مقالات وآراء

مقترح مفصل لإجراءات العدالة الانتقالية في السودان ما بعد الحرب

رؤية متكاملة تستند إلى الإرث المحلي والدروس الأفريقية المقارنة

د. علي عبدالله الخليفة طه

تقديم: الأساس الفلسفي للمقترح

يستند هذا المقترح إلى فهم عميق لخصوصية السودان، باعتباره بلداً ذا تنوع ثقافي وعرقي كبير، ويعاني من نزاعات متعددة الطبقات. لذلك، فإن أي عملية عدالة انتقالية ناجحة يجب أن تكون “سودانية خالصة”، أي مستمدة من القيم المحلية وآليات حل النزاعات التقليدية، وفي نفس الوقت مستوعبة للمعايير الدولية ومستفيدة من تجارب دول أفريقية مشابهة، خاصة جنوب أفريقيا ورواندا.

الرؤية: بناء سلام دائم ومستدام عبر عملية عدالة انتقالية شاملة تعترف بمعاناة الضحايا، وتحاسب مرتكبي الجرائم الكبرى، وتصلح المؤسسات التي فشلت في حماية المواطنين، وتعزز المصالحة الوطنية الحقيقية.

المبادئ الحاكمة:

1. الملكية الوطنية: العملية يقودها السودانيون أنفسهم، بمشاركة فاعلة من الضحايا والمجتمعات المحلية.
2. التكامل وليس الاستبدال: الآليات التقليدية (“الجودية”) لا تلغي القضاء الرسمي، بل تعمل معه في إطار متكامل.
3. التركيز على الضحايا: جعل احتياجات وتطلعات الضحايا في صميم كل إجراء.
4. عدم الإفلات من العقاب: مع إتاحة مجال للعدالة التصالحية في الجرائم الأقل خطورة.
5. معالجة الجذور: تجاوز معالجة الأعراض إلى معالجة الأسباب الهيكلية للصراع (الظلم الاقتصادي، التهميش، ضعف المؤسسات).

أولاً: الهيكل المؤسسي المقترح للعدالة الانتقالية

لضمان الفاعلية والتكامل، نقترح هيكلاً مؤسسياً من ثلاث دوائر تعمل بشكل متوازي ومتوالي

ثانياً: الدوائر الثلاث: الآليات والإجراءات بالتفصيل

1. الدائرة المحلية: مجالس “الجودية” للإصلاح والمصالحة المجتمعية

· الهدف: معالجة النزاعات المجتمعية، وجرائم الملكية، والانتهاكات الفردية محدودة الخطورة، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي على المستوى القاعدي.

الإجراءات:

· التأسيس: تشكيل مجلس “جودية” في كل قرية أو حي أو مجتمع محلي، يتكون من:
· قادة تقليديين (من مختلف الأجيال، مع ضمان تمثيل الشباب).
· نساء بنسبة لا تقل عن 30%، يتم اختيارهن من القيادات النسائية في المجتمع.
· ممثلين عن الفئات المهمشة (نازحين، رعاة، مزارعين).
· التدريب والتأهيل: تنظيم دورات مكثفة لأعضاء المجالس تشمل:
· حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
· مهارات الاستماع والتعامل مع الصدمات النفسية.
· قواعد عدم التمييز وضمان محاكمة عادلة داخل الإطار التقليدي.
· آليات توثيق الجلسات والقرارات.

الاختصاصات:

· النزاعات على الموارد الطبيعية (الأرض، الماء، المراعي).
· جرائم السرقة والاعتداءات البسيطة.
· النزاعات الأسرية والمجتمعية الناتجة عن الحرب.
· قضايا العودة الطوعية واستعادة الممتلكات.
· الضوابط والرقابة:
· قرارات المجلس قابلة للاستئناف أمام محكمة محلية رسمية خلال 30 يوماً.
· ترفع المجالس تقارير دورية إلى مجلس القيادة حول نشاطها.
· لا يحق للمجالس النظر في الجرائم الكبرى (جرائم الحرب، الإبادة، الاغتصاب، التعذيب) ويجب إحالتها فوراً إلى الدائرة القضائية.

