
ما يجري في ولاية الجزيرة لم يعد مجرد خلاف حول إضراب المعلمين، بل أصبح مؤشراً خطيراً على الطريقة التي تُدار بها قضية التعليم. فبدلاً من معالجة جذور الأزمة بالجلوس مع المعلمين والاستجابة لمطالبهم المشروعة، اختارت السلطات طريق المواجهة وكسر الإضراب، وهو نهج لا يصنع استقراراً ولا يبني ثقة.
إن الاستعانة بعناصر من خارج المنظومة التعليمية، مثل كتيبة البراء بن مالك المعروفة بممارسة الإرهاب، لتغطية العجز الذي أحدثه الإضراب، تثير أسئلة عميقة حول مدى احترام مهنة التعليم. أما إغداق الأموال على هذه العصابة بالمليارات شهرياً، على كل مهووس، فيؤكد أن المدرسة أصبحت ميداناً للصراع والإرهاب السياسي، ومكاناً لتصفية الحسابات وإرسال رسائل العنف، لا العلم. فالتعليم لا يقوم إلا على يد معلم مؤهل، يتمتع بالاستقلال المهني والكرامة، لا على كلاش الإرهابيين الجهلاء
والأخطر من ذلك هو الزج بخطابات التعبئة الأيديولوجية، من خلال هذه العصابة المتغطرسة، داخل المؤسسات التعليمية، في وقت يحتاج فيه الطلاب إلى العلم والتفكير النقدي والانفتاح، لا إلى تحويل الفصول الدراسية إلى ساحات للاستقطاب السياسي. إن عقول التلاميذ أمانة، ولا يجوز أن تكون وقوداً لأي مشروع سياسي أو حزبي.
أما ما حدث في مدني الثانوية النموذجية بنات، فإنه يمثل صورة مؤلمة لانقسام الجسم التعليمي. ففي الوقت الذي صمد فيه آلاف المعلمين دفاعاً عن حقوقهم، اختارت إدارة المدرسة الكيزانية المضي في مسار كسر الإضراب، وهو موقف سيظل محل نقاش وتقييم من المجتمع التعليمي نفسه.
إن كرامة المعلم ليست سلعة تُباع مقابل مكاسب مؤقتة أو امتيازات محدودة. فالمعلم الذي يطالب بحقه لا يطالب لنفسه وحده، بل يدافع عن مستقبل التعليم كله، لأن تحسين أوضاع المعلمين هو استثمار في مستقبل الأجيال.
لقد أثبتت التجارب أن الحكومات التي تلجأ إلى الترهيب أو كسر الإضرابات بالقوة قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تحلها. فالمعلم لا يمكن أن يؤدي رسالته وهو يشعر بالإهانة أو التهديد أو التجاهل.
ومن المؤسف أن تتحول بعض الإدارات المدرسية إلى أدوات لتنفيذ سياسات تستهدف تفكيك وحدة المعلمين، بدلاً من أن تكون جسوراً للحوار والتفاهم. فالتاريخ لا يذكر من وقف مع السلطة في لحظة الأزمة، وإنما يذكر من وقف مع الحق والعدالة.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى حكومة ولاية الجزيرة واضحة: لن يُبنى تعليم قوي بمعلم مكسور الإرادة، ولن تنهض المدارس في بيئة يسودها الخوف والاستقطاب. والطريق الوحيد هو الحوار الجاد، واحترام حقوق المعلمين، وإبعاد المؤسسات التعليمية عن الصراعات السياسية.
ويبقى المعلم، رغم كل الضغوط، حجر الأساس في بناء الوطن. وإذا انهارت مكانته، فلن ينهض التعليم، ولن ينهض السودان.



