى المواطنة والقانون والحوار قبل أن تتحول العزلة والغضب إلى قطيعة مع الآخرين.

وفي وسط هذا المشهد يستحق موقف أسرة الضحية التوقف عنده. ففي لحظة الألم اختارت الأسرة لغة مختلفة؛ لغة ترفض الانتقام والكراهية، وأكدت أن الاحتجاج السلمي هو الطريق الوحيد، وأن المأساة لا يجب أن تتحول إلى وسيلة لإشعال العداء ضد المهاجرين أو أي جماعة أخرى. وهذا موقف يذكر الجميع بأن الألم لا يمنح أحداً حق صناعة الكراهية.

بلفاست لم تكشف فقط عن حادثة عنف، بل كشفت عن صراع أكبر: بين من يريد معالجة الأزمة من الجذور، ومن يريد استغلال الجرح؛ بين من يرى الإنسان كفرد مسؤول عن فعله، ومن يحوله إلى عنوان في معركة سياسية وكراهية جماعية .

إن أخطر ما يمكن أن يفعله البعض هو أن ينكر المرآة عندما لا تعجبهم صورتها. فالأوطان لا تصبح أقوى عندما تخفي عيوبها، بل عندما تمتلك الشجاعة لمواجهتها. وربما يكون السؤال الحقيقي الذي تركته حادثة بلفاست ليس فقط: من ارتكب الجريمة؟ بل كيف نصنع مجتمعات لا تسمح للإنسان المكسور بأن يتحول إلى خطر علي نفسه وعلي الآخرين . عبدالعزيز ابوعاقلة لندن يونيو 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..