مقالات وآراء

هل نحن جديرون بحمل هوية هذا الوطن؟

د. محمد عطا مدنى

سامحونى فيما سأقوله الآن، فقط، لأننى أريد أن أفكر بصوت عال. كل من يطّلع على تفاصيل الحضارة السودانية القديمة، وملوكها وكيف حافظوا على ممالكهم، وذلك بقتال أقوى جيوش العالم، حتى لايُمس الوطن بسوء، وتُدنس أرضه أقدام الاحتلال، يشعر بنوع من الفخر بتاريخه القديم لايتجاوزه فخر، إلا الفخر بديننا وتاريخنا الإسلامى خاصة فى قرنه الأول.
ولنا فى سيرة الكنداكة أمانى ريناس وحروبها مع جيش الرومان، قصص بطولة تُروى عبر الأزمان والأجيال، وفى عهد الملك بعانخى أمجاد كُتبت فى التاريخ بماء الذهب، عندما امتدت دولته من أواسط أفريقيا وحتى البحر المتوسط ، وناطح جيشه النوبى أقوى امبراطوريات العراق القديم، وهزمهم عدة مرات، وحمى إمارة بيت المقدس من الاجتياح الأشورى. بطولات رائعة سطرها كبار المؤرخين العالميين عن سير ملوك حضارتنا القديمة.
فهل نحن على قدر المسؤولية التى ندّعى فيها أننا ورثة هذه الحضارة التليدة؟ التى يجهل تفاصيلها الكثير من أبناء شعبنا، بل إن (البعض منا) ينكرها نهائيا، كأنها لم تحدث أصلا؟ وبالتالى،
لم ننجح فى تدريسها لأولادنا وشبابنا بما فيه الكفاية، كى تتعمق فى وجدانهم، وتكون بمثابة قدوة لهم فى الحفاظ بشدة على الوطن، بينما يدرّسها الأوروبيون والأمريكان لأبنائهم – فى إطار تدريسهم للحضارات الكلاسيكية – باستخدام كتب مصورة تجذب الانتباه، حيث تعرض هذه الأمجاد للتلاميذ والطلاب بطرق تربوية حديثة ورائعة، مما يجعلنا نشعر بالخجل، وبأننا أقل كثيرا من قيمة هذه الحضارة ومن ملوكها، فيما يخص الحفاظ على الوطن.
ولعلنا نعلم، أن الحضارة الغربية تنتج كل عام مئات الكتب والأبحاث عن حضارتنا، مشيدة برقى الأسلاف، وبإنجازات حضاراتهم المدهشة، ونحن – بدلا من أن نشاركهم فى حمل ذلك الإرث العظيم إلى دول الجوار وإلى العالم الخارجى- نتحارب وندمر الوطن الذى أوانا وحفظ كرامتنا، وجعلنا – لسنوات طويلة مضت – أعزاء بين دول الجوار، ومحترمين فى نظر العالم أجمع..!
(أغلفة كتب عن حضارتنا تدرس لأطفال أوروبا وأمريكا)
ولدينا نقاط مضيئة أخرى فى التاريخ الوسيط، عندما تفجرت الثورة المهدية نارا ضد الاحتلال الإنجليزى وحققت بطولات وانتصارات على الحاميات الإنجليزية فى المدن السودانية، كانوا أبطالا حافظوا على الوطن، وكافحوا الإستعمار الذى جاء لاحتلال الوطن والاستفادة من خيراته، ومن رموز هذه الثورة، الإمام محمد أحمد المهدى، مفجر الثورة، وخلفائه، التعايشى، وعلى ود حلو، ومحمد شريف. وأمرائه عثمان دقنة، وعبد الرحمن النجومى، وحمدان أبو عنجة، والزاكى طمبل، ومادبو على، وغيرهم. وهؤلاء يمثلون معظم قبائل السودان. فلم يقصّر الأوائل فى الدفاع عن وطنهم، وبذلوا الغالى والرخيص فى سبيله.
وهنا لابد لى أن أتوقف لأدين محاولات الانتقاص من بطولات الثورة المهدية، التى – للأسف -اختلف حولها البعض، بآراء تناقض منطق الثورات والحروب وما يحدث فيها من خروج عن المألوف أحيانا من فوضى وغياب للقانون، إشارة إلى بعض السلبيات التى حدثت فيما بعد، متناسين أن الحروب إذا اندلعت، تنتشر الفوضى، وتتوقف القوانين عن المحاسبة. وإذا كنا نريد أن نحاسب الثورة المهدية على أخطائها اللاحقة، وقد قامت للدفاع عن الوطن ضد احتلال أجنبى، فماذا نقول عن فوضى الحرب الحالية وغياب القوانين تماما عن المحاسبة، وهى حرب لم تندلع لحماية الوطن أرضه وشعبه، بل تفجرت لصالح فئة معينة كنوع من الصراع على سلطة البلاد وثروتها، ومن أجل هذا الهدف المادى، دُمر الوطن، وقتل الآلاف المؤلفة، وشرد الملايين من مواطنيه، وتتناقص – إلى حد بعيد – أمام ما يحدث فى حربنا الآن، كل سلبيات الثورة المهدية. ومع ذلك يدين البعض – بلا منطق- تلك الثورة التحررية الكبرى، التى يجب أن تبقى علامة مضيئة فى تاريخنا الوسيط، توضح للأجيال أننا شعب لا يقبل الهوان، ولا يقبل أن يحكمه غريب عن دينه، وتراثه، وتاريخه، ومجتمعه.
