بنات الأفكار، وبُنات الأفكار بين عفوية الفكرة وتجرد البحث

د. عبد الحفيظ محمد عثمان
تعد الكتابة الأداة الفكرية الأولى التي صيغت بها حضارات البشر، وهي مرآة العقل الإنساني في تجلياته المختلفة. إلا أن المحرك الأساسي لفعل الكتابة يتمايز بين مسارين ينعكسان بشكل مباشر على مصداقية المنتج الفكري وأثره في المجتمع.
المسار الأول: فكرة مسبقة تقود إلى الكتابة، والمسار الثاني: عملية كتابية واستقصائية تقود إلى توليد الأفكار.
وإذا تتبعنا أثر المسارين، نجد أن المسار الثاني -الذي يمثله البحث العلمي- هو الأكثر عمقاً ونفعاً، بينما يظل المسار الأول محفوفاً بمخاطر الانحياز والتعصب للفكرة المسبقة.
في الميزان الشرعي الإسلامي، يُنظر إلى القول والكتابة كمسؤولية أمانة تتطلب العدل والتجرد. إن الفكرة المسبقة التي تهيمن على الكاتب قبل الشروع في بحثه قد تتحول إلى “هوى متبع”، وهو ما حذر منه التشريع الإسلامي لأن الهوى يعمي البصر والبصيرة.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: «وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ».
وفي مقام تقصي الحقائق والشهادة (والكتابة شهادة فكرية)، تأتي القاعدة القرآنية العظيمة لتلزم التجرد التام:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ)
وعليه، فإن الكاتب الذي ينطلق من فكرة جاهزة ليحشد لها الأدلة يقع غالباً في إثم “عسف النصوص” وتطويع الحقائق لخدمة مراده، بينما الكاتب الاستقصائي يسير مع الدليل حيث سار، تالياً لقوله تعالى:
(قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)
فالبُرهان هو الذي يقود إلى النتيجة، وليس العكس.
أما منظومة القانون، فانها في فلسفتها وتطبيقاتها القضائية، لا تعترف بالأفكار الانطباعية المسبقة. فالقاضي أو المحقق الذي يتبنى فكرة مسبقة عن القضية قبل فحص الأدلة يقع في عيب قانوني جسيم يقدح في نزاهة الحكم.
حيث أن العدالة تنهض على قواعد إجرائية صارمة. فالنص القانوني يُفسر بناءً على دلالاته وألفاظه وسياقه التشريعي (الكتابة الموصلة للفكرة)، وليس بناءً على نية المشرع المتوهمة أو رغبة القائم على التطبيق، من قضاء ونيابة، وغيرها.
فالكاتب الذي يبحث ليولد الفكرة يشبه “القاضي العادل” الذي يستمع للخصوم ويفحص المستندات ليتشكل لديه الحكم، بينما الكاتب المنحاز لفكرته يشبه من يصدر الحكم أولاً ثم يبحث في أوراق القضية عما يبرر حكمه.
أما في الفضاء الأكاديمي، تمثل المنهجية الفارق الحدّي بين “الإنشاء الأدبي” و”البحث العلمي”. ويقوم البحث الأكاديمي الرصين على فرضيات قابلة للاختبار، وليس على قناعات مطلقة.
حيث تفرض القواعد الأكاديمية ما يُعرف بـالأمانة العلمية، والتي تتطلب من الباحث عرض الآراء المخالفة ومناقشتها وتفنيدها بذات القوة والنزاهة التي يعرض بها رأيه.
عندما تبدأ الكتابة كعملية تجميع للمادة العلمية، ومقارنة للآراء، وتحليل للوثائق، فإن العقل يتحفز لإنتاج أفكار جديدة وإيجاد حلول للمشكلات (انتاج المعرفة).
هذا المنتج الأكاديمي المتجرد هو الذي يملك صفة “الديمومة والأثر” في المجتمع، لأنه يثري المعرفة الإنسانية ويقدم حلولاً حقيقية.
ولعل خير ما يبرهن على هذا التمايز بين سطوة الفكرة المسبقة وتجرد البحث الأكاديمي، تجربة شخصية مررتُ بها في بواكير حياتي البحثية؛ حيث كُلفت بإعداد بحث حول مسألة “الغناء”.
ونظراً لأن فكرة “التحريم المطلق” كانت مسيطرة تماماً على مكونات الرأي والوعي عندي آنذاك، فقد انطلقتُ في الكتابة مدفوعاً بنية الانتصار لهذه الفكرة المسبقة.
قمتُ بحشد كافة النصوص والأدلة التي تدعم التحريم، وفي المقابل، تجاهلتُ تماماً وعن عمد النقول والآراء الفقهية التي تجيزه أو تفصّل فيه.
جاءت الصدمة، التي مثلت لي درساً عمره وعماد مسيرتي، من مشرف البحث.
فرغم علمي التام واليقيني بأن المشرف نفسه كان مقتنعاً شخصياً بتحريم الغناء ويميل إليه، إلا أن ملاحظاته على مسودتي جاءت صارمة ومتجردة؛ حيث أرشدني بحزم إلى أن الأمانة العلمية تقتضي إيراد آراء الفقهاء الذين يرون جواز الغناء ومناقشة أدلتهم بذات الموضوعية.
لقد كان هذا الموقف تجسيداً حياً لسيادة المنهج؛ حيث سما المشرف بنزاهته الأكاديمية فوق قناعته الشخصية، وعلمني أن الباحث لا يملك الحق في إخفاء نصف الحقيقة ليخدم النصف الآخر.
هذه التجربة أكدت لي أن الكتابة الحشدية الموجهة بفكرة مسبقة تعمي البصيرة وتفقد العمل مصداقيته، بينما البحث الذي يستعرض المشهد كاملاً هو الذي يبني وعياً حقيقياً وأثراً باقياً.
خلاصة القول، إن الكتابة التي تنطلق من فكرة مسبقة غالباً ما تكون محاكمة صورية تغيب فيها العدالة الفكرية بسبب عَمى التحيز والتحشيد.
أما الكتابة التي تحرض العقل على إنتاج الفكرة، فهي رحلة استكشافية تسير في ضوء القواعد الشرعية الصارمة، والنزاهة القانونية الإجرائية، والموضوعية الأكاديمية.
وبسبب هذا التجرد، تكتسب الأخيرة مصداقيتها العالية وتترك أثراً حقيقياً ومستداماً يساهم في نهضة المجتمعات وتطورها.



