مقالات وآراء

العطاء للوطن أثناء الحرب.. حالة واحدة كمثال لخلايا البناء والتنمية

تاج السر محمد بدوي

الحرب مدورة والجميع ينادي أوقفوا الحرب، منهم من يكتبون ومنهم من ينتقدون ويهاجمون ويتهمون وكثيرون يشتمون ويسبون وبعضهم يقترحون وآخرون يعرضون علينا انفسهم بالصوت والصورة في وسائل الاتصال الاليكترونية المتعددة ويطلبون متابعتهم، هذا غير مخرجات الذكاء الصناعي.
كل ذلك يستهلكه الناس قراءة ومشاهدة في دقائق معدودة.
ونظل في أوهامنا وتخيلاتنا وتظل الحرب مدورة ولا أحد يعرف كيف ومتى تتوقف.
2
هناك فئة من المواطنين ادارت ظهرها للتخيلات والأوهام وبدأت تقدم في الواقع المعاش أعمالاً نافعة أثناء الحرب مثل مبادرات العاملين في حقل التعليم الذين انشأوا مدارس وربما جامعات داخل وخارج السودان واستطاعوا أن يقدموا شيئاً عسى الله ان ينفع به البلاد.
مثل هؤلاء قلة ممن ينبغي علينا الاحتفاء بهم وتكريمهم بذكر مبادراتهم عسى الله ان يكون في ذلك تشجيع وحفز للآخرين في مختلف دروب العطاء للوطن.
3
الاستاذ محمد الطيب محمود ينتمي إلى جامعة الخرطوم إذ تخرج في كلية الاقتصاد وعمل بها فترة ثم تنقل بين عدة مؤسسات اكاديمية تدريساً وبحثاً وتدريباً آخرها معهد العلوم الإدارية الذي قضى فيه عمراً ثم هاجر وهو مكتنز علماً وخبرة وعمل في مراكز اكاديمية واستشارية بالخارج.
ثم بعد ثورة الشعب في ديسمبر 2019 عاد إلى السودان وحلم بان يستقر نهائياً مع اسرته.
4
ظن مرةً انه سيقدم شيئاً مفيدا لبلده في عالم السياسة عندما رُشّح لمنصب والي لإحدى الولايات ضمن قائمة من ثلاثة مرشحين، ولكن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إختار احد امراء الحرب للمنصب وهذا مثال واحد للنتائج الكارثية لمؤتمر جوبا.
وعندما اندلعت الحرب في 15 ابريل 2023 بين الجيش والدعم السريع كان ضمن سكان العاصمة الملايين الذين شهدوا الحرب مكاناً وزماناً وناله كثير من الأذى حيث اعتدى عليه المجرمون في داره بالسلاح ونجا إبنه ايمن من تهديد بالسلاح من المسافة صفر حرفياً وافتدى إبنه بالمال.
وترك منزله الذي بناه واثثه بدم قلبه كما يقال وعاد مصطحباً اسرته إلى الهجرة مكرهاً.
5
في المهجر ظل محمد الطيب مرتبطاً إلى حد ما بحياته الاكاديمية ونشاطه المعهود في مجال التدريب.
ولكن يبدو ان شغله الشاغل كان السودان والمعاناة التي يعيشها الناس.
وفي السعودية حيث الاستقرار والهدوء شرع في عمل شيء ليفيد به المجتمع ويبدو أنه حمل معه فكرة مشروعه من ارض المعارك التي شهد فيها عن قرب التدمير المتعمد لأشياء كثيرة قائمة من مساكن ومؤسسات ومصانع.
أكمل تنفيذ مشروعه في 2025 وجاء الناتج في شكل كتيب من 143 صفحة باللغة العربية يحتوي على توثيق كامل لأكاديمية السودان للعلوم الإدارية الماضي والحاضر والمستقبل.
6
تعليقان جوهريان حول هذا المشروع يجب النطق بهما إحقاقاً للحق وللمصلحة العامة.
التعليق الاول هو ان المشروع في حد ذاته تعبير عن صدق الانتماء للمؤسسة وفي النهاية للوطن.
إن الوطنية هي قيمة سامية مجردة لا تصدق على مدعيها بالكلام فقط أو بأن تطلق على أي شخص تمجيداً أجوفاً، ولكن يجب أن يُعبر عن الوطنية بعمل مادي ملموس مثل كتيب التوثيق الذي انتجه الاستاذ محمد أو إنشاء أو تطوير أو إبداع أي شيء منتج ومفيد للوطن.
يُروى أن عاملاً حِرَفياً علق بطريقته على أداء المسؤول الأول في المؤسسة التي يعمل فيها بقوله ” ما دق فيها مسمار واحد” تعبيراً عن أن هذا المسؤول لم يبن أو يطور أو ينتج في الواقع المعاش اي شيء مفيد طوال فترة رئاسته للمؤسسة.
7
التعليق الثاني الجوهري هو أن مشروع الاستاذ محمد الطيب يدخل في خانة إعادة البناء بعد الحرب.
إن إيقاف القتال يقع على عاتق من يستطيعون التغيير باليد، أما نحن في الشارع العام فواجب علينا أن نعمل للتغيير كلٌ حسب استطاعته وإمكانياته.
في هذا الإطار يدخل أي عمل يمهد للعمل والبناء فوراً في اليوم التالي مباشرة لتوقف هذا التقاتل العبثي.