2. الدائرة الوطنية: هيئة الحقيقة والإنصاف

· الهدف: توثيق الانتهاكات الجسيمة التي حدثت منذ اندلاع الحرب، ورسم صورة كلية وشاملة لما حدث، وكشف مصير المفقودين، وتقديم توصيات للإصلاح ومنع التكرار.

الإجراءات:

· التشكيل: يتم تشكيل الهيئة بقانون من المجلس التشريعي الانتقالي، على أن تتكون من شخصيات وطنية معروفة بالنزاهة والكفاءة، مع تمثيل جغرافي وعرقي ونوعي عادل.

· الصلاحيات:

· سلطة الاستدعاء وجمع الوثائق والأدلة.
· تنظيم جلسات استماع علنية وسرية للضحايا والشهود والجناة (الذين يطلبون العفو).
· زيارة المواقع والمناطق المتضررة.
· إصدار تقارير مرحلية ونهائية.
· آلية العفو المشروط: استلهاماً من تجربة جنوب أفريقيا، تقدم الهيئة آلية للعفو الفردي المشروط، حيث يمكن لمن يعترف اعترافاً كاملاً بجرائمه (باستثناء مرتكبي الجرائم الكبرى) ويظهر ندمه، أن يحصل على عفو يحد من الملاحقة الجنائية، مقابل كشف الحقيقة كاملة.
· التركيز على المفقودين: إنشاء مكتب متخصص داخل الهيئة للبحث عن المفقودين، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات المجتمع المدني، وجمع البيانات الجينية من عائلاتهم.
· التوثيق الشامل: توثيق ليس فقط جرائم القتل والتعذيب، بل أيضاً جرائم التهجير القسري، تدمير القرى، تجنيد الأطفال، والعنف الجنسي.

3. الدائرة القضائية: غرفة الجرائم الكبرى

· الهدف: محاكمة كبار المسؤولين عن أخطر الجرائم (جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية) لتحقيق الردع وإرساء مبدأ المساءلة.
· الإجراءات:
· التأسيس: إنشاء غرفة خاصة داخل الجهاز القضائي السوداني، تتمتع باستقلالية كاملة، وتتكون من قضاة سودانيين من ذوي الخبرة، مع إمكانية الاستعانة بقضاة دوليين أو أفارقة كخبراء استشاريين لتعزيز الثقة في الحياد.
· القانون الواجب التطبيق: القانون الجنائي السوداني المعدل بما يتوافق مع القانون الدولي، والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من السودان.
· الاختصاص:
· كل من يُعتقد أنه صدر أوامر بارتكاب جرائم كبرى.
· القيادات العسكرية والميدانية المتورطة بشكل مباشر في جرائم منهجية.
· القضايا المحالة من هيئة الحقيقة والتي تثبت تورط أشخاص في جرائم لا يشملها العفو.
· الضمانات: تلتزم الغرفة بأعلى معايير المحاكمة العادلة، بما في ذلك حق المتهم في محامٍ، وتوفير مترجمين، وحق الاستئناف.

ثالثاً: آليات داعمة ومتكاملة

1. وحدة التعويضات وإعادة الإعمار

· الهدف: جبر ضرر الضحايا بشكل مادي ومعنوي.
· الإجراءات:
· التعويضات المادية: صرف دفعات مالية للضحايا المباشرين (الجرحى، أسر القتلى، المفقودين)، بناءً على قاعدة بيانات موحدة من هيئة الحقيقة والمجالس المحلية.
· التعويضات العينية: توفير الرعاية الصحية المجانية للجرحى، وبرامج الدعم النفسي، ومنح دراسية لأطفال الضحايا.
· التعويضات الجماعية: إعادة بناء القرى والبنية التحتية المدمرة، وتوفير الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر تضرراً.
· التعويضات الرمزية: إنشاء نصب تذكارية، وتخصيص يوم وطني لذكرى الضحايا، وإصدار طوابع بريدية وكتب توثق معاناتهم.

