مقالات وآراء

تعقيب على مقال “نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة” (2)

طلعت محمد الطيب

قبل سنوات، وفي حوار مع أستاذ من جامعة أثاباسكا بغرب كندا، أكد لي أن كتاب «المجتمع ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزة كان شائعاً بين طلاب الجامعات الأمريكية والكندية. وقد دلّني ذلك على أن ماركسية ماركوزة، أحد فلاسفة مدرسة فرانكفورت، كانت من أكثر التيارات الماركسية انتشاراً في أمريكا الشمالية، لأنها قدمت نقداً جذاباً للمجتمع الصناعي المتقدم بوصفه نظاماً ينتج الاستهلاك المفرط والاغتراب والقمع غير المباشر عبر الإعلام والثقافة والمؤسسات. كما انسجمت مع أجواء الستينيات، خاصة حركات الطلاب والحقوق المدنية والاحتجاج على حرب فيتنام، وصيغت بلغة فلسفية وثقافية أقرب إلى الواقع الغربي وأبعد عن الجمود السوفييتي، فوجدت صدى واسعاً في الجامعات واليسار الجديد.

ويقدّم لويس ألتوسير بدوره قراءة بنيوية للماركسية؛ إذ يرى أن المجتمع يتكوّن من مستويات مترابطة، وأن الدولة لا تعمل بالقمع المباشر فحسب، بل أيضاً عبر ما أسماه «أجهزة الدولة الأيديولوجية» مثل المدرسة والإعلام والأسرة. لذلك ركّز على تحليل الأفكار والمؤسسات أكثر من تركيزه على الثورة المباشرة أو دور الحزب الطليعي كما في الماركسية اللينينية. ومن هنا بدت أطروحته أكثر ملاءمة للمجتمعات الغربية الحديثة، حيث تمارس الهيمنة غالباً عبر مؤسسات المجتمع وآليات إنتاج الوعي، لا عبر السيطرة العسكرية أو الحزبية المباشرة.

ويرى ألتوسير أن الإنسان لا يتحرك بحرية مطلقة، بل داخل بنى اجتماعية وأيديولوجية تشكّل وعيه وخياراته. فالحرية عنده نسبية ومحدودة وليست استقلالاً كاملاً عن التاريخ أو المجتمع. كما يرفض التصورات المبسطة للحتمية التاريخية، مؤكداً أن التغيير يحدث عبر تناقضات البنية الاجتماعية نفسها، لا عبر إرادة فردية خالصة.

وتبدو هذه الملاحظة مهمة لإضاءة مقال الأخ الدكتور عبد المنعم مختار، لأن الحزب الشيوعي السوداني، شأنه شأن معظم الأحزاب الشيوعية التي نشأت في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، تبنى النسخة الماركسية اللينينية بوصفها مرجعيته الفكرية والتنظيمية. وربما ارتبط انتشار هذه الصيغة بطبيعة البنى الاجتماعية الأبوية والوصائية السائدة في مجتمعاتنا، حيث لم تكن الحريات الفردية تمثل محوراً مركزياً في النقاش السياسي والثقافي، الأمر الذي جعل فكرة المركزية الحزبية تجد قبولاً واسعاً.

غير أن الحزب الشيوعي السوداني كثيراً ما يتحدث عن «الماركسية» وكأنها منظومة فكرية واحدة متجانسة، بينما تكشف التجربة الفكرية الغربية عن تعدد واضح داخل التراث الماركسي نفسه. فهناك ماركسية ألتوسير البنيوية، وماركسية مدرسة فرانكفورت ذات النزعة النقدية والثقافية، والماركسية التحليلية، وغيرها من الاتجاهات المختلفة. ومن هذه الزاوية يمكن تشبيه الماركسية بالتعدد الموجود داخل التراث الإسلامي، حيث توجد مدارس واتجاهات متعددة تتنافس على تقديم التأويل الصحيح للنصوص والأفكار المؤسسة. لذلك فإن ادعاء تمثيل «الماركسية الصحيحة» لا يختلف كثيراً، من حيث البنية الفكرية، عن ادعاء بعض التيارات الدينية احتكار الفهم الصحيح للدين.

وتتجلى نزعة الحتمية التاريخية في بعض الخطابات الشيوعية التقليدية من خلال عبارات مثل: «القطر ماشي، ومن ينزل منه يتخلف عن محطته الأخيرة». فمثل هذه اللغة تفترض معرفة مسبقة باتجاه التاريخ ومآله النهائي، وكأن مسار التطور الإنساني يسير وفق قانون ثابت لا يقبل الانحراف أو المفاجأة. وفي الوقت نفسه يُنسب نجاح الديمقراطيات الاجتماعية وحركات اليسار في الغرب إلى الماركسية وإنجازاتها، رغم أن كثيراً من هذه التجارب تطور خارج الأطر الماركسية الكلاسيكية.

