التفكير خارج إكراهات اللحظة: بين إغواء الترند وفرصة التأسيس التاريخي في السودان

د. صلاح أحمد الحبو
ليست الأزمات الكبرى مجرد اختبارات للقدرة على الصمود، وإنما هي اختبارات أعمق للقدرة على التفكير. فحين تضيق الخيارات وتتسارع الأحداث وتعلو ضوضاء الصراع، يصبح العقل الجمعي مهدداً بالانحباس داخل اللحظة، أسيراً لما تفرضه الوقائع اليومية من إكراهات وضغوط. وفي مثل هذه الظروف لا تعود المشكلة في غياب الحلول بقدر ما تصبح في غياب المسافة الفكرية اللازمة لرؤية ما وراء الأزمة.
والسودان اليوم يقف عند هذه العتبة الحرجة من تاريخه الحديث. فالحرب التي أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية والاجتماعية للبلاد لم تنتج فقط واقعاً إنسانياً واقتصادياً معقداً، بل أنتجت أيضاً حالة من الاستغراق الكامل في الحاضر، حتى بدا وكأن المجال العام بأسره قد انشغل بإدارة الوقائع أكثر من انشغاله باستشراف المآلات. وبينما تتلاحق الأحداث وتتناسل السجالات، يتراجع السؤال الأكثر أهمية: أي سودان يجري بناؤه في رحم هذه الأزمة؟
إن التفكير خارج إكراهات اللحظة لا يعني تجاهل الواقع أو القفز فوق تعقيداته، بل يعني التحرر من سلطته المطلقة على الوعي. فالأمم التي صنعت تحولات تاريخية كبرى لم تكن تلك التي امتلكت قدرة استثنائية على توصيف أزماتها، وإنما تلك التي امتلكت الجرأة على النظر إلى ما بعد الأزمة وهي ما تزال في قلبها. ولهذا فإن الفارق بين المجتمعات التي تتجاوز محنها وتلك التي تعيد إنتاجها يكمن غالباً في طبيعة الأسئلة التي تطرحها على نفسها أثناء الأزمات لا بعدها.
وفي السودان يبدو أن جزءاً كبيراً من النقاش العام ما يزال محكوماً بمنطق اللحظة. فالسجال يدور حول موازين القوى، وتطورات الميدان، وتحولات التحالفات، وتبادل الاتهامات، وهي جميعها قضايا مهمة بحكم تأثيرها المباشر على الواقع. غير أن هيمنة هذه القضايا على المجال العام أضعفت الاهتمام بأسئلة أكثر عمقاً تتعلق بشكل الدولة المقبلة، وطبيعة مؤسساتها، ونموذجها الاقتصادي، وموقع المواطنة في بنيتها السياسية، وحدود العلاقة بين المركز والأطراف، وبين السلطة والمجتمع.
ومن هنا يبرز ما يمكن تسميته بـ”إغواء الترند”، ليس بوصفه ظاهرة إعلامية فحسب، وإنما باعتباره نمطاً من التفكير السياسي. فالترند بطبيعته ابن اللحظة، يعيش على السرعة، ويتغذى على الانفعال، ويزدهر في البيئات التي تفتقر إلى الرؤية بعيدة المدى. ولذلك فإنه يوجه الانتباه نحو ما يحدث الآن، لكنه نادراً ما يساعد على فهم ما سيحدث لاحقاً. وحين تستسلم النخب والمجتمعات لمنطق الترند، فإنها تجد نفسها تدور في فلك الوقائع المتغيرة دون أن تمتلك القدرة على التأثير في اتجاهها التاريخي.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى تحمل في داخلها فرصاً تأسيسية لا تتكرر كثيراً. فالحروب، على قسوتها، تكشف مواطن الخلل البنيوي في الدول والمجتمعات، وتدفع الأسئلة المؤجلة إلى سطح الواقع، وتخلق لحظات نادرة يصبح فيها التغيير ممكناً بصورة أكبر مما كان عليه في الظروف العادية. ولذلك فإن قيمة الأزمات لا تُقاس فقط بحجم خسائرها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج وعي جديد بشروط المستقبل.
