مقالات وآراء

هندسة الكراهية

محمد هاشم محمد الحسن

يتنادى العالم في الثامن عشر من يونيو لترديد أطروحات نظرية عن قيم التعايش ومحاربة الضغائن، بينما يقدم السودان اليوم النموذج الأكثر فجاجة لكيفية تحول الكراهية من مجرد تعبير لفظي متطرف إلى صناعة سياسية واقتصادية متكاملة لإدارة الحرب وتصفية الوجود الإنساني.

هذه الحرب العسكرية ليست سوى القشرة الخارجية لصراع اجتماعي مخيف جرى طبخه على نار الأحقاد الممنهجة طوال عقود، لينفجر الآن كأداة لإعادة هندسة المجتمع السوداني، حيث تحول التنوع والتعدد الإثني واللغوي من ثراء تاريخي إلى خطوط تمايز حادة تلغي ملامح الإنسان وتستدعي بدلاً عنه القبيلة والجهة كصك وحيد للبقاء.

لقد برع طرفا الصراع في إعادة تعريف الحرب للهروب من طابعها السياسي والسلطوي الفاضح، بحثاً عن مشروعية زائفة تشحن القواعد بطاقة حقد لا تنطفئ.

هربت قيادة الجيش وحلفاؤها من الإسلاميين من مربع الصراع العسكري ضد تمرد مسلح، ليجدوا مشروعيتهم المفقودة عبر تحويلها إلى حرب وجودية قبلية وجهوية شاملة، تُصور الآخر بأنه العدو المطلق الذي لا يمكن التعايش معه.

الناظر إلى منصات الاستنفار الرقمي يدرك كيف تحول الفضاء العام إلى أداة تلوين عرقي فاقع عبر نحت مصطلحات مقيتة مثل جراد أفريقيا وعرب الشتات، لنزع صفة المواطنة عن مجموعات سودانية كاملة وجعل دمائهم وممتلكاتهم مستباحة.

وتجلت هذه الفاشية الميدانية في ما يسمى قانون الوجوه الغريبة، وهي سلطة تمنح أي مستنفر يحمل كلاشينكوف في ارتكاز عسكري حق تصفية المواطنين بناءً على جغرافيا الجينات، ومحاكمتهم بمجرد ملامح الوجه أو نبرة اللهجة.

في المقابل، مارس الدعم السريع ذات اللعبة الشيطانية في إعادة تعريف معركته، حيث سقطت سريعاً لافتات استعادة الديمقراطية وشعارات الدولة المدنية، ليحتمي وراء فزاعة إسقاط دولة 56، محولاً هذا المفهوم السياسي إلى شعار لتبرير تدمير بنية الدولة ومؤسساتها وتاريخها.

نجحت غرف المليشيا في تحويل الحقد الاجتماعي إلى وقود لمعركة لا ناقة للمهمشين الحقيقيين فيها ولا جمل، ليتبخر زيف شعارات الانعتاق أمام واقع مرير يثبت أن الهدف ليس إسقاط نخبة مسيطرة، بل إحلال تمكين قبلي وعشائري جديد يُباد فيه الآخر أو يُطرد من أرضه.

هذا الانحدار نحو القاع أنتج لغة بربرية تبرر قصف المدنيين العزل وتجويعهم في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع بذريعة أنهم حواضن اجتماعية لـ (ابن الرحم وعدو اليوم)، وهي ذات السردية التي تشجع قصف المدنيين بمصطلحات دنيئة مثل صانع الكباب، في تجريد كامل ومخيف للإنسان من إنسانيته، واستسهال مقزز لسحق حيوات البشر لمجرد وجودهم في جغرافيا لا تروق للكيزان.

هذا التجييش العنيف أعاد تحريك التناقضات العميقة في البنية السودانية، ليتنقل الخطاب بسلاسة مرعبة بين ثنائيات (العب والديناري)، (والعربي والأفريقي)، نافضاً الغبار عن جراحات التاريخ ليستخدمها كذخيرة حية في معركة الحاضر.

إنه خطاب يضرب في الذاكرة الجمعية، معيداً إنتاج أبشع السرديات الإقصائية مثل خطاب دولة البحر والنهر وما تبثه منصات من طينة عمسيب، حيث يجري التبشير علناً بفرز جغرافي وعرقي للبلاد، والتباكي على امتيازات سلطوية بادت.

والوقاحة الأكبر تتجلى في استدعاء أدبيات حرب الجنوب التكفيرية ذاتها، في محاولة بائسة من إعلام الإسلاميين لاستخدام فظائع الدعم السريع لغسيل سمعة جرائم ثلاثين عاماً من الاستبداد، يقابلها استخدام الجنجويد لكراهية الكيزان لغسيل تاريخ طويل من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في دارفور.

