مقالات وآراء

هل تكرر “عروس الرمال” مأساة الفاشر؟

محمد صالح محمد
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، تتصاعد التحذيرات الدولية والمحلية من أن المدينة تقف على أعتاب “كارثة إنسانية” تلوح في الأفق، وسط مؤشرات ميدانية توحي بأنها قد تكون المسرح القادم لسيناريو الانتهاكات والتهجير الذي شهدته مدينة الفاشر قبل أشهر.
إن المشهد في الأبيض اليوم لم يعد مجرد اشتباكات عابرة بل تحول إلى حصار مطبق يضع المدنيين بمن فيهم مئات الآلاف من النازحين في فوهة البركان.
الأبيض كعقدة حاسمة:
تكتسب مدينة الأبيض أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي الفريد؛ فهي تمثل “بوابة الوسط” التي تربط الخرطوم بإقليمي كردفان ودارفور، فضلاً عن كونها عاصمة لحزام الصمغ العربي ومركزاً لوجستياً وعسكرياً لا غنى عنه.
تتبع قوات الدعم السريع في تحركاتها الأخيرة تكتيكات بدت مطابقة لما حدث في الفاشر وبابنوسة.
الحصار من المحاور كافة: تطويق المدينة لقطع طرق الإمداد والخدمات.
القصف الممنهج بالمسيرات: استهداف البنية التحتية الحيوية، وأبرزها محطة الكهرباء الرئيسية مما تسبب في شلل تام للخدمات الطبية وحركة المدنيين وإغراق المدينة في ظلام دامس.
حرب الاستنزاف: استهداف محطات الوقود ووسائل النقل مما يخنق المدينة اقتصادياً ويمنع حركة النازحين الراغبين في النجاة بأرواحهم.
شبح الفاشر: قلق دولي وتحذيرات من “الفظائع”:
لقد أثارت التحركات الأخيرة حفيظة المجتمع الدولي حيث أصدرت الأمم المتحدة وائتلاف يضم أكثر من 20 دولة تحذيرات صريحة من تكرار مآسي الفاشر.
يكمن الخطر في أن الأبيض باتت ملاذاً لمئات الآلاف من النازحين الذين هربوا من مناطق النزاع الأخرى مما يعني أن أي هجوم واسع النطاق سيتسبب في أزمة نزوح جديدة وتفاقم لمعدلات المجاعة التي تهدد ملايين السودانيين.
محامو الطوارئ والمنظمات الحقوقية لم يتركوا مساحة للتأويل حيث أكدوا أن عمليات التحشيد العسكري المتبادل داخل وخارج المدينة هي “إنذار مبكر” لخطر وشيك يتمثل في ارتكاب جرائم دولية وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.
لماذا الأبيض؟
يرى مراقبون أن الأبيض تمثل “كسر عظم” في مسار الحرب؛ فالسيطرة عليها تعني عملياً التحكم في شرايين الحركة بين غرب السودان ووسطه.
وبالنسبة للجيش السوداني تمثل الأبيض خط الدفاع الأخير الذي يحمي عمقه الاستراتيجي، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى استغلال زخمها العسكري لتكريس واقع جديد يفرض التقسيم الفعلي لمناطق النفوذ.
إن التساؤل الملح ليس عما إذا كانت الأبيض ستتعرض للهجوم بل عما إذا كان الضغط الدولي والتحذيرات الأممية قادرة على اختراق جدار “الجنون العسكري” القائم.
الواقع الميداني يقول إن السيناريو يتكرر، والجيش لا يزال يواجه تحديات ميدانية وتكتيكية مشابهة لتلك التي أدت سابقاً إلى سقوط مدن كانت تعتبر “مستعصية”.
حافة الهاوية:
إن ما يشهده السودان اليوم، وتحديداً في شمال كردفان، هو انعكاس لغياب مشروع سياسي وطني جامع.
إن سقوط الأبيض -في حال حدوثه- لن يكون مجرد خسارة عسكرية بل سيكون إيذاناً بدخول الحرب السودانية مرحلة أكثر قتامة حيث تتحول المدن إلى ساحات للتصفية والإبادة مما يضع السودان أمام خيار واحد: إما تحرك دولي فوري وضغط سياسي حقيقي لفك الحصار أو انتظار “تسونامي” من الانتهاكات الإنسانية التي سيسجلها التاريخ كواحدة من أكبر المآسي في العصر الحديث.
معضلة الأبيض في ميزان السياسة الدولية:
إن التموضع الاستراتيجي لمدينة الأبيض يضعها في قلب “معضلة أمنية” (Security Dilemma) مركبة تتجاوز تكتيكات الميدان لتلامس جوهر الأزمة السودانية في أبعادها الجيوسياسية.
إن التهديد المحدق بالأبيض لا يمثل مجرد حلقة في سلسلة النزاع العسكري، بل هو مؤشر نوعي على انزلاق الصراع نحو مرحلة “حروب المدن المستدامة” حيث تتحول التجمعات الحضرية إلى أدوات ضغط سياسي وورقة تفاوضية يتم فيها توظيف المدنيين كرهائن استراتيجيين.
إن السيناريوهات الماثلة تشير إلى أن تكرار نمط “الفاشر” في الأبيض ليس حتمية عسكرية بقدر ما هو نتيجة لغياب “مظلة حماية دولية” فاعلة، وعجز آليات الوساطة عن فرض وقف شامل لإطلاق النار.
وبناءً على ما تقدم فإن تحول الأبيض إلى مسرح للانتهاكات الواسعة سيؤدي بالضرورة إلى إعادة هندسة الخارطة الديموغرافية والسياسية للسودان مما يعمق أزمة الشرعية السياسية ويضاعف من تكاليف التسوية النهائية.
وعليه فإن مستقبل الأبيض يظل رهناً بمدى قدرة الفاعلين الدوليين على الانتقال من نهج “إدارة الأزمة” إلى “فرض الاستقرار” فالتاريخ السياسي يشير إلى أن تأخر التدخل الاستباقي في مثل هذه البؤر الساخنة لا ينتج عنه سوى فراغ أمني تستغله القوى المسلحة لتكريس واقع جيوسياسي جديد يستعصي على التفكيك في أروقة المفاوضات.

