الحرب السودانية… تعقيدات الداخل وحسابات الخارج وخرائط المستقبل

منذ أن اندلعت الحرب في السودان، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يتنازعان السلطة والنفوذ، بل تحولت إلى حدث مفصلي أعاد صياغة المشهد السياسي والأمني في البلاد، وألقى بتداعياته على الإقليم والمجتمع الدولي.
فالحروب حين تطول لا تبقى محصورة في ميادين القتال، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع، وتعيد رسم موازين القوى، وتخلق وقائع جديدة قد تكون أكثر رسوخاً من نتائج المعارك نفسها.
لقد خلفت الحرب واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، وأدخلت البلاد في دوامة من الانهيارات الاقتصادية والتحديات الأمنية، بينما وجدت دول الجوار نفسها أمام تدفقات بشرية غير مسبوقة ومخاوف متزايدة من انتقال حالة عدم الاستقرار إلى المنطقة بأسرها.
ومع تعثر المبادرات السياسية وتعدد مسارات الوساطة، لم يعد السؤال يدور حول أسباب اندلاع الحرب بقدر ما أصبح يتمحور حول أسباب استمرارها، رغم الكلفة الباهظة التي يدفعها الجميع.
في تقديري، فإن تفسير إطالة أمد الحرب لا يمكن اختزاله في عامل واحد.
فالعوامل الداخلية لعبت دوراً محورياً، بدءاً من انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة، وتعقد المشهد السياسي، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وصولاً إلى غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب تناقضات المرحلة.
لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن العامل الخارجي أصبح جزءاً من معادلة الصراع، فالسودان بحكم موقعه الجيوسياسي وموارده الكبيرة لم يعد شأناً داخلياً خالصاً، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما جعل الحرب تتجاوز الحسابات السودانية الضيقة إلى حسابات أكثر تشابكاً وتعقيداً.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمآلات الحرب خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في الحسم العسكري، وهو احتمال يظل قائماً في ظل المتغيرات الميدانية المستمرة.
غير أن طبيعة الحرب واتساع مسرح العمليات والتداخلات القبلية والاجتماعية تجعل من الصعب الحديث عن نهاية عسكرية كاملة تنهي الصراع بصورة نهائية.
أما السيناريو الثاني، وهو الأقرب إلى الواقع الحالي، فيقوم على استمرار حرب الاستنزاف لفترة أطول، مع تغير خرائط السيطرة من حين إلى آخر، دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق انتصار حاسم.
وفي ظل هذا السيناريو ستزداد الأعباء الاقتصادية والإنسانية، وقد تنتقل بؤر التوتر إلى مناطق جديدة، بما يضاعف حجم التحديات التي تواجه الدولة السودانية.
ويبقى سيناريو التسوية السياسية حاضراً، وإن كان بعيد المنال في المدى المنظور.
فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب الطويلة لا تنتهي غالباً بانتصار مطلق، وإنما تنتهي عندما تصل الأطراف إلى قناعة بأن استمرار الصراع أصبح أكثر تكلفة من التسوية نفسها.
وهناك أيضاً سيناريو الانقسام الفعلي وتعدد مراكز السلطة، وهو من أكثر السيناريوهات تعقيداً، إذ لا يشترط أن يحدث تقسيم رسمي للبلاد، بل يكفي أن تتكرس سلطات الأمر الواقع، وتتشكل إدارات متوازية، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية وخلق واقع سياسي وأمني جديد.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في اتساع نطاق الصراع وانخراط أطراف إضافية بصورة أكبر، الأمر الذي قد يحول الأزمة السودانية إلى بؤرة توتر إقليمية مفتوحة، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود السودان.
ومن خلال قراءة الوقائع القائمة بعيداً عن الرغبات السياسية، يبدو أن الحرب تتجه نحو مرحلة مختلفة عما كانت عليه في بداياتها.
فالتحولات العسكرية المتسارعة تشير إلى تغيرات في موازين القوى، لكن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة اقتراب نهاية الصراع.
كما أن الحديث المتكرر عن تقسيم السودان يبدو أقرب إلى المخاوف منه إلى الحقائق القائمة، لأن تعقيدات الجغرافيا والديموغرافيا وتشابك المصالح تجعل من هذا السيناريو أمراً بالغ الصعوبة.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقسيم الرسمي، بل في تكريس حالة الانقسام الفعلي، حيث تنشأ سلطات الأمر الواقع وتتراجع سلطة الدولة المركزية تدريجياً، وهو مسار أثبتت تجارب المنطقة أنه أكثر خطورة من التقسيم المعلن.
كما أن المؤشرات المتاحة توحي بأن القوى الإقليمية والدولية، رغم اختلاف أجنداتها، لا تبدو مستعدة لتحمل تبعات انهيار الدولة السودانية بشكل كامل، ولذلك فإن الضغوط من أجل الوصول إلى تسوية سياسية مرشحة للتصاعد كلما اقتربت الحرب من مرحلة الاستنزاف الشامل.




اقتباس :
(. كما أن الحديث المتكرر عن تقسيم السودان يبدو أقرب إلى المخاوف منه إلى الحقائق القائمة، لأن تعقيدات الجغرافيا والديموغرافيا وتشابك المصالح تجعل من هذا السيناريو أمراً بالغ الصعوبة.)… نهاية الاقتباس.
…….. ………. ……..
الدارفوريون اكثر ما يرعبهم هو مشروع تقسيم السودان، ليس حرصا علي السودان وشعوبه،بل العكس هو الصحيح،فهم حريصون فقط علي مصالحهم الشخصية لا غير.
