
قصة من اجمل قصص أساطير الدينكا هذه الأسطورة تحمل في طياتها دروساً عميقة عن العصيان والعواقب، هذه الأسطورة تحمل في طياتها دروساً عميقة عن العصيان والعواقب.
في البدء، لم يكن هناك فرق بين الأرض والسماء. كان الحبل — ذلك الحبل السميك المنسوج من ضوء القمر وانفاس الفجر — معلقاً بين التراب والغمام، وكان البشر يصعدونه متى شاءوا ليزوروا نهياليك، الإله الأعلى، في سمائه. وكان الشيوخ، حين تثقل بهم السنون، يتسلقون الحبل في ليلة الهلال، فيعودون إلى الأرض شباباً مرة أخرى، كأنهم لم يذقوا التعب يوماً.
لم يكن هناك موت. لم يكن هناك مرض. كانت الحياة دائمة، والأرض خصبة، والسماء قريبة كجارٍ طيب.
خلق نهياليك أول رجل وامرأة من طين السودان الغنيّ. غارانغ كان اسمه، وآبوك اسمها. وضعهما الإله في إناءٍ كبيرٍ حتى ينضجا، فخرجا بشراً كاملين. لكن آبوك كانت صغيرة، أصغر مما ينبغي. فوضعها نهياليك في وعاءٍ ملآن بالماء، فانتفخت كالإسفنجة حتى بلغت الحجم الذي يرضي الخالق.
أعطاهما نهياليك حبةً واحدةً من الحبوب في كل يوم. “كافية هي”، قال. “لن تجوعا ما دمتما تثقان بي”.
لكن الجوع كان خداعاً. وآبوك — تلك المرأة الذكية — فكرت: “إن جعلتُ الحبة عجيناً، ستدوم أطول”. وفي يومٍ من الأيام، قررت أن تزرع حبّةً إضافيةً في التراب الطيب. ثم حبةً أخرى. ومن ثم حقلاً كاملاً.
كانت آبوك تقف في حقلها ذات صباحٍ، تمسك بمحراثٍ طويل. وكانت السماء منخفضةً جداً — كما كانت دائماً — حتى كادت تلامس رأسها. رفعت المحراث، وغاص في التراب، ثم رفعته مرةً أخرى. لكن هذه المرة، ارتفع أعلى مما ينبغي. طرق مقبض الخشب الطويل باب السماء. استدار نهياليك. كان صمته أثقل من الرعد.
لم يكن الغضب. كان شيئاً أسوأ: الأسى.
“عصيتم”، قال نهياليك، وصوته كريحٍ باردةٍ تهب من أعالي السماء. “أردتم أكثر مما أعطيت. أردتم أن تكونوا مثلي”.
أرسل نهياليك طائراً صغيراً — أتوق، ذا الريش الأزرق الداكن — وأمره: “اقطع الحبل”.
حلّق أتوق، ونقر الحبل بنقارته الحادة. وفي لحظةٍ واحدة، انفصلت الأرض عن السماء. انفصل الإنسان عن إلهه. وارتفعت السماء بعيداً، بعيداً، حتى صارت نقطةً زرقاءً في الأفق، ثم لاشيء.
من ذلك اليوم، لم يعد الشيوخ يصعدون. لم يعد الشباب يعودون. دخل الموت إلى العالم كظلٍّ لا يرحل، وجاء المرض كضيفٍ غير مرغوبٍ فيه. وصارت الحياة قصيرةً، والأوجاع جزءاً منها.
لكن الدينكا — شعب آبوك وغارانغ — لم ينسوا. ما زالوا يروون القصة حول النيران المشتعلة في ليالي السافانا، وما زالوا يكرّمون آبوك كأول امرأة، أم الحبوب، حامية الماء، رمز الذكاء الذي يكلف أحياناً. وما زالوا ينظرون إلى السماء البعيدة، متذكرين أنها كانت يوماً قريبةً كالنفس.
وحين يهبط المطر الغزير على سهول جنوب السودان، يهمس كبار القوم: “هذا دنغ، ابن نهياليك، يذكرنا بأن السماء ما زالت ترعانا، رغم البعد”.
ويبقى الحبل مقطوعاً. لكن الذاكرة — ذلك الحبل الأخير — تبقى.
*هذا ليس نص الاسطورة الاصلى ولكن القصة مبنية على وقائع الاسطورة
* على الجنوب ان يتذكر ان الحبل الارضى المرتخى يمكن وصله قبل ان يبليه الزمن




اول مرة اعرف الدينكا عندهم اساطير !!!!!! شوف كيف تفرق الثقافة السائدة بين الناس
مشكور دزالنقر علي القصة الرائعة عن أدبنا الشعبي الغني وحقيقة اول مره اعرف ان ادبنا الشعبي الاسطوري في جنوب السودان متقدم للغاية حتي علي ادبنا الاسطوري في شماله والدليل هذه القصة.
فقصة إلهة القمح والحصاد هذه موجودة تقريبا بنفس الوصف ولكنها اكثر اتقانا عند الإغريق وتعرف بإسم الإلهة (ديميتر) وتعرف عند الرومان بإسم (سيريس) وهي اول من حرثت وزرعت وفق الاساطير الاغريقية والرومانيه وتمتلك ايضا محراثا مقوس مثل محراث آبوك.
ونفس الفكره موجوده في الاساطير السومريه والبابلية والحضارة الرافنديه وربما ايضا في اساطير مجتمع تشاتال هويوك كأول مستوطنة بشريه.
تمنيت ان تكتب (ننجاالك) بدلا عن (نهياليك) وهي ربما حسب وجهة نظري الاقرب لنطق اهلنا الدينكا للكلمة ودمت بخير..