2. مفوضية إصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار

· الهدف: معالجة الأسباب الهيكلية للصراع ومنع عودة الحرب.
· الإجراءات:
· الإصلاح الأمني (الأولوية القصوى):
· حل المليشيات المسلحة وتسريح مقاتليها وإعادة دمجهم.
· إعادة هيكلة الجيش وقوات الدعم السريع لتصبح جيشاً وطنياً مهنياً واحداً، يعكس تنوع السودان، وتخليصه من العناصر المتورطة في انتهاكات جسيمة.
· إنشاء آلية رقابة مدنية على المؤسسات الأمنية.
· الإصلاح القضائي:
· تطهير القضاء من العناصر الفاسدة أو المتواطئة مع الانتهاكات.
· بناء قدرات القضاة وأعضاء النيابة في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان.
· ضمان استقلالية القضاء المالية والإدارية.
· الإصلاح الدستوري والقانوني:
· مراجعة القوانين التي تميز ضد فئات معينة أو تكرس الظلم.
· إقرار وثيقة دستورية جديدة تضمن التداول السلمي للسلطة وتحقق العدالة في توزيع الثروة والسلطة.

رابعاً: الجدول الزمني المقترح (مراحل التنفيذ)

المرحلة المدة الأنشطة الرئيسية
المرحلة الأولى: التمهيدية (الإعداد) 6 أشهر – إصدار قانون العدالة الانتقالية. – تشكيل مجلس القيادة للعدالة الانتقالية. – إجراء مشاورات مجتمعية موسعة في كل الولايات. – تدريب وتأهيل قادة “الجودية” وأعضاء الهيئات المستقبلية.
المرحلة الثانية: البناء والتشغيل (الانطلاق) 12-18 شهراً – تفعيل مجالس “الجودية” المحلية. – تشكيل هيئة الحقيقة والإنصاف وبدء جلسات الاستماع. – إنشاء غرفة الجرائم الكبرى وبدء التحقيقات. – بدء عملية جمع البيانات للمفقودين والتعويضات.
المرحلة الثالثة: التنفيذ والمحاسبة (الذروة) 2-3 سنوات – استمرار جلسات هيئة الحقيقة وإصدار تقارير مرحلية. – بدء المحاكمات الكبرى. – صرف الدفعة الأولى من التعويضات. – بدء عملية الإصلاح الأمني والمؤسسي بشكل جاد.
المرحلة الرابعة: التقييم والترسيخ (الاستدامة) مستمر – إصدار التقرير النهائي لهيئة الحقيقة مع التوصيات. – تقييم أداء مجالس “الجودية” وتطويرها. – متابعة تنفيذ توصيات الإصلاح المؤسسي. – تحويل آليات العدالة الانتقالية الناجحة إلى مؤسسات دائمة.

خامساً: التحديات المتوقعة وكيفية مواجهتها

1. تحدي الإرادة السياسية: قد يعرقل النخب السياسية والعسكرية المستقفيدة من استمرار الفوضى العملية.
· الحل: بناء ضغط شعبي ومجتمع مدني قوي، واستغلال آليات الضغط الدولي (العدالة الدولية، العقوبات) لدعم المسار الداخلي، وجعل العدالة الانتقالية شرطاً لأي مساعدات أو اعتراف دولي.
2. تحدي الموارد: عملية بهذا الحجم تحتاج تمويلاً ضخماً.
· الحل: إنشاء صندوق وطني للعدالة الانتقالية، والاستفادة من الأصول المصادرة من النظام السابق، وتقديم طلبات تمويل للمانحين الدوليين (الأمم المتحدة، منظمة الوحدة الافريقية، الاتحاد الأوروبي)، مع اشتراط الشفافية في إدارة الأموال.
3. تحدي انعدام الثقة: المجتمعات المنكوبة قد لا تثق في أي عملية ترعاها سلطة مركزية.
· الحل: البدء بالمجالس المحلية (“الجودية”) لأنها الأقرب للناس، وضمان تمثيل الضحايا في كل الهياكل، والإعلان عن إنجازات سريعة وملموسة (مثل العثور على أول مفقود، أو صرف أول تعويض) لبناء الثقة تدريجياً.
4. تحدي التوتر بين العدالة والمصالحة: الضحايا يريدون القصاص، والمجتمع بحاجة للمصالحة.
· الحل: التمايز الواضح بين الجرائم (الكبرى تُحاكم، والصغرى تُصلح)، وتقديم التعويضات كشكل من أشكال العدالة حتى لمن لا يرون الجناة يحاكمون، والتأكيد على أن المصالحة الحقيقية لا تعني النسيان بل تعني مواجهة الماضي وبناء مستقبل مشترك.