لقد كشفت الأزمة السودانية حدود النماذج السياسية التي حكمت البلاد لعقود، كما كشفت هشاشة كثير من البنى المؤسسية التي ظلت تبدو مستقرة ظاهرياً. وهذه الحقيقة، على قسوتها، تفتح الباب أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في أسس الدولة السودانية نفسها. فبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن تسويات مؤقتة للأزمة، يصبح من الضروري التفكير في شروط التأسيس الجديد؛ تأسيس يقوم على دولة المؤسسات لا دولة التوازنات المؤقتة، وعلى المواطنة لا الولاءات الأولية، وعلى التنمية المتوازنة لا اقتصاد المركز والهامش، وعلى الشرعية المستمدة من الكفاءة والتمثيل لا من موازين القوة العابرة.
إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بنتائج الصراع القائم، بل بالكيفية التي سيفكر بها السودانيون في ما بعد الصراع. فكم من أمم خرجت من الحروب أكثر قوة لأنها حولت المحنة إلى مشروع وطني جديد، وكم من أمم أخرى ظلت أسيرة ماضيها لأنها اكتفت بإدارة الأزمة دون معالجة جذورها.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام النخب السياسية والفكرية والثقافية لا يتمثل في تفسير ما يحدث كل يوم، بل في بناء تصور متكامل لما ينبغي أن يحدث خلال العقد القادم. فالأوطان لا تُبنى بالاستجابة المستمرة للأحداث، وإنما ببناء أفق تتجه نحوه الأحداث. كما أن التاريخ لا يكافئ الذين كانوا الأكثر حضوراً في ضجيج اللحظة، بقدر ما يكافئ الذين امتلكوا القدرة على رؤية ما لم يكن الآخرون قادرين على رؤيته.
إن السودان يقف اليوم بين طريقين متمايزين: طريق يبقيه أسيراً لدورة الأزمات المتكررة، حيث تُستهلك الطاقات الوطنية في إدارة الصراع وإعادة إنتاجه، وطريق آخر يحول الأزمة الراهنة إلى لحظة تأسيس تاريخي جديد تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدالة واستقراراً وكفاءة.
وبين إغواء الترند ونداء المستقبل تتحدد ملامح السودان القادم. فإما أن يظل الوعي الوطني رهينة اللحظة وما تفرضه من استقطابات وانفعالات عابرة، وإما أن يتحرر من إكراهاتها لينتقل إلى فضاء الرؤية والتخطيط والتأسيس. وعند هذه النقطة تحديداً لا يصبح السؤال كيف تنتهي الأزمة، بل كيف يمكن تحويلها إلى بداية جديدة في تاريخ الدولة السودانية.




الأخ الفاضل دكتور صلاح، شكراً على هذا المقال الذي يطرح سؤالاً حقيقياً يستحق الوقوف عنده. وأبدأ بالإقرار بما أقرّ به: ثمة خلل واضح في النقاش العام السوداني، وثمة هيمنة للآني على الاستراتيجي، وثمة حاجة ماسة إلى استعادة التفكير بعيد المدى. هذه فرضية صحيحة في جوهرها، وطرحها في هذا الجو العام يحمل قيمة بحد ذاتها.
غير أن ما يستوقفني في مقالك هو أنه يدعو إلى التفكير الاستراتيجي دون أن يمارسه. فأنت تكتب عن تجاوز اللحظة لكنك لا تتجاوزها فعلاً، وهذا ليس نقداً للنية بل ملاحظة على البنية.
أولى الإشكاليات أنك تشخّص دون أن تُعلّل. لماذا يستغرق النقاش السوداني في الآني؟ هل هو قصور فكري في النخب، أم أن نخبة مشتتة بين المهجر والنزوح الداخلي والخرطوم المحاصرة لا تملك الشروط الموضوعية لإنتاج رؤية استراتيجية هادئة؟ والفارق بين التشخيصين كبير، لأن الأول يُلقي المسؤولية على الوعي، والثاني يكشف إشكالية بنيوية تتعلق بانهيار مؤسسات إنتاج المعرفة السياسية — الجامعات، ومراكز البحث، والفضاءات الفكرية المنظّمة — التي لا يعوّضها “الترند” ولا يُصلحها الحثّ على التأمل.