وما دمنا فى رحاب الثورة المهدية وتاريخها الثر بأبطالها الذين قدموا المهج والأرواح دفاعا عن الوطن، واستبسالهم فى ميادين القتال بشجاعة منقطعة النظير، لايمكن أن نجهل كفاح السلطان على دينار ضد نفس الاستعمار البريطانى، وقد استشهد أيضا بعد أن سجل تاريخا نضاليا شهد به الأعداء قبل الأصدقاء، وكان أيضا حفيا ومهتما بمناطق الحج والحجيج، وقدم ما استطاع جهده لزوار المدينة المنورة، احتفاءا برسول الأمة صلى الله عليه وسلم.
وتتوالى النقاط المضيئة لهذا الشعب الصابر، الذى يرفض دائما الذل والهوان، وتكونت جمعية اللواء الأبيض عام 1923، كمُنظمة وطنية سريّة لمناهضة الاستعمار البريطاني، وهى التى مهدت
لثورة 1924، كشرارة أساسية لانطلاق الحركة الوطنية السودانية الحديثة، وبدأت من خلالها مسيرة نضالية طويلة وشاقة قادت البلاد نحو التحرر، وقد قاد الثورة الضابط السوداني علي عبد اللطيف ومعه عبيد حاج الأمين. واندلعت مظاهرات متعددة في المدن السودانية، ثم حدث التمرد العسكري الذى انضم إلى الثورة بقيادة الضابط عبد الفضيل ألماظ ، وخاض الشعب والثوار مواجهات مسلحة دامية ضد القوات البريطانية في شوارع الخرطوم في نوفمبر 1924. حيث أخمدت بريطانيا الثورة بالقوة، ونفت وأعدمت عدداً من الضباط، لكنها تركت وعياً وطنياً راسخاً لدى الشعب بأهمية وطنه، والنضال من أجله.
وقد تحول النضال – بعد المواجهات العسكرية- إلى واجهة مدنية وفكرية، حيث تأسس مؤتمر الخريجين عام 1938م، لجمع النخبة السودانية المتعلمة، وقد أدى النضال المدنى فى النهاية إلى استقلال البلاد عام 1956م.
وتوالى التاريخ المضيئ لجهاد الشعب السودانى، لنصل إلى ثورتى أكتوبر وإبريل، ثم يأتى التتويج الأكبر لكفاح الشعب بثورة ديسمبر المجيدة، التى تفجرت من أجل ان ينتزع الشعب حريته من نظام دكتاتورى بغيض، أقصى كل الشعب السودانى جانبا، وانفرد بالسلطة لثلاثين عاما، خسر فيها الوطن ثلث مساحته، وقتل هذا النظام بقدر ماوسعه أن يقتل من شعبه، كما نهب أمواله، وأدخله فى أزمة يوشك أن يفقد الوطن فيها نصف مساحته المتبقية. فى أصعب انتكاسة فى تاريخنا الحديث بلا سبب منطقى..!
فمتى نرتقى إلى مستوى حضاراتنا، ونهب هبة واحدة – كشعب -لإيقاف هذه الحرب المدمرة؟ فهل يعقل أن يكون ورثة هذه الحضارة الزاهرة، وأحفاد كل هذه الثورات التحررية العظيمة، هم الذين يقتلون بعضهم بعضا اليوم؟ لماذا فشلنا فى اجتثاث العناصر السيئة من مجتمعاتنا والتى سببت دمارنا، وأصابت سمعتنا فى الصميم، ومرغت رؤوسنا فى الوحل؟ وأصبح بعض من تولوا أمورنا – فى الزمن الردىء- مطلوبون للمحاكم الجنائية العالمية؟
ماذا نفعل الآن – ونحن فى حالة يرثى لها – بينما إسم السودان يتردد فى المحافل الدولية مرتبطا باكتشافات وإنجازات عالمية ؟ هل نحن جديرون بحمل المسؤولية التى يكلل بها اسم السودان الآن؟ أم أننا نشعر بالخزى والعار من أنفسنا، ومما وصلنا إليه من تدهور فى كافة المجالات؟
فقد توصلت أبحاث متعمقة بجامعتى كامبريدج وأكسفورد – وهى أرقى جامعات العالم أكاديميا-
إلى أن أسلاف البشرية تعود إلى منطقة تقع في شمال السودان. حيث أرجعت الخرائط الجينية أصول البشر إلى أجداد عاشوا بالقرب من نهر النيل شمال الخرطوم، وحددت الدراسة إحداثياتها بدقة شديدة، بتقاطع خط عرض 19.4° شمالاً، مع خط طول 33.7° شرقا، بالقرب من (أبو حمد)..!