خلاصة: دعوة إلى العمل

هذا المقترح يمثل خارطة طريق طموحة ولكنها قابلة للتحقيق. إنها دعوة للسودانيين جميعاً – حكومة، مجتمع مدني، مقاومة، نخب، وضحايا – للالتفاف حول رؤية وطنية للعدالة تنتشل البلاد من دوامة العنف وتؤسس لدولة المواطنة المتساوية والسلام الدائم. الطريق طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد لضمان ألا يظل السودان أسيراً لماضيه، وأن ينعم أجياله القادمة بمستقبل يليق بتضحيات من سبقوهم.

‫2 تعليقات

  1. 1. تحدي الإرادة السياسية: قد يعرقل النخب السياسية والعسكرية المستقفيدة من استمرار الفوضى العملية.
    · الحل: بناء ضغط شعبي ومجتمع مدني قوي، واستغلال آليات الضغط الدولي (العدالة الدولية، العقوبات) لدعم المسار الداخلي، وجعل العدالة الانتقالية شرطاً لأي مساعدات أو اعتراف دولي.
    شكرا يا دكتور على هذا المقال الهام ولكن هذا هو مربط الفرس يا دكتور: الإرادة السياسية. كل ما ذُكر صحيح على الورق، لكنه يكاد يكون مستحيلًا في الواقع السوداني. فكيف نتحدث عن ضغط شعبي بينما المجتمع المدني هش وممزق، والنخب تسيطر على المجال العام، والولاءات القبلية والحزبية تتقدم على مفهوم الدولة؟ وكيف نراهن على وعي جماهيري قادر على فرض الإصلاح، بينما عقود من الاستبداد والحروب أفرغت السياسة من مضمونها وحولت قطاعات واسعة من المجتمع إلى مجرد جمهور يسهل استقطابه بالشعارات والانفعالات؟

    والأكثر دلالة أن السودانيين في المهجر، رغم ما يتمتعون به من حرية وتعليم وبيئة ديمقراطية، لم ينجحوا في تجاوز الانقسامات التي حملوها معهم من الداخل، بل أعادوا إنتاجها في كثير من الأحيان. فإذا كانت البيئة الأكثر ملاءمة لم تُنتج نموذجًا مختلفًا، فمن أين سيأتي هذا الضغط الشعبي المنظم داخل السودان؟

    لذلك فإن الحديث عن الإرادة السياسية، في ظل هذا الواقع، يبدو أقرب إلى الأمنية منه إلى المشروع القابل للتنفيذ. فالإرادة السياسية لا تنشأ في الفراغ، بل تحتاج إلى مجتمع قادر على فرضها ومؤسسات تحميها، وهذان الشرطان يكادان يكونان غائبين اليوم.

    1. اشكرك اخي ناصر علي هذه القراءة المتأنية والتأمل فيما يمكن عمله والمأمول محاولاتي عبارة عن تفكير خارج الصندوق المأزوم الذي اتمني ان تحدث المعجزة ويستيقظ ساكنوه ليعملوا معا لانقاذه من المآلات الكارثية التي تبدو ماثلة للعيان ولكنها غائبة تماما عن الوعي الجمعي المبذول علي الوسائط والذي يظل في غالبه اسيرا للتناخر والاستقطاب واليأس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..