مقالات وآراء

تجربة وطبيعة الجبهة المعادية للاستعمار

تاج السر عثمان

  نسلط الضوء ونعيد نشر  هذا المقال على تجربة وطبيعة الجبهة المعادية للاستعمار التي يخلط بعض الكتاب بينها وبين الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) التي تأسست في اغسطس ١٩٤٦’ وتغير اسمها الي الحزب الشيوعي السوداني في المؤتمر الثالث عام ١٩٥٦’ فكيف كانت طبيعة وتجربة الجبهة المعادية للاستعمار؟
(1)
نتناول في هذا المقال تجربة الجبهة المعادية للاستعمار ، وكما هو معلوم ، ساهم الحزب في قيام اوسع التحالفات والجبهات ضد الاستعمارحتي خروجه ، وضد ديكتاتوريات ” عبود والنميري والبشير” حتي سقوطها في ثورة اكتوبر 1964، وانتفاضة مارس- ابريل 1985م.، و ثورة ديسمبر 2018 ، ويواصل الحزب حاليا النضال من أجل اوسع جبهة قاعدية لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة وقيام الحكم المدني الديمقراطي ، ومواصلة استكمال مهام ثورة ديسمبر .
اضافة لهذه التحالفات الواسعة ، كانت هناك تجربة تسنحق الوقوف عندها ، وهي مساهمة الحزب الشيوعي في قيام الجبهة المعادية للاستعمار ، التي يخلط كثير من المؤرخين بينها وبين الحركة السودانية للتحرر الوطني “حستو” – الحزب الشيوعي فيما بعد – التي تاسست في 16 أغسطس 1946 ،أي قامت قبلها.
الواقع أن الجبهة المعادية للاستعماركانت تنظيما جماهيريا ضم الشيوعيين والقوي الديمقراطية والوطنية، والتي تكونت اثناء معركة أول انتخابات برلمانية في نوفمبر 1953 ، وفازت بدائرة عن الخريجين نالها مرشحها حسن الطاهر زروق، وكما اشار عبد الخالق محجوب في كتابه لمحات من تاريخ الحزب أن ” الجبهة المعادية للاستعمار لم تكن حزبا شيوعيا علي مبادئ الماركسية اللينينية ، بل كانت حزبا ديمقراطيا يتصل بالجماهير في أكثر من افق ، ويحتل فيه الشيوعيون مركز الصدارة” ، ” وكانت محاولة لبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية في شكل حزب” ، وكان هدفها ” نشر الفكر الديمقراطي المناهض للاستعمار.
” ( للمزيد من التفاصيل عن تجربة الجبهة المعادية للاستعمار : راجع عبد الخالق محجوب : لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني ، طبعة دار الوسيلة ، 1987، ص 100 – 101 ).
برنامج الجبهة المعادية للاستعمار ( 1954 ) .
(2)
كما اشرنا سابقا ، لم يكتف الحزب الشيوعي مع القوى الديمقراطية بعد الاستقلال في برنامجه بشعار التحرير بل طالب أيضا بالتعمير على أساس ً لاتحرير بدون تعمير”، اي استكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي والثقافي ، وتحسين اوضاع الجماهير المعيشية ، في هذا الاتجاه ،كان برنامج الجبهة المعادية للاستعمار عام 1954 من أوائل البرامج التي ركزت على مطالب الشعب التاريخية في مستوى المعيشة والتعليم والصحة والضمانات الاجتماعية الحريات الديمقراطية التي لازالت تنتظر الحل بعد أكثر من 67 عاما من الاستقلال..
ويمكن أن نلخص أركان هذا البرنامج في الآتي:
– سياسة خارجية مستقلة.
– نظام جمهوري برلماني ديمقراطي.
– الحريات الديمقراطية: حرية الصحافة، العقيدة، التعبير، الخطاب، الاجتماع، التظاهر، الإضراب، تكوين الأحزاب، كفالة الحريات النقابية، إلغاء القوانين المقيدة للحريات.
– حماية التجمعات القومية من القهر القومي واعطائها حق الحكم الذاتي وتنظيم قوانينها المحلية وفق إرادتها في نطاق وحدة البلاد ومصلحتها العامة وتصفية الحكم القبلي.
– تحسين أحوال العاملين، زيادة الأجور، تحديد ساعات العمل، التأمين ضد التشريد، الضمان الاجتماعي، تحريم تشغيل الأطفال دون الثانية عشرة.
– المزارعون: تعديل لوائح المياه لمصلحة المزارعين واعتبارهم شركاء في جميع المشاريع الزراعية وتحريم الربا وإلغاء الضرائب المجحفة بهم وتأمين الأرض والمياه لكل مزارع، ورفع المستوى الصحي والثقافي وتحسين كل مظاهر الحياة في القرية.
– تخفيض الضرائب عن جميع الفئات الشعبية ورفعها على الشركات الأجنبية وأصحاب الأملاك الأغنياء وإلغاء ضريبة الدقتية