وثانيتها أن مفهوم “إغواء الترند” مستعار من بيئة التواصل الاجتماعي ولا يرقى إلى مستوى التحليل الذي يطمح إليه مقالك. الترند ظاهرة، لكنها ليست التفسير. والتعامل معها بوصفها علّة بدلاً من عَرَض يختصر ما هو في حاجة إلى تعقيد.
وثالثتها وهي الأكثر إلحاحاً أن التاريخ الذي تستحضره يبقى بلا وجه. تقول إن أمماً حوّلت محنها إلى مشاريع وطنية جديدة وخرجت أقوى، وهذا صحيح. لكن أمماً أخرى خرجت من حروب مشابهة للحالة السودانية — من حيث التدخل الإقليمي، وتفكك الدولة المركزية، والانقسام القبلي والجهوي — وأعادت إنتاج أزماتها بالضبط. فما الذي يجعل السودان قابلاً للانتساب إلى الفئة الأولى لا الثانية؟ غياب هذا السؤال يجعل تفاؤلك التاريخي تفاؤلاً خطابياً لا تحليلياً.
أما المبادئ التي تدعو إليها دولة المؤسسات، والمواطنة، والتنمية المتوازنة، والشرعية المستمدة من الكفاءة والتمثيل فهي مبادئ لا خلاف عليها، ولعل هذا هو مأزقها. كل وثيقة سياسية سودانية منذ الاستقلال تقريباً تتضمن هذه العبارات أو ما يقاربها. الأسئلة الحارقة التي يتجنبها مقالك هي: من يملك الشرعية لبناء هذه المؤسسات في ظل انهيار الدولة المركزية؟ وكيف تُبنى مواطنة جامعة في مجتمع فصلته الحرب إلى هويات متحاربة؟ وما نموذج التنمية الممكن حين يسيطر طرف مسلح على أجزاء واسعة من الأراضي؟ التأسيس بلا إجابة على هذه الأسئلة يبقى أفقاً لا خارطة طريق.
دكتور صلاح ، ما كتبته مقالة رأي محكمة الصياغة وصادقة في دوافعها، لكنها تقف عند عتبة التحليل دون أن تعبرها. وهذا بالضبط هو الفارق الذي تطالب به غيرك، وهو ما يستحق أن يُطالَب به النص نفسه. والسؤال الذي أودّ أن أتركك معه: هل يريد الكاتب أن يحثّ على التفكير الاستراتيجي، أم أن يُنتجه؟ لأن الفضاء بين الأمرين واسع، ومقالك يقف في المنتصف.
أثمن كثيراً القراءة النقدية العميقة التي تفضل بها د. علي عبدالله الخليفة طه بصحيفة الراكوبة حول هذا المقال، فهي قراءة تجاوزت منطق الاتفاق أو الاختلاف إلى مساءلة النص من داخله، وهو ما يمنح أي جهد فكري قيمته الحقيقية.
ولعل ما أثاره من أسئلة حول الشروط البنيوية لإنتاج التفكير الاستراتيجي، وحدود مفهوم “إغواء الترند”، وإشكالية الانتقال من المبادئ العامة إلى خرائط الطريق التنفيذية، هي أسئلة مشروعة وتستحق مزيداً من الاشتغال الفكري.
وإذا كان المقال قد سعى أساساً إلى لفت الانتباه إلى مأزق الارتهان للحظة الراهنة وهيمنة الآني على الاستراتيجي، فإن الملاحظات النقدية التي طرحها د. علي تفتح الباب أمام خطوة تالية أكثر أهمية؛ وهي الانتقال من الدعوة إلى التفكير خارج إكراهات اللحظة إلى إنتاج إطار تحليلي وعملي يجيب عن سؤال: كيف يمكن للسودان، في ظل شروطه الراهنة، أن يؤسس فعلاً لمستقبل مختلف؟
فالأسئلة الكبيرة لا يجيب عنها مقال واحد، وإنما يفتحها حوار فكري متصل، والنقد الجاد ليس نقضاً للنص، بل امتداداً له وإضافة إلى أفقه