ومن زاوية إبستمولوجية، يبرز سؤال مهم يتعلق بمفهوم الجدل أو الديالكتيك. فقد نشأ الجدل في اليونان القديمة بوصفه أسلوباً للحوار والمحاججة بين أطروحات متعارضة حول قضايا الأخلاق والسياسة والطبيعة والمعرفة. وفي بعض الأحيان يؤدي هذا الحوار إلى فهم جديد يجمع عناصر من المواقف المتناقضة فيما يعرف بالتركيب.

غير أن هيجل حوّل الجدل من مجرد منهج للحوار إلى قانون شامل يحكم حركة الفكر والتاريخ. فالتناقض عنده ليس مجرد أداة للفهم، بل هو المحرك الأساسي لتطور الوعي الإنساني نحو معرفة أرقى، إلى أن يبلغ التاريخ ذروته في الوعي المطلق. وهنا يبدو التاريخ وكأنه يسير وفق منطق داخلي نحو الكمال الروحي.

وقد احتفظ ماركس بالبنية الجدلية الهيجلية، لكنه استبدل الروح بالمادة. فبدلاً من أن يكون التاريخ حركة نحو الوعي المطلق، أصبح حركة نحو التحرر من الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولذلك يمكن النظر إلى الماركسية بوصفها نوعاً من «المثالية المقلوبة»: فهي ترفض مثالية هيجل الروحية، لكنها تحتفظ بفكرة وجود اتجاه تاريخي شامل يقود البشرية نحو غاية نهائية. ولهذا السبب يرى بعض النقاد أن المادية التاريخية ليست بعيدة تماماً عن التصورات الغائية التي أراد ماركس تجاوزها.

وكان ماركس في شبابه متأثراً بعمق بالفلسفة الهيجلية، كما كان هيجل نفسه يعدّ مشروعه امتداداً لفلسفة كانط. غير أن كانط وضع حدوداً صارمة للمعرفة الإنسانية. فهو يرى أننا لا ندرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا من خلال الحواس ثم يعيد العقل تنظيمها وفق مقولات أساسية مثل الزمان والمكان والسببية والكم والكيف.

وبعبارة أخرى، فإن الزمان والمكان ليسا خصائص للأشياء ذاتها، بل هما من الشروط التي ينظم بها العقل البشري خبرته بالعالم. أما «الشيء في ذاته» فلا يمكن معرفته مباشرة، لا لأنه غير موجود، بل لأنه يقع خارج شروط الإدراك الإنساني. ولهذا عُرفت فلسفة كانط باسم «المثالية الترنسندنتالية» أو «المثالية المتعالية».

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الجدل الهيجلي بوصفه محاولة لتجاوز الحدود المعرفية التي رسمها كانط. فحين يدّعي هيجل أن التاريخ يتقدم وفق منطق عقلي نحو الحقيقة المطلقة، فإنه يتجاوز ما اعتبره كانط حدوداً لا تستطيع المعرفة الإنسانية عبورها. لذلك يرى بعض النقاد أن الديالكتيك الهيجلي، ومن بعده الماركسي، ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية يصعب البرهنة عليها.

فالجدل لا ينتهي دائماً إلى معرفة أرقى أو إلى تركيب أكثر تقدماً؛ إذ قد تنتهي الصراعات الفكرية أو الاجتماعية إلى هيمنة طرف على آخر دون أن يكون ذلك انتصاراً للحقيقة. كما أن التاريخ الطبيعي نفسه لا يقدم صورة متصلة للتقدم؛ فالحفريات وعلم الأحياء يكشفان عن أنواع وسلالات عديدة توقفت عن التطور ثم انقرضت. ولذلك يبقى الافتراض بأن التاريخ الإنساني يتحرك بالضرورة نحو غاية نهائية أو نحو شكل أعلى من التنظيم الاجتماعي فرضية فلسفية أكثر منه حقيقة علمية قابلة للإثبات.

طلعت محمد الطيب

تعليق واحد

  1. مقال اعتبره فيه نقد واعي للجدل والماركسية
    ولكن استوقفتني العبارة التالية:
    “اعتبره كانط حدوداً لا تستطيع المعرفة الإنسانية عبورها. لذلك يرى بعض النقاد أن الديالكتيك الهيجلي، ومن بعده الماركسي، ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية يصعب البرهنة عليها.”
    فأيهما اقرب للميتافيزقيا والفكر الديني : من يعتبر ان هنالك حدود للمعرفة البشرية لا تستطيع ان تتعداه وبين الآخر الذي يعتبر ان الفكر الانساني لا تقيده اي قيود أو حدود ويمكن ان يعبر من مرحلة الى اخرى في مجرى تاريخه.
    وثانيا هل يمكننا ايضا البرهنة على ان للعقل حدود لا يستطيع ان يتخطاها؟ وكيف يمكننا ان ان نعين هذه الحدود خصوصا في زمننا هذه الذي باتت فيه المعرفة و بفعل علوم الحاسوب وغيرها التي اتاحت للبشرية امكانية لا حدود لها للمعرفة وايضا بسرعات هائلة غير مسبوقة في التاريخ البشري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..