السودان: من “فخ إدارة الأزمة” إلى “استحقاق التأسيس الوطني”

محمد صالح محمد
في اللحظة الراهنة يقف السودان على حافة اختبار تاريخي لا يتوقف عند حدود إنهاء العمليات العسكرية، بل يمتد ليشمل “شرعية البقاء” كدولة وطنية حديثة.
إن سبعة عقود من الاستقلال اتسمت بالانقطاع المؤسسي المزمن، وضعت البلاد في أتون ما يمكن وصفه بـ”الدولة المؤجلة”؛ حيث أصبحت الأزمات ليست عوارض عابرة، بل هي المظلة التي تُدار من خلالها شؤون البلاد، وتحولت التسويات السياسية إلى ترحيلٍ قسري لاستحقاقات المستقبل.
لقد كشفت الحرب الراهنة هشاشة البنية السياسية التي قامت على “اقتصاديات الأزمة”، حيث باتت حالة التمزق الوطني والتشظي السياسي بيئةً خصبة لشبكات النفوذ، وأداةً لتعطيل تراكم التقاليد الإدارية.
إن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها النخب السودانية ليست في تباين الرؤى فحسب، بل في تغليب منطق “السيطرة على السلطة” بوصفها غنيمة، على منطق “بناء الدولة” بوصفها غايةً وطنيةً عليا.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال إلى فلسفة التأسيس.
إن مبادرة “تكوين” – كحراك وطني – لا تطرح نفسها كلاعبٍ إضافي في حلبة الاستقطاب، بل كمظلة استراتيجية تسعى لتحويل “الاصطفاف الدفاعي” الذي أفرزته الحرب إلى “مشروع وطني” يمتلك رؤيةً للمستقبل.
إنها دعوةٌ لإنهاء عصر “المستقبل المؤجل”، عبر جملة من المرتكزات الحاكمة:
أولاً: استعادة الاعتبار للمؤسسة
لا يمكن لأي نظام حكم أن ينجو بالدولة إذا بقيت المؤسسات مجرد امتدادٍ للسلطة السياسية.
إن “تكوين” تنطلق من مبدأ الحياد المؤسسي، حيث تُبنى الدولة على قواعد ناظمة تحمي الذاكرة الوطنية من التفكيك الدوري مع كل دورة سياسية.
ثانياً: التوافق على “المشتركات الكبرى”
إن عجز النخب عن صياغة عقد اجتماعي يحدد الثوابت، هو الذي فتح الأبواب للوصايات الخارجية والإملاءات العابرة للحدود.
إننا بحاجة إلى ميثاق وطني استراتيجي يضع “سيادة الدولة” و”وحدة الأرض” و”المواطنة المتساوية” فوق أي أجندة حزبية أو أيديولوجية، وهو ما يمثل جوهر الحوار السوداني-السوداني الذي تنادي به المبادرة.
ثالثاً: التحول من “إدارة الأزمة” إلى “هندسة المستقبل”
إن الأمم لا تنهض بالتسويات الموسمية، بل بالتخطيط طويل النفس.
إن الرؤية الاستراتيجية التي تطرحها “تكوين” تستهدف استنهاض الكفاءات والخبرات السودانية، لا لخوض معارك التخوين، بل لإنتاج سياسات عامة تعالج ملفات التعافي الاقتصادي والعدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي.
إن السودان اليوم يمر بمرحلة فرزٍ حاسمة.
فإما أن نظل أسرى لثقافة “الكنكشة” السياسية والولاءات الضيقة، أو أن ننتقل إلى مرحلة “الدولة الوطنية الممكنة”.
إن التحدي الحقيقي ليس في إنهاء الحرب فحسب، بل في امتلاك الإرادة لإنهاء حقبة “تأجيل الوطن”.
إن “تكوين” ليست مشروعاً للنخبة، بل هي دعوة مفتوحة لكل سوداني يؤمن بأن “الوطن غاية لا غنيمة”.
هي محاولة جادة لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية لتكون الدولة هي الملاذ، والقانون هو الحكم، والمستقبل هو الهدف الذي لا يقبل التأجيل.
إنها لحظة الحقيقة؛ فإما أن نتكامل لنبني، أو نتفرق لنفنى.