– بناء اقتصاد وطني مستقل: صناعة وطنية ، إنتاج زراعي ، بنك للتسليف الزراعي ، تنشيط العلاقات التجارية مع كل دول العالم على قدم المساواة.
– الشباب: الاهتمام بالحركة الرياضية، الأندية الثقافية والرياضية وتشجيع حملات محو الأمية وقيام مكتبات وطنية.
– حماية وتطوير تراث البلاد الفكري ومكافحة الخرافة والثقافة الاستعمارية وثقافة الانحلال وسط الشباب.
– المرأة: الأجر المتساوي للعمل المتساوي، حماية الأم والطفل، ا يجاد الوسائل اللازمة لتأمين ذلك، دور توليد، حضانة، علاج مجاني،. الخ.
– توسيع الخدمات الصحية والتعليمية.
– تحسين أوضاع ومرتبات الجنود والبوليس.
(برنامج الجبهة المعادية للاستعمار، 1954 ) .
(3)
برنامج ً سبيل السودان نحو تعزير الاستقلال والديمقراطية والسلم ً 1956 .
بينما كانت الجبهة المعادية للاستعمار مستمرة في نشاطها ، انعقد المؤتمر الثالث للحزب في فبراير عام 1956 ، مما يؤكد استقلاله عن الجبهة المعادية للاستعمار، وتم تعديل اسم الحزب إلى ً الحزب الشيوعي السوداني ً وصدر برنامج ( سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال والديمقراطية والسلم)، أشار البرنامج إلى قضايا حية ذات ارتباط واشتباك بالواقع السوداني مثل:
– جهاز الدولة القمعي الذي شيده الاستعمار لقهر الشعب السوداني وتأمين مصالحه.
– الاقتصاد السوداني يعتمد على محصول نقدي واحد (القطن) ، ويستوجب إصلاح هذا الخلل.
– تخلف الصناعة والزراعة وعبء الضرائب على الكادحين.
– أشار البرنامج إلى ضرورة قيام دولة ديمقراطية شعبية، يتم فيها تجديد الحياة ووضع الأساس للاشتراكية.
– كما أشار البرنامج إلى حق تقرير المصير للقوميات السودانية وهي إشارة مبكرة إلى حق تقرير المصير في أدبيات الحزب الشيوعي السوداني.
– طالب البرنامج بتصنيع البلاد وقيام بنك لتمويل الصناعة وتوسيع الجامعة السودانية والمعهد الصناعي.
– أشار البرنامج إلى الإصلاح الزراعي.
– كما أشار البرنامج إلى تجديد حياة الكادحين ورفع مستوى المعيشة وتأمين الخدمات الصحية والأجر المتساوي لعمل المتساوي دون تمييز بين الجنس والعرق.
– تعميم التعليم الإلزامي.
(سبيل السودان،. الخ ، البرنامج المجاز في المؤتمر الثالث، فبراير 1956 ).
ونلاحظ أن الحزب الشيوعي مع الجبهة المعادية للاستعمار طور خطوط هذا البرنامج، كما جاء في برنامج الجبهة المعادية للاستعمار الانتخابي للوحدة الوطنية، المنشور في مجلة الفجر الجديد الصادر في أول ديسمبر 1957، جاء في البرنامج:
– سياسة خارجية لتعزيز الاستقلال الوطني والسلم وتلتزم بالحياد الإيجابي وروح مؤتمر باندونج.
– في ديمقراطية الحكم أشار البرنامج إلى وضع دستور وطني ديمقراطي يؤكد المبادئ التالية: – السودان جمهورية برلمانية تكون السيادة فيها للشعب وهى جزء من الوطن العربي والكيان الأفريقي. – رئاسة الدولة تتكون من خمسة أعضاء . – كفالة الحريات العامة ( تنفيذ قرارات البرلمان السابق بإلغاء القوانين المقيدة للحريات ) .
– الاحتفاظ للتجمعات القومية المختلفة بحق التطور وحق إنشاء وحدات ذات حكم ذاتي مستقل في نطاق السودان الموحد.
– كما أشار البرنامج إلى زيادة الخدمات والعلاج المجاني ، والتوسع في التعليم الصناعي والزراعي بما يناسب خطة منظمة للتصنيع والزراعة ، وكفالة التعليم الأولى للبنين والبنات وجعله إجباريا وقبول كل التلاميذ الذين اجتازوا الامتحان في المدارس الوسطي والثانوية والجامعة وتقليل المصاريف المدرسية ، وتوسيع حركة محو الأمية ، وفي التعليم الجامعي أشار البرنامج إلى إعادة النظر في قانون الجامعة الأساسي حتى يكفل:
 أ – مراجعة جميع برامج التعليم الحالية حتى تتمشى مع احتياجات البلاد الوطنية.
 ب – تخليص الجامعة من قبضة الإدارة البريطانية . ج – تعميم اللغة العربية في التدريس .
– كما أشار البرنامج إلى التنمية الاقتصادية وتطوير الزراعة والصناعة وتعديل قانون الشركات لعام 1925 وتحسين أوضاع العاملين. ( برنامج الجبهة المعادية للاستعمار ، 1957 ) .
وأخيرا ، كانت تجربة الجبهة المعادية للاستعمار فريدة في مخاطبتها لقضايا الشعب السوداني الملحة في ذلك الوقت ،كما اوضحنا سابقا.

