مقالات وآراء

حين تتحول الثغرات الاقتصادية إلى صناعة للثراء السريع

عبد المنعم على التوم

من المسلمات الراسخة في علم الاقتصاد أنه لا توجد وصفة اقتصادية واحدة تصلح لجميع دول العالم، فلكل دولة ظروفها الخاصة ومواردها وإمكاناتها وتحدياتها التي تفرض عليها نمطًا معينًا من السياسات الاقتصادية والنقدية. ومن ثم فإن نجاح أي سياسة اقتصادية مرهون بمدى توافقها مع واقع الدولة وقدرتها على معالجة مشكلاتها الحقيقية.
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية العالمية أن الدول التي استطاعت بناء احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي عبر التحكم في مواردها الاستراتيجية وتوجيه عائدات صادراتها لصالح الخزينة العامة، أصبحت أكثر قدرة على تبني سياسات الاقتصاد الحر وتحرير أسواق العملات. ففي هذه الدول يمتلك البنك المركزي من الأدوات والاحتياطيات ما يمكنه من التدخل الفوري لحماية العملة الوطنية ومواجهة أي اضطرابات في سوق الصرف .
وتُعد دول الخليج العربية مثالاً واضحاً على ذلك، إذ مكّنتها عائدات النفط من بناء احتياطيات نقدية كبيرة وفرت لها الاستقرار المالي والقدرة على إدارة سوق النقد الأجنبي بكفاءة عالية. وفي ظل هذه الأوضاع تصبح تجارة العملات عبر المؤسسات المرخصة نشاطاً عادياً لا يشكل تهديداً للاقتصاد الوطني .
غير أن الأمر يختلف تماماً في الدول التي تعاني من ضعف الموارد وشح النقد الأجنبي وهشاشة البنية الاقتصادية. فهذه الدول تلجأ عادة إلى فرض ضوابط صارمة على حركة العملات الأجنبية باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والقومي، وتعمل على منع خروج النشاط المتعلق بالنقد الأجنبي من إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية الى مايسمى بالقطاع الخاص منعا للفساد والتلاعب والتسيب والسيولة فى هذا القطاع الحيوى الخطير .
ورغم أن بعض الاقتصادات الكبرى تمتلك احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية، إلا أنها لا تزال تفرض رقابة دقيقة على حركة النقد الأجنبي وتحسب آثارها الاقتصادية بعناية، وهو ما يؤكد أن إدارة النقد الأجنبي ليست قضية فنية فحسب، بل قضية سيادية ترتبط باستقرار الاقتصاد الوطني .
ومن أخطر الظواهر التي تواجه الاقتصادات الهشة ظهور سوق موازية للعملات الأجنبية خارج المنظومة الرسمية. فهذه الأسواق لا تكتفي بمنافسة الجهاز المصرفي، بل تسحب منه أهم موارده، وتضعف قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية، وتفتح الباب أمام المضاربات التي تؤدي إلى تدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطنين .
ويعتقد بعض الناس أن تجارة العملات خارج الإطار الرسمي لا تمثل خطراً حقيقياً على الاقتصاد، ، مستندين في ذلك إلى ما يشاهدونه في بعض الدول المستقرة اقتصادياً حيث تنتشر شركات الصرافة الخاصة بصورة طبيعية. غير أن هذه المقارنة تفتقر إلى الدقة، لأن تلك الدول تمتلك احتياطيات ضخمة وآليات رقابية فعالة تجعل أسعار العملات خارج نطاق المضاربات الفردية .
أما في الدول التي تعاني من ندرة النقد الأجنبي، فإن السوق الموازي يتحول إلى مركز فعلي لتحديد أسعار الصرف ،، فتفقد الدولة جزءاً مهماً من سيطرتها على أدواتها الاقتصادية ، وتصبح السياسات النقدية رهينة لمجموعات من المضاربين والوسطاء الذين لا يضيفون قيمة إنتاجية حقيقية للاقتصاد .
والحقيقة أن تاجر العملة في كثير من الأحيان لا ينظر إلى نفسه باعتباره مضرّاً بالاقتصاد أو مساهماً في إضعاف الدولة، بل يرى أنه يستغل ثغرة و فرصة متاحة لتحقيق الربح ، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في السياسات الاقتصادية التي تهيئ البيئة المناسبة لازدهار هذا النشاط وتسمح له بالنمو على حساب المصلحة العامة .
فتاجر العملة لا ينتج سلعة، ولا يضيف قيمة اقتصادية جديدة، وإنما يعتمد على شراء العملات الأجنبية وتخزينها والمضاربة بها لتحقيق أرباح متزايدة نتيجة ارتفاع الطلب عليها. ومع مرور الوقت تتحول العملات الأجنبية إلى سلعة محتكرة تتنافس عليها الشركات والمستوردون والمؤسسات المختلفة، بينما يقف البنك المركزي عاجزاً عن تكوين احتياطيات كافية تمكنه من أداء دوره الطبيعي .
لقد ساهم ضعف الرقابة على حركة النقد الأجنبي خلال العقود الماضية في انتقال جزء كبير من موارد البلاد من العملات الصعبة إلى أيدي المضاربين والسماسرة وأصبح التنافس على استقطاب تحويلات المغتربين يتم خارج القنوات الرسمية الأمر الذي أفقد الاقتصاد الوطني مورداً مهماً كان يمكن أن يدعم الاحتياطي النقدي للدولة ويعزز استقرار سعر الصرف .
ولعل المثال الواقعي الذي نشاهده في بعض المناطق السودانية يوضح حجم المشكلة. فحين تُدفع رواتب بعض العاملين في المنظمات الأجنبية بالدولار الأمريكي داخل السودان، بينما تتم جميع المعاملات التجارية اليومية بالجنيه السوداني، تنشأ تلقائياً حاجة لتحويل تلك الدولارات إلى العملة المحلية. ومع غياب الرقابة الفعالة يظهر الوسطاء والمضاربون الذين يشترون هذه العملات ويحتفظون بها بغرض إعادة بيعها لاحقاً بأسعار أعلى، فتتحول المهنة أو النشاط الأصلي إلى واجهة جانبية لتجارة العملات وتحقيق الأرباح السريعة و يصبح النشاط جزء لا يستهان به ينمو ويزدهر بصورة سريعة ويعمل فى هدم الاقتصاد الكلى للدولة . ويؤثر على اسعار السلع وعدالة الاسواق بين اغلبية تتمتع بدخل منخفض (مرتبات بالعملة المحلية ) واقلية لا تتأثر بإرتفاع الاسعار (تجار عملات ) تنتفى معها العدالة الاجتماعية .