تعليق واحد

  1. خلاصة الأمر
    د. أحمد عيسى محمود
    عيساوي (٠١٢١٠٨٠٠٩٩*٠٩٠٦٥٧٠٤٧٠)

    (سقوط الأُبيض)

    مؤامرة كبرى لإسقاط الأُبيض تم الإعداد لها بطريقة احترافية، إذ شارك الجميع فيها. على سبيل المثال نجد أمين عام الأمم المتحدة يمنح المليشيا الضوء الأخضر ضمنيًا للمليشيا بمهاجمة الأُبيض بمناشدته للجميع بفتح ممرات آمنة لإخراج السكان، ليكمل (الخائندوك) المسرحية بقوله: (إن الدعم السريع يمتلك العدة والعتاد لإسقاط الأُبيض). نعلم بأن غوتيريش وحمدوك ومَنْ سار على دربهما (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) عن واقع الميدان. ومَنْ في الميدان زاده الروحي ويقينه الإيماني في قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). وبفضل الله وعونه دارت دائرة المكر السيئ على أهله، عندما تمكن الجيش من تدمير أكثر من (٢٢٧) مركبة قتالية بكاملها في محوري: غرب وشمال كردفان. إضافة لإبادة كل المدد القادم من حفتر ليبيا. وفوق كل ذلك وضع نسور الجو عواصم المليشيا (الضعين وزالنجي ونيالا) تحت الرقابة الكاملة. وخلاصة الأمر ننقل لكم رسالة تطمين للمشفقين على الأُبيض من اللواء الركن بحر الدين الجزولي الدفعة (٢٩) من أبناء الأُبيض بأن المليشيا الآن على بُعد أكثر من (٢٠٠) كيلو من المدينة، والمدينة تعيش حياتها بصورة طبيعية.
    الأثنين ٢٠٢٦/٦/٢٢

    نشر المقال… يعني لقد ضاعت ضربتك يا حمدوك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..