تقسيم السودان يعني نهاية الابتزاز الدارفوري، الذي تسلط به الدارفوريون علي رقاب بقية اهل السودان، عبر (علكة ) الظلم والاضطهاد التي لاكوها في السودان ، والمحافل الدولية حتي اصبحت لا طعم، ولا رائحة لها.
… استاذ زكريا،هل تعقيدات الجغرافية ،والديموغرافية في السودان، تتفوق علي تلك التي في شبه القارة الهندية، او دولة يوغسلافيا الفيدرالية، او حتي شيكسلوفاكيا؟؟.
الاجابة كلا ثم كلا، يوغسلافيا تقسمت بعد حرب ضروس قادها الصرب ضد الكروات، والبوسنة، حتي تبقي يوغسلافيا موحدة تحت تسلط الصرب،علي الرغم من التداخل الاسري بين تلك المكونات، والجغرافية التي جمعتهم ، حيث انقلب الجار علي الجار الذي كان يشاركهم احتفالات الاعياد الدينية، وحفلات اعيادميلاد الابناء ،والامهات ،والاباء،والنتيجة كانت حرب دموية،تدميرية،لا رحمة فيها.
تقسمت يوغسلافيا الي (7) دول مستقلة ،تنعم اليوم بالامن والامان.
اما شعوب شبه القارة الهندية ، خاضوا حربا ضروسا بين الهندوس والمسلمين علي الرغم من ان ان غالبيتهم ينحدر من اثنية واحدة ،
تقسمت شبه القارة الهندية لثلاث دول ،الهند،باكستان ،بنجلاديش، وربما يحدث مزيدا من التقسيم في الهند وباكستان..
اما شيكسلوفاكيا فهي اصغر حجما، من ولاية شمال دارفور،تقسمت الي دولتبن، سلوفاكيا، وشيكا..
…. حكاية تعقيدات الجغرافية والديموغرافية، في السودان فهذا لعمري هراء،لا يسوي قطرة من المداد الذي خطه…
… التقسيم اصبح واقعا ملموسا، خاصة بعد حرب طي الخرطوم في 5 دقائق، واعلان قيام حكومة تأسيس.
.. لن تنعم شعوب جغرافية السودان بالامن والامان الا بعد التقسيم.
واخر دعوانا للدارفوريين( اذهبوا فأنتم الطلقاء).
…….. التقسيم. سمح …..
الأخ الكريم..
أشكرك على التعقيب، وأختلف معك في عدد من النقاط، ولكن بهدوء وموضوعية.
أولاً، لا أعتقد أن من الإنصاف اختزال ملايين الدارفوريين في وصف واحد، أو افتراض أن لديهم جميعاً مصلحة في “ابتزاز” بقية السودانيين. ففي دارفور، كما في بقية السودان، توجد رؤى مختلفة ومواقف متعددة، ولا يجوز تحميل إقليم كامل مسؤولية أخطاء أفراد أو جماعات سياسية.
ثانياً، استشهادك بتجارب الهند أو يوغسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا لا ينفي حقيقة أن لكل حالة ظروفها الخاصة. فالتقسيم لم يكن في أي من تلك الحالات نزهة، بل سبقته حروب دامية ومجازر وعمليات نزوح وكراهية ممتدة، وما زالت بعض تلك المناطق تعاني من آثارها حتى اليوم. لذلك فإن القول بأن التقسيم هو الطريق المضمون للأمن والسلام يحتاج إلى كثير من التروي.
ثالثاً، عندما تحدثت عن تعقيدات الجغرافيا والديموغرافيا في السودان، لم أقل إنها تجعل التقسيم مستحيلاً، وإنما قلت إنها تجعل هذا السيناريو بالغ الصعوبة والتكلفة. فالسودان ليس حدوداً مرسومة على الورق فقط، بل هو تداخل سكاني وقبلي واقتصادي واجتماعي يجعل أي مشروع انفصال يثير أسئلة كبيرة حول الحدود والموارد وحقوق السكان المختلطين وحركة الرعاة والمزارعين وغيرها.
رابعاً، إذا كان الظلم والتهميش قد استُخدما أحياناً كشعارات سياسية، فهذا لا يعني إنكار وجود مظالم حقيقية عاشتها مناطق عديدة من السودان، بما فيها دارفور والشرق وجبال النوبة وحتى أجزاء من الشمال والوسط. معالجة هذه المظالم تكون ببناء دولة عادلة، لا بتبادل الاتهامات أو شيطنة المجموعات السكانية.
وأخيراً، لا أرى أن الحفاظ على وحدة السودان واجب على الدارفوريين وحدهم، ولا أن الانفصال هو قدر محتوم. الوحدة الحقيقية لا تقوم على الإكراه، كما أن الانفصال ليس وصفة سحرية للسلام. وما زلت أرى أن تعقيدات الواقع السوداني تجعل الحديث عن التقسيم أقرب إلى المخاوف والسيناريوهات المحتملة منه إلى كونه واقعاً محسوماً.
ويبقى الاختلاف في الرأي حقاً مشروعاً، ولكن من مصلحة الجميع أن يبقى النقاش بعيداً عن التعميم، لأن الأوطان لا تبنى بالكراهية، كما أن الأزمات لا تعالج بإلقاء التهم على ملايين البشر.
شكرا لك علي المرور …كما ارجو متابعة النقاش بهدوء دون تلفظ او تعصب .