وقد أوضحت تفاصيل هذه الدراسات والبحوث باستخدام الجينوم البشري والتسلسل الجيني، أن جذور البشرالمشتركة تمتد لأكثر من مليون سنة. وعليه، تم بناء (أكبرشبكة عائلة للبشرية) تضم ما يقارب 27 مليون سلف بشري.
وتشير أبحاث جامعة كامبريدج المنشورة في دورية علم الوراثة (Nature Genetics)، إلى أن الإنسان الحديث نتج عن اختلاط جيني بين مجموعتين انفصلتا منذ حوالى 1.5 مليون سنة، والتقتا مجدداً قبل 300 ألف عام..! وقد نشأت هذه المجموعات فى بقعة مباركة من أرض السودان..!
لأن موقع السودان الاستراتيجي جعله مهداً للحضارات، حيث كان نهر النيل العظيم بمثابة ممر
للتجارة والتطور الديموغرافي.
ماذا نقول؟ وماذا أعددنا لمثل هذا الحدث؟ والإنسانية جمعاء تقول : أصولنا ترجع إليكم، ولكن صرخات الإنسانية الباحثة عن جذورها تتردد فى الفضاء ولا يعود لها صدى؟ لأن الأم التى أنجبتهم غارقة فى مشكلاتها، ولا صوت لها كى ترد على أصوات أبنائها وأحفادها من أبناء العالم، كيف نستجيب؟ وماذا نقول؟ وهل وجب علينا الاحتفال الأكاديمى فى إحدى جامعاتنا، بدعوة لفيف من العلماء الذين توصلوا لهذا الاكتشاف إلى السودان، لعقد مؤتمر دولى يرحب بهذه الاكتشافات، حيث يخاطب المأتمرون العالم، من منبر جامعة الخرطوم -على سبيل المثال- قائلين (نحن هنا الآن فى أحضان أمنا التى أنجبتنا، أم الإنسانية، السودان)..! أم نغض الطرف ونتناسى متعللين بظروفنا؟
ومنذ سنوات- أيضا – قررت الجمعية العامة بالأمم المتحدة، الاحتفال بالشعوب الأصلية فى العالم، وحددت يوم 9 أغسطس من كل عام، موعدا لذلك الاحتفال، بموجب قرارها رقم (49/214) باعتباره اليوم الدولي للشعوب الأصلية، وذلك إحياءًا لذكرى أول اجتماع لفريق الأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين عام 1982، ويهدف هذا الاحتفال العالمي الذي تقوده الأمم المتحدة، إلى إذكاء الوعي بحقوق الشعوب الأصلية، وحماية تنوعهم الثقافي، وصون معارفهم التقليدية ولغاتهم.
وقد حددت الأمم المتحدة مجموعات كبيرة من سكان السودان، فى الشمال والوسط، والشرق، والغرب، والنيل الأزرق، ينطبق عليهم وصف الشعوب الأصلية. فهل نحن نشكل جزءا من هذا العالم وملزمين بقوانينه؟ وإذا كنا كذلك فهل نحن بأوضاعنا المتردية على قدر المسؤولية لحمل كل هذه الواجبات؟ ونحن نعيش حالة اللادولة، واللامجتمع، واللاإنسانية ؟ ويقتل بعضنا بعضا ؟
وهل استجبنا لهذا القرار الأممى، بإقامة احتفال أو مهرجان محلى ضخم، نبرز فيه تراث وتاريخ وثقافة هذه المجموعات الأصلية الغنى والمتنوع، ووثقناه وأرسلناه لمنظمات الأمم المتحدة، ولمحطات التلفزة العالمية، ليتعرف العالم على شعوبنا الأصلية، بدلا من أن نحارب شعوبنا الأصلية تلك ونقتلهم ونشردهم لأتفه الأسباب؟ بالرغم من أن الأمم المتحدة قد أصدرت قانونا به 47 مادة للحفاظ على هذه الشعوب الأصلية، ومنها المادة السابعة التالى ذكرها، هل نفذنا ما بها – أو بما جاء بالقانون كله – من توجيهات أممية؟
هل نحن – بأحوالنا البائسة هذه – جديرون بأن نكون أسلاف الألمان والفرنسيين والإنجليز واليابانيين والصينيين والعرب والترك وغيرهم.. الخ ؟ أم أن من الأفضل لنا أن نعلن خطأ هذه الدراسات.. وأن نتبرأ من كل ما قاله عنا علماء أرقى جامعات دول العالم..! أو- إنقاذا لماء وجوهنا حتى لا نسىء لأصول البشرية – أن نقول لهم بالصوت العالى: ديلاك الفى الشمال.. ما نحن..!
وهل نحن جديرون بأن يحتفل العالم بشعوبنا الأصلية ؟ ونحن نواصل القتل والتشريد والتهميش لشعوبنا الأصلية؟ أم أنه من الأفضل أن ننكر أن لدينا شعوبا أصلية، وأن نقول للأمم المتحدة: لابد أنك مخطئة تماما فى أبحاثك، نحن ماعندنا شعوب أصلية، القبائل ديل.. ناس ساكت..؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..