إن خطورة هذا الانحطاط الفكري لا تكمن فقط في غرف العمليات العسكرية، بل في كونه تجارة مربحة يقودها سماسرة لايفات ومؤثرون يقبضون ثمن صناعة هذا المحتوى بالعملات الأجنبية، ينامون في أمان عواصم الإقليم والغرب، ويشعلون المحرقة في الداخل ليتفرجوا على تمزق النسيج اليومي للمجتمع وتراجع مفهوم الوطن لصالح المحتمى الإثني الضيق.

لقد نجحت هذه الغرف الممولة في جعل الجار ينقلب على جاره الذي قاسمه العمر، وتحول الأصدقاء إلى أعداء يتبادلون التخوين والوشاية بناءً على فرز جغرافي وعرقي مريض.

الرصاص والمدفعية سيتوقفان في نهاية المطاف مهما طال الزمن، والمباني المدمرة والمؤسسات المنهوبة يمكن إعادة إعمارها بالمال والجهد، لكن النسيج الاجتماعي إذا تمزق تماماً وغرقت القلوب في غبن الدم والقبيلة، فلن تجمعه كل مواثيق السلام ولا اتفاقيات النخب.

الكراهية الحالية ليست عرضاً جانبياً للحرب بل هي محركها الأساسي، وبدون نزع سلاح هذا الخطاب وتفكيك بنية تصنيعه، فإن نهاية الحرب العسكرية لن تعني سوى بداية مرحلة أشد قتامة، مرحلة يتحول فيها ما تبقى من خريطة السودان إلى كانتونات معزولة يحكمها الخوف والتحفز المتبادل للمحو.

هذا الوطن إما أن يسع الجميع على أساس المواطنة المتساوية، أو يتحول إلى رماد تذروه رياح الكراهية.

‫2 تعليقات

  1. استغل الكيزان اصحاب مشروع الاسلام السياسي والاسلام براءة منهم عذا التنوع الجميل لقتل كل ما هو جميل في السودان
    وعند الله تجتمع الخصوم

  2. اشكر الأستاذ محمد هاشم محمد الحسن علي هذا المقال الذي يتسم بحرارة الغيرة الوطنية وحدة اللسان، ويلامس ظاهرة حقيقية وخطيرة هي توظيف الخطاب الكرهي سلاحاً في الحرب السودانية. والمقال في أحسن أحواله صرخة ألم مشروعة من مثقف يرى وطنه يتفكك.

    غير أن التشخيص الدقيق شرط الدواء الناجع، وهنا تظهر جملة من الإشكاليات المنهجية التي تستحق الوقوف عندها:

    أولها: أن المقال يقع في فخ التناظر الزائف فهو يوزع الاتهام بالتساوي بين طرفين لا يتساويان في طبيعة الجريمة ولا في حجمها. إن الإبادة الجماعية في دارفور والاغتصاب الممنهج لا يُوازَن به “خطاب الكيزان” مهما كان قبيحاً. التعادل الأخلاقي القسري هو نفسه شكل من أشكال تزوير الواقع.
    السجل التاريخي واضح: الكيزان مارسوا إبادة جماعية موثقة في دارفور، وتطهيراً عرقياً في النوبة والجنوب، وقمعاً ممنهجاً في المركز. هذا ليس خطاباً هذا سجل جنائي يرقى في جزء منه إلى أعلى تهم القانون الدولي.
    الدعم السريع يرتكب اليوم جرائم مروعة موثقة بدورها.
    لكن الخطأ المنهجي هو التساوي بين مرتكب الجريمة الأصلية الذي أنتج الأزمة البنيوية للدولة السودانية، وبين من نشأ جزئياً كنتاج لتلك الجريمة حتى وإن تجاوز الضحية ليصبح جلاداً بدوره.
    السودان يحتاج محاسبة الطرفين لكن بلا تساوٍ زائف يُمحو فيه الفارق بين الجذر والفرع

    وثانيها: أن الكاتب يصف آلية الكراهية وصفاً بليغاً لكنه يُخطئ في تشخيص جذرها. الكراهية ليست “صناعة” أنتجها السماسرة والمؤثرون الرقميون هؤلاء وقود لا محرك. المحرك الأعمق هو غياب عقد اجتماعي وطني جامع منذ الاستقلال، وهو بنية سياسية لا خطاب إعلامي.

    وثالثها: أن الختام الشاعري “إما أن يسع الجميع أو يتحول إلى رماد” وإن كان صحيحاً في مبدئه، فإنه يُؤجّل السؤال الجوهري: كيف؟ وعلى أي أساس؟ ومن يتفاوض؟ وما الضمانات؟

    ثانياً: في المسألة الجوهرية لماذا تنجح هندسة الكراهية؟

    لا تنجح الكراهية الممنهجة في فراغ. تنجح حين تجد ثلاثة شروط مجتمعة:

    الشرط الأول الحرمان التاريخي غير المُعالَج:
    حين يشعر الناس أن الدولة لم تنصفهم قط، يصبح خطاب الهوية مهما كان سُمّاً هو اللغة الوحيدة التي تُسمَع. دارفور لم “تُستدرَج” للكراهية هي تُفرغ حقداً تراكم على عقود من الإهمال والإبادة والاستخفاف.