الإسرائيليون يسمون الخطة لما ينبغي القيام به بعد الحرب “خطة اليوم الآخَر” بمعنى خطة اليوم التالي مباشرة لإنتهاء حربهم في غزة ويقصدون بذلك التدابير السلمية التي يجب عليهم تنفيذها فوراً بعد توقف عملياتهم الحربية.
8
إن إعادة البناء تحتاج إلى مخططات وبيانات اساسية يجب توفيرها وهذا هو الغرض الهام من التوثيق لإكاديمية العلوم الإدارية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
وقد ذكر المؤلف هذا الأمر بوضوح في الباب الاخير من الكتيب : “بمجرد إنتهاء الحرب تقوم الاكاديمية بتكوين لجنة تمثل فيها إدارات الاكاديمية المختلفة لمعاينة الخراب الذي لحق بالاكاديمية إلخ”.
ويقدم المؤلف تصوراً دقيقاً لما ينبغي القيام به لإعادة العمل فوراً بمؤسسته التي تضررت من الحرب.
لقد جاء التوثيق علمياً مكتمل الجوانب ويهدف إلى : ” توثيق البيانات والمعلومات لضمان عدم فقدانها مع مرور الوقت… وتعزيز الاستمرارية من خلال توثيق التجارب والنتائج، ومساعدة الباحثين والمطورين” في البناء للمستقبل.
9
إن العبرة الواضحة من هذا المثال هي أنه يجب على الطليعة المستنيرة من السودانيين أن تعمل أثناء الحرب الآن ودون تباطؤ – كلٌ في مكان وجوده سواء داخل السودان أو خارجه – للتمهيد للبناء في اليوم التالي مباشرة.
نعلم ان مؤسسات اخرى منخرطة في أعمال من هذا النوع مثل جامعة الخرطوم.
عموماً هذا امر لا يغيب عن فطنة الوطنيين الشرفاء ذوي الخبرات القيمة في العمل المؤسسي في القطاعين العام والخاص في الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والطاقة ومئات بل ألاف المجالات والآنشطة في الدولة.
10
لنتصور مئات من المجموعات أو الأفرد المستنيرين والخبراء يقدم كل منهم مشروعاً مدروساً ومفصلاً للعمل اثناء الحرب (الآن) يحرك به العمل المؤسسي لإعادة بناء السودان الجديد.
السودان الجديد يجب أن يبدأ من حيث إنتهى التطور الانساني.
على سبيل المثال لا نرضى في السودان الجديد بأقل من وحدات طاقة نووية تزود اية مدينة بالطاقة الكهربائية، وهذا اصبح متاحاً الان بالإضافة إلى مصادر الطاقة المتجددة المتاحة الآن وبتكاليف مستطاعة.
11
من بين مئات مشاريع العمل الممكنة أثناء الحرب نأمل، بصفة خاصة، أن تقوم مجموعة من الكفاءات المهنية بالجيش السوداني بمشروع لتصحيح مسار القوات المسلحة إلى المسار المهني العلمي والعملي.
لقد فجعنا بانحراف قواتنا المسلحة من عملها المهني المقدس بأن استهواها المجال السياسي ولعبة الحكم المسلح، فلم تفلح في الحكم وضيعت على البلاد فرص مؤكدة لخلق جيش قوي ومهاب.
إن الجيش السوداني مليء بالكفاءات المهنية التي يمكن أن تساهم في تصحيح مسار الجيش المهني الذي اُضيع.
12
و من بين مئات مشاريع العمل الممكنة أثناء الحرب نذكر ايضا وبصفة خاصة ديوان شؤون الخدمة الذي تم إقصاؤه عن عمد.
يطمع السودان في أن تقوم مجموعة من كفاءات وخبراء شؤون الخدمة المدنية بمشروع عمل الآن واثناء الحرب لإعادة بناء العمل المؤسسي القائم على القوانين والنظم لضبط شؤون الخدمة المدنية لضمان تعيين الكفاءات في مرافق الدولة وتنظيم حقوقها ومسؤولياتها.
13
ومن بين مئات مشاريع العمل الممكنة أثناء الحرب نذكر مراكز الابحاث العلمية والجامعات ومعاهد ومراكز التدريب والتجارة والشؤون الخارجية ومشرع الجزيرة والسكة حديد ووو إلخ التي يمكن بل يجب أن تضطلع الكفاءات والخبراء فيها بمشاريع عمل تضع الخطوات العملية لإعادة بنائها وإستئناف العمل في مؤسساتها مباشرة فور إنتهاء هذه الحرب العبثية.
14
نتذكر تماماً شعار “حنبنيهو” خلال المظاهرات ضد النظام البائد.
كانت تلك شعارات هتافية لم نتخذ اية خطوات عملية لتحقيقها ولذلك رأينا النظام البائد يعود بشكل جديد بل وأشعل الحرب العبثية التي دخلت عامها الرابع.
في ضوء الاسطر المتفائلة أعلاه قد تؤدي مئات بل آلاف مشاريع العمل الممكنة أثناء الحرب إلى إنبلاج وإشراق رؤىً وطنية للعمل لهزيمة الروح المعنوية للمتقاتلين وحفزهم لإيقاف الحرب، بل من المؤكد أن تؤدي مشاريع العمل اثناء الحرب هذه إلى فتح كوة من الضوء تنير لنا الطريق نحو سودان جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..