مقالات وآراء

المحاكم لا القصور

أحمد بطران عبد القادر

لا مراء في أن أطراف النزاع في حرب ١٥ أبريل العبثية ارتكبوا من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ما تأنف منه الفِطَرة السليمة وتدينه الضمائر الحية في الحضارة الإنسانية المعاصرة غير أن الأخطر في مسار الصراع يتمثل في تحوّل ساحات القتال وكواليسه إلى سوقٍ للمفاوضات تُبتغى منها الاستقطاب والتحييد فتغدو جرائم القتل والنهب والاغتصاب بمثابة “بطاقات عبور” إلى قصور السلطة المسلوبة لمجرد الاستجابة لإغراء الانشقاق والانحياز من طرفٍ إلى آخر وبهذا المنطق لا نعالج أزمة الوطن بل نؤسس لدورة عنف جديدة أشد فتكاً بالمدنيين من سابقتها يقيناً لا ظناً

إن السودان البلد الواعد ذو الموروث الحضاري الممتد من بعانخي وتهارقا مروراً بثوراته الوطنية ضد المستعمر الثورة المهدية وثورة ٢٤ والبطل علي عبد اللطيف وفارس الشرق عثمان دقنة وثورات المساليت لا يستحق أن تُسَطَّر صفحته الراهنة بأحبار الدم والمحاصصات النخبوية ويعلّمنا التاريخ أن تحوّل العنف إلى “استراتيجية بقاء” لدى النخب الحاكمة عسكرية كانت أم مدنية متحالفة مع منظومة استبدادها بالسلاح أو بالجرافة إنما يُنتج نتيجة واحدة وهي المواطن المهمّش خارج دائرة السلطة هو الضحية الوحيدة

فقد وثّقت تقارير أممية وحقوقية وشهادات ناجين نمطاً متكرراً من الانتهاكات نُسب إلى قوات الدعم السريع خلال سنوات الصراع والحرب المفتوحة بلا أفق سياسي ولا مخارج للحلول وهذه نماذج دالة على استهداف المدنيين والممتلكات حيث تم نهبٌ منظم للمنازل والأسواق والمؤسسات وتدميرٌ ممنهج للمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء كما مارست هذه القوات قهراً للمدنيين تمثّل في موجات نزوح قسري واسعة النطاق أُجبرت بموجبها مدن وأحياء كاملة على الإخلاء تحت تهديد السلاح فأنتجت أكبر موجات نزوح في تاريخ البلاد الحديث
واستخدمت قيادات هذه المليشيات الحصار سلاح حرب فمنعت دخول الغذاء والدواء والوقود لأشهر عديدة في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني الذي يحرّم تجويع المدنيين.
ومارست قيادات هذه المليشيات العنف الجنسي والاتجار بالبشر وهي وصمة لا تمحوها الأيام

ولعل أبرز ما رصدته بعثة الأمم المتحدة “يونيتامس” ومنظمات حقوق الإنسان هو توظيف الاغتصاب والقهر الجنسي سلاح حرب شمل احتجاز نساء وفتيات في مواقع مورس فيها العنف الجماعي بغرض ترويع المجتمع وتكاملت الصورة بشهادات عن اختطاف نساء وأطفال واحتجازهم في ظروف تُشبه الرق وعرضهم في أسواق غير شرعية هذه الجرائم تُصنّف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية متى ارتُكبت ضمن هجوم واسع ومنهجي ولا تسقط بالتقادم وتضرب في صميم قيم كرامة الإنسان التي نهض عليها موروثنا الحضاري

ولعل سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لم تكن أحسن حالاً في قهر المدنيين وثمّة تجاوزات خطيرة مرصودة غير أن المشهد الأشد قتامة ومرارة يتمثل في استقبال من قفزوا من سفينة المليشيات بعد أن أيقنوا غرقها أو خُيّل إليهم ذلك أو كانت الإغراءات محفّزة ونسأل هنا كيف لسلطة تحترم تاريخها أن تفتح قصورها لمن نهبوا وقتلوا وخانوا الوطن وتخابروا ضد شعبه؟ إن مكافأة القاتل بمجرد إلقائه السلاح رسالة مفادها أن العنف سبيل ناجع لاعتلاء المنابر وأن الدم طريق مختصر إلى السلطة