‫2 تعليقات

  1. اليوتوبيا مقابل الواقعية : الجبهة المعادية للاستعمار والحزب الشيوعي السوداني

    🧭 ١. السياق التاريخي

    ١٩٤٦–١٩٥٣: الحركة السودانية للتحرير الوطني (SMNL) ← نواة الحزب الشيوعي.

    ١٩٥٣–١٩٥٤: تشكيل الجبهة المناهضة للاستعمار، وفوز حسن الطاهر زروق بمقعد الخريجين المتعلمين.

    برنامج ١٩٥٤: “لا تحرير بدون إعادة إعمار” – ربط الاستقلال بالعدالة الاجتماعية.

    برنامج ١٩٥٦: “مسار السودان نحو تعزيز الاستقلال والديمقراطية والسلام” – بعد الاستقلال، وضع أسس الاشتراكية.

    برنامج ١٩٥٧: البرنامج الانتخابي في فجر جديد – الوحدة الوطنية، روح باندونغ، التعليم الإلزامي، التصنيع.

    كانت هذه وثائق طموحة، لكن القاعدة المادية للسودان كانت ضعيفة للغاية.

    💰 ٢. المال والموارد

    كان اقتصاد السودان يعتمد على القطن، حيث شكلت صادرات مشروع الجزيرة أكثر من ٦٠٪ من إجمالي الصادرات.

    كانت إيرادات الحكومة ضئيلة مقارنة بمصر أو الهند.

    تطلبت عمليات التصنيع، والضمان الاجتماعي، والتعليم الإلزامي، والرعاية الصحية الشاملة تراكم رأس مال لم يكن متوفرًا في السودان.

    كان من الضروري الحصول على مساعدات أو قروض خارجية، لكن الظروف الجيوسياسية للحرب الباردة حدّت من الخيارات.

    الخلاصة: افتقر السودان إلى الأموال اللازمة لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية والصناعية الطموحة.

    🎓 ٣. الكوادر المتعلمة

    معدل الإلمام بالقراءة والكتابة: أقل من ١٥٪.

    خريجو الجامعات: بضع مئات في جميع أنحاء البلاد.

    الخدمة المدنية: يهيمن عليها الإداريون البريطانيون حتى عامي ١٩٥٤-١٩٥٦.

    الكوادر الفنية: شبه معدومة (مهندسون، أطباء، اقتصاديون).

    كان مثقفو الحزب الشيوعي (عبد الخالق، زروق، وغيرهم) لامعين، لكن لم تكن هناك كوادر جماهيرية لإدارة الوزارات والتعاونيات والبنوك.