وهكذا تتوسع دائرة المضاربة، ويتحول الاحتفاظ بالدولار إلى نشاط اقتصادي قائم بذاته، بينما تتراجع أهمية الأنشطة الإنتاجية الحقيقية التي يحتاجها المجتمع. ومع مرور الزمن تتراكم الثروات في أيدي المضاربين، وتتآكل قدرة الدولة على إدارة سوق النقد الأجنبي .
ومن المؤسف أن تجارة العملات داخل السودان وخارجه أصبحت تمارس تأثيراً مباشراً على قيمة الجنيه السوداني، حتى باتت أسعار الصرف في أحيان كثيرة تتحدد خارج الحدود الوطنية، الأمر الذي يضعف السيادة الاقتصادية ويزيد من تعقيد الأزمات المعيشية التي يعاني منها المواطنون .
وفي تقديري أن التحول نحو سياسات التحرير الاقتصادي منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي لم تصاحبه الآليات والضوابط الكفيلة بحماية الاقتصاد السوداني من الآثار السالبة للسوق الموازي، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين السياسة النقدية الرسمية والواقع الفعلي لسوق الصرف .
إن معالجة هذه الأزمة لا تتحقق بالشعارات أو الحلول الجزئية، وإنما تتطلب إعادة بناء منظومة الرقابة على النقد الأجنبي، وتمكين البنك المركزي من استعادة دوره المحوري في إدارة موارد البلاد من العملات الصعبة، ووضع السياسات التي تضمن انسياب النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية بدلاً من تسربه إلى الأسواق الموازية .
فاستقرار العملة الوطنية ليس قضية مصرفية فحسب، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأحد أهم مقومات بناء دولة قادرة على توفير الخدمات وتحقيق التنمية وحماية مصالح مواطنيها .
كل ما يقوم به ولاة الامر من سياسات أقتصادية منذ ثلاثة عقود هو عبارة عن تخبط وعشوائيات لا تغنى ولا تسمن من جوع وبعيدين كل البعد عن جادة الطريق فى اتخاذ القرارات السليمة ، وجميعها عبارة عن مسكنات خرقاء .
الاستمرار فى السياسات القائمة تعنى مزيد من انفلات سعر العملات وتعميق الجراح ……!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..