مقالات وآراء

البرهان يُحاكم الشعب بسياط الصبر… حين تصبح السلطة أهم من الوطن

عبد العزيز أبو عاقلة

هناك لحظات في تاريخ الأنظمة التي تحكم بالقوة تكشف ليس فقط فشل الحكام، بل تكشف أيضاً مدى انفصالهم عن الواقع الذي يعيش فيه الناس. وفي السودان، الوطن الذي أضاعته نخبه العسكرية والسياسية مبكراً، تبدو المفارقة الأكثر قسوة أن المواطن الذي فقد بيته وأمنه ومصدر رزقه، والذي يقف في طوابير الوقود والكهرباء والخبز والماء، يُطلب منه مرة أخرى أن يتحمل ويصبر، وكأن الصبر أصبح بديلاً عن المسؤولية، وكأن الشعب هو الطرف الذي يجب أن يدفع ثمن حرب لم يخترها ولم تكن خياره.
خرج الفريق عبد الفتاح البرهان بخطاب مخاطباً السودانيين بلغة الصمود والتحمل، في وقت تتآكل فيه الدولة من الداخل؛ شح في الوقود ومشتقاته، انقطاع للكهرباء في المدن، ومعاناة مضاعفة في القرى والأرياف التي لطالما كانت بعيدة عن حسابات السلطة الحاكمة. الجنيه ينهار، الاقتصاد يختنق، والخدمات الأساسية تتراجع، بينما تستمر الحرب في استنزاف ما تبقى من مقدرات الوطن.
المشكلة ليست فقط في خطاب يطلب من الناس الصبر، بل في السؤال الأكبر: إلى متى يُطلب من الشعب أن يتحمل نتائج خيارات لم يشارك في صنعها؟ فالحاكم الذي يجد نفسه عاجزاً عن حماية الاقتصاد، وتوفير الأمن، وإيقاف نزيف الدولة، أمام خيار أخلاقي وسياسي واضح: هل يتمسك بالكرسي حتى النهاية، أم يقدم مصلحة الوطن على مصلحة السلطة؟
التاريخ لا يخلو من قادة أدركوا أن المسؤولية ليست التشبث بالموقع، وأن قوة القائد لا تُقاس بقدرته على إطالة الصراع، بل بقدرته على إيقاف نزيف وطنه. فقد اختار بعض القادة طريق السلام عندما أدركوا أن الحروب الطويلة لا تنتج إلا دولاً منهكة وشعوباً مكسورة.
ففي جنوب إفريقيا، لم يحوّل نيلسون مانديلا انتصاره السياسي إلى رغبة في الانتقام أو احتكار للسلطة، بل جعل المصالحة الوطنية مشروعاً لبناء دولة جديدة، ثم غادر الحكم بعد ولاية واحدة رغم مكانته التاريخية. وفي رواندا، جاء التركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من المأساة الوطنية، واضعاً فكرة استعادة الدولة فوق منطق الانتقام المستمر. وفي كولومبيا، فُضّل طريق التفاوض لإنهاء عقود من الحرب الداخلية، انطلاقاً من أن إنقاذ الأرواح وبناء السلام أهم من استمرار الصراع.
هذه التجارب وبغض النظر عن الأسباب ، لا تعني أن التاريخ يخلو من الخلافات أو أن القادة كانوا بلا أخطاء، لكنها تؤكد حقيقة أساسية: أن القائد الذي يرى وطنه ينزف يبحث عن مخرج، لا عن مبررات لإطالة الأزمة. فالسلطة التي لا تحمي المواطن والدولة تتحول من وسيلة إلى عبء، والكرسي الذي يُبنى فوق خراب الوطن يصبح مجرد انتصار وهمي مؤقت.
أما في الحالة السودانية، فبعد انقلاب عسكري على ثورة عظيمة، جاءت حرب طاحنة ذات أبعاد سلطوية وسياسية، ثم تحولت الحرب إلى جدار تختبئ خلفه السلطة من استحقاقات الأسئلة الكبرى. فكلما طال أمد القتال، أصبح الحديث عن “الكرامة” والوطنية أكثر انفصالاً عن واقع المواطن الذي يبحث عن الأمان والكهرباء والدواء والقدرة على إطعام أسرته، بل القدرة على الحياة.
الكرامة لا تُقاس بالخطب، بل بحياة الناس. لا تكون الكرامة في بلد ينزح ويهاجر قسراً أبناؤه هرباً من الموت والجوع، ولا في مدن تفقد أمنها، ولا في أجيال تتعلم معنى الحرب قبل أن تعرف معنى المستقبل.

الدولة لا تسقط فجأة، بل تتآكل قطعة قطعة؛ يبدأ الأمر بأمن ينهار، وخدمة تتوقف، ثم اقتصاد ينهار، ثم ثقة تضيع بين الحاكم والمحكوم. وعندما تصبح معاناة المواطن مجرد خطاب عن “الصمود”، يتحول الصمود نفسه إلى عبء إضافي على الضحية.
لقد تحمل الشعب السوداني ما يفوق طاقته؛ حروباً متكررة، وانقسامات سياسية، وأزمات اقتصادية، لكنه اليوم يواجه سؤالاً وجودياً: هل ستبقى الدولة أم ستبقى الحرب؟

إن أعظم انتصار لأي قائد ليس أن ينتصر في معركة، بل أن يمنع وطنه من الانهيار. فالتاريخ لا يرحم من تمسك بالسلطة بقوة السلاح بينما كانت الدولة تنزف، لكنه يحفظ أسماء من امتلكوا شجاعة القرار عندما أصبح الوطن أكبر من المنصب.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: متى تنتهي الحرب؟
بل: متى يدرك أصحاب القرار أن بقاء السلطة لا يمكن أن يكون أغلى من بقاء الوطن، وأن مسؤوليتهم الحقيقية تبدأ باتخاذ القرار الشجاع لإنهاء الحرب وإنقاذ ما تبقى من الدولة؟
البرهان… يقف اليوم فوق أنقاض وطن يقترب من التلاشي، وغداً قد لا يجد حوله إلا صدى خطبه القديمة.
فالجدران تسقط، والمصفقون يرحلون، ويبقى في ذاكرة الشعوب سؤال واحد: من أنقذ الوطن عندما كان ينزف، ومن وقف في جراحه دفاعاً عن السلطة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..