    الخلاصة: افتقر السودان إلى الكوادر المدربة لتنفيذ التعليم الإلزامي، والتخطيط الصناعي، والإصلاح الزراعي، وتوسيع نطاق الرعاية الصحية.

    🧱 4. عناصر واقعية مقابل عناصر مثالية

    كانت الحريات الديمقراطية واقعية لأنها تتطلب إرادة سياسية أكثر من الموارد المالية.

    كانت السياسة الخارجية المستقلة بروح باندونغ قابلة للتحقيق، إذ كان بإمكان السودان تبني الحياد دون تكاليف باهظة.

    كانت حقوق المرأة، كالمساواة في الأجور ومراكز الأمومة، طموحة لكنها مستحيلة هيكليًا في ذلك الوقت بسبب نقص التمويل والمؤسسات.

    كان التعليم الإلزامي مثاليًا، نظرًا لغياب المعلمين والمدارس والقدرة المالية.

    كان التصنيع وإنشاء بنك وطني غير واقعيين، لأن السودان كان يفتقر إلى رأس المال والكوادر المدربة.

    كان الإصلاح الزراعي ممكنًا جزئيًا، لكنه واجه مقاومة سياسية شديدة من كبار ملاك الأراضي.

    كان توسيع نطاق الرعاية الصحية غير واقعي، إذ لم يكن لدى البلاد ما يكفي من الأطباء والمستشفيات لدعم مثل هذا البرنامج.

    كانت حماية الأقليات وحق تقرير المصير رؤية سياسية طموحة، لكنها في الواقع هددت بزعزعة وحدة الدولة الجديدة الهشة.

    🌍 ٥. مقارنة مع دول أخرى

    مصر (ناصر، ١٩٥٢): اقتصاد أكبر، كوادر أقوى، لكنها لا تزال تعاني من صعوبات في الإصلاح الزراعي والتصنيع.

    الهند (نهرو، ١٩٤٧): امتلكت جامعات وبيروقراطية ورأس مال، لكن التنفيذ كان بطيئًا.

    غانا (نكروما، ١٩٥٧): موارد أكثر من صادرات الكاكاو، لكنها لا تزال تعاني من صعوبات في التصنيع.

    السودان: رأس مال أصغر، وضع أضعف، وتعليم أقل، ورأس مال أقل – أقرب إلى النيجر وتشاد والصومال.

    الخلاصة: كان السودان أقل استعدادًا من معظم دول ما بعد الاستعمار لتطبيق برامج الاشتراكية الديمقراطية.

    🧨 6. لماذا طُرحت مثل هذه البرامج الطموحة؟

    لرسم أفق للتنمية الوطنية.

    لتعبئة العمال والفلاحين والنساء والشباب.

    للتمييز عن الأحزاب الطائفية (الأمة، والاتحاد الوطني).

    لربط الاستقلال بالعدالة الاجتماعية.

    لدفع السياسة السودانية من مجرد “استقلال رمزي” نحو تحول حقيقي.

    لطالما أكد عبد الخالق محجوب أن الثورة الديمقراطية الوطنية عملية طويلة، وليست فورية.

    🧩 ٧. الخلاصة

    من الناحية السياسية: الديمقراطية، الحريات، الحياد، حقوق الأقليات.

    من الناحية الاقتصادية: أفكار مثالية: التصنيع، التعليم الإلزامي، الرعاية الصحية الشاملة، الضمان الاجتماعي.

    نقص الكوادر: افتقر السودان إلى الكوادر المدربة لتنفيذ مثل هذا البرنامج.

    الأهمية التاريخية: تُعدّ هذه البرامج من بين أكثر الوثائق استشرافًا للمستقبل في التاريخ السياسي السوداني، إذ تُحدّد مشاكل لا تزال قائمة حتى اليوم، ولن تُحلّ في المستقبل المنظور.

  2. لكن لماذا تجاهل الحزب الشيوعي السوداني فقر البلاد وقلة مواردها، ولم يتطرق قط إلى كيفية زيادة إيرادات الدولة، بل ركز على الأجندة الاشتراكية في بلد لا يملك شيئًا من رأس المال والإيرادات؟ هل كانت جميع الأحزاب الشيوعية في العالم على هذا النحو، واقتدى بها السودانيون؟

    الإجابة المباشرة: ركز الحزب الشيوعي السوداني على التحول الاشتراكي بدلًا من توليد الإيرادات لأنه ورث أطرًا ماركسية لينينية تُشدد على إعادة هيكلة المجتمع بدلًا من بناء رأس المال. لم يكن هذا حكرًا على السودان، فقد استنسخت العديد من الأحزاب الشيوعية في دول ما بعد الاستعمار النماذج السوفيتية والدولية، متجاهلةً في كثير من الأحيان الفقر المدقع وضعف القاعدة المالية لبلدانها.