    الشرط الثاني انهيار المرجعيات الوسيطة:
    حين تفكّكت النقابات والأحزاب والمدارس والمساجد المستقلة والطرق الصوفية كمساحات للحوار المشترك، لم يبقَ بين الفرد والمليشيا سوى الهوية القبلية.

    الشرط الثالث الاقتصاد السياسي للحرب:
    الكراهية مربحة كما أشار الكاتب لكن ربحيتها ليست فقط في “اللايفات”. إنها مربحة لأن الحرب نفسها أصبحت اقتصاداً: نهب، وتهريب ذهب، وإتاوات. من يريد وقف الكراهية عليه أن يُجفّف هذا الاقتصاد أولاً.

    ثالثاً: مقترحات للخروج في ما هو ممكن الآن وما هو ممكن غداً

    على المدى الفوري نزع فتيل الخطاب

    أولاً: ميثاق سودان الرقمي المضاد
    لا يكفي إدانة خطاب الكراهية يجب مواجهته بمحتوى منافس موزون ومنظم. يحتاج السودان إلى تحالف من المثقفين والصحفيين والمؤثرين المستقلين من كل المناطق والهويات لإنتاج سردية مضادة لا تنفي التمايز بل ترفض تحويله سلاحاً. والمهم هنا أن هذا التحالف لا يصدر عن أي من طرفي الحرب، وإلا فقد مصداقيته فوراً.

    ثانياً: توثيق جرائم خطاب الكراهية قانونياً
    المطلوب ليس الإدانة الأخلاقية فقط، بل تحديد المحتوى الذي يرقى إلى التحريض على الإبادة وفق تعريف روما الأساسي، وتوثيقه بطريقة تصلح للمحاسبة مستقبلاً. هذا يُربط الكلام بعواقب قانونية لا مجرد عواقب معنوية.

    ثالثاً: دعم الفضاءات المحلية للحوار
    في الجزيرة وكردفان والشمال حيث لا تزال مساحات مجتمعية يجب دعم المبادرات المحلية للتعايش: اللجان المحلية للمصالحة، والمدارس المشتركة، والمساجد التي ترفض خطاب الكراهية. هذا لا يحتاج سلاماً شاملاً ليبدأ.

    على مدى السلام إعادة بناء العقد الاجتماعي

    رابعاً: العدالة الانتقالية كشرط للتماسك لا كترف
    لن يُبنى نسيج اجتماعي دون معالجة الجرائم لا بالعفو العام الفوري الذي يعيد إنتاج الظلم، ولا بالانتقام المقنّع بالقانون. الحل يكمن في مسار منظم للاعتراف والمحاسبة والتعويض، يبدأ بالأجهزة الأمنية والقيادات العسكرية ولا يصل إلى المجندين المُستدرَجين.

    خامساً: الفيدرالية الحقيقية كمضاد للكانتونية
    الفيدرالية لا تعني تقسيم السودان بل هي الطريقة الوحيدة لإبقائه موحداً. حين يشعر أبناء دارفور وكردفان والشرق أنهم يملكون قراراتهم الخاصة داخل وطن واحد، يتآكل سلاح الهوية الإقصائية. أما المركزية التاريخية فهي التي صنعت هذا الشرخ.

    سادساً: إصلاح المناهج كاستثمار في الجيل القادم
    النسيج الاجتماعي المتمزق لا يُعاد بالسياسة وحدها يُعاد في الفصل الدراسي. المناهج السودانية بحاجة إلى مراجعة جذرية تُدرّس التاريخ المشترك بصدق بما في ذلك الجرائم والظلم وتبني جيلاً يعرف أن هويته السودانية لا تعني إلغاء هويته الإثنية.

    سابعاً: اقتصاد السلام كضامن للاستقرار
    لن يُقنع أحد بتسليم سلاحه في بيئة لا توفر بديلاً اقتصادياً. ربط أي اتفاق سلام ببرامج اندماج حقيقية للمقاتلين في سوق العمل لا في الجيش فقط ضرورة لا ترف. والتجارب الإقليمية كرواندا وسيراليون تُعلّم كثيراً هنا.

    خاتمة في قلب المسألة

    الكاتب يقول في ختامه: “الكراهية ليست عرضاً جانبياً للحرب بل هي محركها الأساسي.” هذه الجملة صحيحة ومقلوبة في آنٍ معاً.
    صحيحة لأن الكراهية تُعيد إنتاج الحرب وتمدّ في عمرها.لكنها مقلوبة لأن الكراهية نفسها ليست البدء بل هي المحصلة. المحرك الأول هو غياب الدولة العادلة على مدى سبعة عقود. وهذا يعني أن الحل الحقيقي ليس في “نزع سلاح الخطاب” فقط بل في بناء دولة تجعل هذا الخطاب غير ذي جدوى، لأن المواطنة أصبحت أثمن وأضمن من القبيلة.

    وطن يسع الجميع لا يُبنى بالشعارات يُبنى بالمؤسسات، والعدالة، والاعتراف المتبادل بالجرح المشترك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..