مقالات وآراء

كأس العالم.. دروس لا نتعلمها

كمال الهِدَي

أرى أننا من أكثر شعوب العالم مروراً على تجارب الآخرين في مختلف المجالات مرور الكرام، دون أن نتعلم منها، وكأننا نصدق فرية أننا أفهم شعوب الأرض وأفضلها خصالاً.
ما دعاني إلى هذا التأمل هو المتابعة اليومية لتظاهرة كأس العالم؛ فمنذ أيام يلح عليّ سؤال: كم نسخة من هذه الكأس العالمية تابعنا  وكم من المظاهر والممارسات الإيجابية      التي شاهدناها عبر هذه النسخ دون أن يتعلم القائمون على أمر الرياضة والمهتمون بها في بلدنا شيئاً منها، أو يشعروا بالغيرة مما نراه ونستمتع به؟
لن أخوض كثيراً في البنية التحتية وشكل الملاعب بالطبع، فنحن قد حبانا الله بأعذب أنهار العالم، ومع ذلك نعاني من العطش، ويضطر بعضنا إلى شراء المياه المعدنية، لأننا لم نستطع حتى المحافظة على نقاء هبة الخالق لنا. وفي مثل حالتنا تصبح المقارنة في جوانب البنى التحتية والعمران نوعاً من الأحلام غير المشروعة.
 فمن يعجز عن المحافظة على موارده الطبيعية، لن ينجح، قطعاً، في التعمير والبناء، والمفارقة أننا نطرب لترديد مقاطع من أغانٍ وطنية من شاكلة: ” نحن من نفر عمروا الأرض حيثما قطنوا” ، بينما الواقع يقول إننا يمكن أن نُسهم في تعمير بلدان الآخرين، أما بلدنا فنبرع فقط في تدميره وتخريبه. وكذلك الحال حين نردد : ” جدودنا زمان وصونا على الوطن” إذ نجد أنفسنا نكذب على ذواتنا حين نردد ما لا نعمل به ولا نلتزم بمقتضاه.
دعونا نغضّ الطرف عن الفارق الشاسع في البنية التحتية بيننا وبين أفقر بلدان العالم، دع عنك البلدان الكبيرة التي تستضيف النسخة الحالية من كأس العالم. وبما أن القيادات وكبار المسؤولين يُفترض أن يكونوا قدوةً للآخرين، فتعالوا نتأمل حديث رئيسة المكسيك.
فقد ذكرت الرئيسة كلوديا شينباوم أنها ترفض استخدام تذكرة حضور مباراة الافتتاح بسبب كلفتها العالية، وأنها آثرت أن تمنحها لشابة من المهتمات بكرة القدم، مؤكدة أنها منذ يوم تسلمها التذكرة من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، انفانتينو، كانت قد أوضحت له أنها لن تحضر الافتتاح، بل تفضل كرئيسة أن تحتفل مع من لا يملكون ثمن تذاكر دخول المباريات.
والسؤال: هل لو كان أيٌّ من قياداتنا أو مسؤولي كرة القدم في بلدنا في مكان رئيسة المكسيك كنا سنشهد مثل هذا الموقف؟ بالطبع لا، والأدلة على هذا النفي لا تُحصى ولا تُعد من واقع ممارسات هؤلاء المسؤولين الذين يتباهى الواحد منهم بتبذير المال العام، بل وبتبديده، ناهيك عن قيمة تذكرة مباراة كرة قدم.
ولو كان في مكان الرئيسة كلوديا شينباوم مسؤولٌ في اتحاد كرة القدم السوداني، لارتدى أفخم الثياب وكان أول الحاضرين؛ فمثل هذا الـ”بريستيج” هو ما يبحثون عنه.
هذا نموذجٌ بسيط لما نشاهده ونعجب به، دون أن يحرّك ساكناً لدى ولاة الأمر عندنا أو لدى القائمين على شؤون كرة القدم وغيرها من الأنشطة.
أما ما نلاحظه من تطورٍ في مستويات المنتخبات واحترافيتها في بلدانٍ بدأت مسيرتها الكروية بعدنا بعشرات السنين، فذلك أمرٌ آخر يستحق الوقوف عنده والتأمل في أسبابه. ففي الوقت الذي حققت فيه تلك البلدان قفزاتٍ نوعية بفضل التخطيط السليم والإدارة الاحترافية والاستثمار في البنية التحتية والكوادر البشرية، ما زلنا نحن ندور في الحلقة نفسها، نكرر الأخطاء ذاتها وننتظر نتائج مختلفة.
وإذا كانت بعض الدول قد جعلت من الرياضة مشروعاً وطنياً للتنمية وبناء السمعة وتحقيق الإنجازات، فإن كثيراً من مسؤولينا ما زالوا ينظرون إليها بوصفها مجالاً للوجاهة الاجتماعية والمكاسب الشخصية، لا ميداناً للعمل المؤسسي والإنجاز. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتسع الفجوة بيننا وبين الآخرين عاماً بعد عام، رغم أننا سبقنا كثيراً منهم في البدايات والإمكانات.
ويبقى السؤال: متى ننتقل من الإعجاب بتجارب الآخرين إلى صناعة تجربة خاصة بنا؟

تعليق واحد

  1. جلد الذات الى متى؟!!!
    مقاال الكاتب عن كأس العالم ،والمقارنة بين استعداد الدول الاخرى للمناسبة العالمية واستعراض ما لديهم من ملاعب وبنى تحتية ،وبين دولة السودان في جوانب الاحتفاء ومظاهر العمران ليس في محله،وقد تكون المقارنة في محلها قبل الحرب ،اذ شيدت دولة الانقاذ دور الرياضة واعدت الميادين للعلب كرة القدم وغيرها من انواع الرياضة،بل ان الحرب الحالية نشبت في دار للرياضة في احدى الروايات ، مع العلم أن ما قدمته الانقاذ لا يتناسب مع امكانات البلد ومصادر ثروته ،لكن يظل انجازا ولو على درجة منخفضة.اما والحرب قد دارت وتعرض السودان لدمار لم يشهد له تاريخه مثيلا،اذ هدمت مليشيا الجنجويد البنى التحتية ودمروا المستشفيات ،هذا فضلا عن ما ارتكبته عصابة المتمردين ويرتكبون، من انتهاك لحرمات الناس والتعدي على اعراضهم وممتلكاتهم وتدميرهم لمؤسسات الدولة ومعاهدها التعليمية والثقافية،وتجريفهم لوازاتها ومرافقها العامة ،واغتصابهم لحرائر السودان ونسائه، وتعدي على المواطنين بالقتل ومصادرة الاموال واحتلال المساكن وتخريبها،وتعطيل المستشفيات ،وتدمير المنشآت الاقتصادية من بنوك ومصانع ومحال تجارية ،وتعطيل للمنشئات الحيوية من محطات للمياه والكهرباء، ، الى غير ذلك من الجرائم التي مارسوها فيالعاصمة الخرطوم،وفي اقاليم السودان التي طالها تعديهم وانتهاكاتهم .والتي تحملها وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الجرائم كلها يبدوا انها لا تلفت نظر الكاتب ولا تشغل باله ،ولا تثير اهتمامهم ،بل همه ما يجري في الساحة العالمية من كاس العالم ،ومن ثم دبج مقاله وعرض مقارنة بين الدولة السودانية ودول العالم في الاحتفاء والاعداد لهذه المناسبة ،ونعى على الدولة السودانية تخلفها في هذا المجال!!! وهذا ظلم للسودان ومقارنة ليست في محلها!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..