    🌍 لماذا تجاهل الشيوعيون السودانيون الفقر والإيرادات؟

    الإرث الاستعماري: تعمّد البريطانيون إبقاء اقتصاد السودان متخلفًا، معتمدًا بشكل شبه كامل على صادرات القطن. رأى الحزب الشيوعي في ذلك مشكلة تبعية هيكلية، لا مجرد مسألة زيادة الإيرادات.

    الإطار الأيديولوجي: رسّخ الفكر الماركسي أن التحرر يتطلب تفكيك البنى الاقتصادية الاستعمارية، لا مجرد تعديل الضرائب أو الإيرادات. ولذا، ركّز الحزب على الإصلاح الزراعي والتصنيع وحقوق العمال بدلاً من السياسة المالية.

    الموقف السياسي: من خلال التركيز على العدالة الاجتماعية والحقوق، ميّز الحزب نفسه عن النخب الطائفية (الأمة، والاتحاد الوطني) المرتبطة بكبار ملاك الأراضي والتجار. واعتُبرت زيادة الإيرادات ثانوية مقارنةً ببناء “جبهة ديمقراطية وطنية”.

    محدودية الكوادر: كان عدد الاقتصاديين والخبراء الماليين في السودان آنذاك قليلاً. وكان مثقفو الحزب مُدرّبين على النظرية السياسية، لا على الإدارة المالية.

    📖 هل كانت جميع الأحزاب الشيوعية على هذا النحو؟

    نعم، بشكل عام. ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، غالباً ما استوردت الأحزاب الشيوعية الأطر الماركسية السوفيتية أو الدولية. وركّزت على الصراع الطبقي ومناهضة الإمبريالية والعدالة الاجتماعية بدلاً من السياسة المالية البراغماتية.

    أمثلة:

    في غانا، ركز خطاب نكروما الاشتراكي على التصنيع والوحدة الأفريقية، لا على آليات تحصيل الإيرادات.

    في إثيوبيا، تبنى نظام ديرغ إصلاحًا جذريًا للأراضي، لكنه تجاهل الواقع المالي، مما أدى إلى انهياره.

    في فيتنام وكوبا، أعطى الشيوعيون الأولوية لإعادة التوزيع والتخطيط، غالبًا على حساب توليد الإيرادات الفورية.

    حالة السودان: كان الحزب قويًا بشكل استثنائي بالنسبة لمجتمع غير صناعي، لكنه عكس النزعة الشيوعية العالمية في التعامل مع الفقر كمشكلة هيكلية تُحل بالثورة، لا بسياسات الإيرادات التدريجية.

    ⚖️ المفاضلة

    نقاط القوة: منح الحزب صوتًا للعمال والفلاحين والنساء والأقليات، وأكد على الحريات الديمقراطية.

    نقاط الضعف: افتقر الحزب إلى خطة عملية لتمويل برامجه الطموحة في بلد يكاد يخلو من رأس المال.

    النتيجة: كانت الخطة طموحة لكنها مثالية، فالسودان ببساطة لم يمتلك القاعدة المالية اللازمة لتنفيذها.

    🔑 الخلاصة الرئيسية

    لم يكن إهمال الحزب الشيوعي السوداني لتوليد الإيرادات خطأً يقتصر على السودان وحده، بل كان جزءًا من نمط شيوعي عالمي: إعطاء الأولوية للتحول الأيديولوجي والعدالة الاجتماعية على حساب البراغماتية المالية. وقد أبرز فقر السودان وقلة موارده هذا التفاوت بشكل صارخ، لكن الحزب اعتقد أن إعادة الهيكلة الجذرية وحدها – لا سياسة الإيرادات التدريجية – هي الحل لمشاكل البلاد. والمأساة الكبرى هي أن القيادة الحالية للحزب تتجاهل تمامًا التغيرات التي طرأت على العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..