وهنا تتجلى ثقافة “عفو من لا يملك لمن لا يستحق” فأي شرعية تملكها حكومة الأمر الواقع أو أي طرف ضالع أصلاً في العنف لتمنح العفو عن جرائم قتل واغتصاب وخيانة عظمى؟ العفو قرار قضائي محله ساحات العدالة لا قراراً تتخذه سلطة غير مفوّضة في محافل استقبال الجناة المنشقين عن المليشيات والتاريخ السوداني حافل بتجارب استثمرت فيها النخب خطاب “الضرورة”، حرباً كانت أم سلاماً لتبرير الإفلات من العقاب فكانت النتيجة دوماً ترسيخ المحسوبية وإنتاج جيل جديد من المجرمين والقتلة

وقد عمدت سلطة الأمر الواقع في بورتسودان إلى هذا المنحى بعدما تبيّن لها عملياً أن الحسم العسكري بالانتصار على المليشيات غير ممكن وقد يطول وكلفته باهظة فاختارت إضعافها بهذا الأسلوب الماكر الذي يضاعف مأساة شعبنا العظيم

والمفارقة الكبرى تكمن في مصير الإطار المفاهيمي للسلام الذي تم التوافق عليه مبدئياً في منبر جدة مطلع الحرب وكان من شأنه أن يوقفها فعلياً فكان هنالك مسار إنساني عاجل لفتح الطريق أمام قوافل المساعدات وإدخال الإغاثة ثم مسار تفاوضي مع القوى المدنية لاستئناف عملية الانتقال المدني الديمقراطي لقد قدمت المملكة العربية السعودية في منبر جدة مخرجاً يحفظ الدم ويصون الدولة

لكن هذا الإطار تحوّل إلى رباعية وخماسية وتاهت البوصلة والنتيجة وضع إنساني بائس ومتدهور وتدفقات سلاح مستمرة والمدنيون وحدهم يدفعون الثمن أما المجتمع الدولي فافتقر إلى الحسم في وقف الحرب في السودان وقدّم مصالحه على مصالح السودانيين فترك الساحة مفتوحة لدخول السلاح الفتاك ولاستخبارات الأطراف المتحاربة التي تعمل ليل نهار على إحداث انشقاقات في الطرف الآخر وإغراء المنشقين بعروض لا تستند إلى شرعية دستورية أو أخلاقية وإنما تُحسّن موقفها التفاوضي مستقبلاً فحسب

وكما كشفت دراسات الإيكولوجيا السياسية للصراع في السودان فإن خطاب “الضرورة” الذي أشرنا إليه آنفاً أكان أزمة مناخ أم أزمة غذاء أم ضرورة أمنية غالباً ما يُوظّفه الفاعلون لتبرير مشاريع استعباد عنيفة الفرق الوحيد أن أداة العنف تتبدل فمرة بسلاح المليشيات ومرة جرافة السد أما المنطق فواحد فهو تراكم للنخب واستبعاد للمهمّشين

والحقيقة التي يُدركها الجميع ويتغافلون عنها عمدا هي لا سلام بلا عدالة ولا استقرار بلا مساءلة ولا تنمية حقيقية بلا محاسبة والمطلوب اليوم موقف صارم لا يحتمل التأويل:

1. *العودة إلى إطار جدة بروحه الأصلية*: وقف إطلاق نار حقي مقرون بمسار مدني للانتقال الديمقراطي فالسلام لا يُشترى بمنح مناصب للمجرمين
2. *تسليم المتورطين للمحاكم*: كل من ثبت تورطه في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يجب أن يمثل أمام القضاء الوطني أو الدولي فالبراءة والإدانة قرار محكمة لا قرار سياسي ولا ولاء لحظي ولا انشقاق تكتيكي.
3. *حفظ حقوق الضحايا في جبر الضرر وكشف مصير المفقودين وتوثيق الأدلة قبل ضياعها*: فالضحايا ليسوا أرقاماً في بيانات كاذبة
4. *تجريم الإفلات من العقاب*: إن الانشقاق عن المليشيات لا يمحو سجل الجرائم ومن أراد ترك الحرب فليترك السلاح ويقدم نفسه للعدالة طوعاً لا أن يساوم بدماء الأبرياء.

إن الدول المحترمة لا تُبنى بالمجرمين ولا بمشاريع تراكم استبدادي يمنعه الطغاة من خلال شمولياتهم بل بالقانون وإنفاذه ومن خان وطنه وقتل شعبه واغتصب حرائره فمكانه الوحيد قاعات الاتهام وإغلاق الباب أمام العنف بالسلاح أو بخطاب الضرورة كوسيلة للسلطة هو الخطوة الأولى نحو وطن يحترم أبناءه ويليق بموروث بعانخي وتهارقا والمهدي والقرشي وكشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..