أخبار السودان

فنان ليبي يستنطق ذاكرة الحروف العربية بوسائل رقمية معاصرة

شادي زريبي

يمزج الفنان الليبي عزيز الفنادي بين الريشة والوسائل الرقمية لاستنطاق الطاقات الكامنة في الحروف العربية، التي ما انفكت تفتح نوافذ مشرعة بين الأزمنة والأمكنة والعوالم. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنان حول عوالمه تلك وسر المزيج الفني الذي أتقنه رغم أنه ليس من خريجي كليّات الفنون.

عزيز الفنادي فنان استثنائي في تأملاته ونظرته إلى الفن التشكيلي. يحاول أن يصنع لنفسه عالما خاصا به يحوّل فيه الحروف العربية إلى لوحات تعبيرية تشع بالألوان كي تدرك عمق الجمال الناطق بالتعاريج والانحناءات واللمسات السحرية المعبرة عن نظرة فريدة من نوعها للإحساس بتأثير الحرف على النفس.

الفنان التشكيلي الليبي يدرك جيّدا تجليات الحروف في معانيها القريبة والبعيدة، بينما يمزج بين اللوحة والعالم الرقمي المعاصر في توليفة عميقة الرؤى تدخل في إطار دمج الظاهر بالباطن وتعكس روح التمرد على السائد. إنها القدرة الحقيقية على الخلق والإبداع في المزج والتركيب والتطوير ومسايرة عصر التحولات. تجذبك لوحاته إلى أعماق الإحساس بسطوة الحرف وتجلياتها في حالة من الدهشة والذوبان في التفاصيل والألوان.

خبايا الحرف العربي
عزيز الفنادي فنان تشكيلي عصامي، كما يقول عن نفسه لـ”العرب”، ويجد في الحرف العربي فضاءً بصريا واسعا للتعبير والإبداع. وقد اشتغل لسنوات على تطوير تجربته في مجال الحروفيات التشكيلية الرقمية، باحثا عن لغة فنية تجمع بين أصالة التراث العربي وروح الفن المعاصر، مؤمنا بأن الفن رسالة إنسانية وجمالية تتجاوز الحدود واللغات.

عزيز الفنادي: يجب إنشاء منصات فنيّة رقمية عربية متخصصة وتعزيز التبادل الثقافي بين الدول العربية
عزيز الفنادي: يجب إنشاء منصات فنيّة رقمية عربية متخصصة وتعزيز التبادل الثقافي بين الدول العربية
ورغم أنه يعتبر نفسه عصاميا فهذا لا يلغي اهتمامه البالغ بالتكوين الأكاديمي، ويرى أنه يمنح الفنان أدوات معرفية وتقنية مهمة. لكن الإبداع في رأيه لا يرتبط بالشهادة وحدها، فهناك فنانون عصاميون استطاعوا أن يحققوا حضورا مميزا بفضل الاجتهاد والبحث المستمر وتطوير الذات.

عن مرجعياته الجمالية والعوامل التي ساهمت في تكوين شخصيته الفنية يقول “تكوّنت شخصيتي الفنية من خلال شغفي المبكر بالفنون البصرية والخط العربي، إلى جانب الاطلاع المستمر على التجارب الفنية العربية والعالمية. كما كان للقراءة، والتأمل في التراث الإسلامي والعربي، ومتابعة التحولات التي يشهدها الفن الرقمي، دور أساسي في بناء رؤيتي الخاصة”.

وإن كان بعضهم يرى أن الفن التشكيلي الليبي يكاد يكون غائباً عن الساحة العربية، فإن الفنادي لا يعتقد أن الفن التشكيلي الليبي غائب بقدر ما هو قليل الحضور إعلاميا ومؤسساتيا، مشددا على أن هناك فنانين ليبيين مبدعين يمتلكون تجارب مهمة، لكنهم يحتاجون إلى المزيد من الدعم والتوثيق والفرص للمشاركة في التظاهرات العربية والدولية، إضافة إلى الاستفادة من المنصات الرقمية للتعريف بإنتاجهم.

تجمع لوحات عزيز الفنادي بين الخط العربي كتراث عريق وتقنيات الفن المعاصر، تسأله “العرب” كيف تعامل مع المكونين؟ ليجيبنا “لم أتعامل مع الخط العربي كعنصر زخرفي فقط، بل كطاقة بصرية وروحية قابلة للتجدد. ومن خلال الوسائط الرقمية استطعت أن أفتح للحرف آفاقاً جديدة من الحركة والتكوين واللون، فكان الناتج أعمالاً تحاول الجمع بين الذاكرة الثقافية العربية والحس الجمالي المعاصر”.

تظهر الحروف في لوحاته بشكل متداخل ومجرد وكأنّها تتحرر من وظيفتها اللغوية، يفسّر الفنان ذلك بأن الحرف بالنسبة إليه ليس مجرد وعاء للمعنى اللغوي، بل كيان بصري مستقل يمتلك إيقاعه وشخصيته. لذلك يسمح له في أعماله بأن يتحرر من القراءة التقليدية ليصبح شكلاً فنيا يثير التأمل ويخلق لدى المتلقي قراءات متعددة.

ويضيف “الحرف العربي يحمل ذاكرة حضارية عميقة، لكنه في الوقت نفسه يمتلك مرونة كبيرة تسمح له بالتجدد. لذلك أراه جسرا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الفنان فرصة للتعبير عن هويته الثقافية بلغة بصرية معاصرة”.

أما إن كان اختياره لهذا النوع من الفن حبا في الخط العربي أم تأصيلا للهوية أم تخليدا للحرف، فيرى الفنادي أنه مزيج من كل ذلك، متابعا “أحببت الحرف العربي منذ بداياتي، ورأيت فيه رمزا للهوية والجمال، وأحاول من خلال أعمالي أن أؤكد حضوره في الفن المعاصر وأن أفتح له مجالات جديدة للتعبير”.

الفن والعالم الرقمي
الحرف بالنسبة إلى الفنادي ليس مجرد وعاء للمعنى اللغوي، بل كيان بصري مستقل يمتلك إيقاعه وشخصيته

لكل فنان حالات وظروف تقوده إلى إمساك ريشته لكن الفنادي يقرّ بأن اللوحة عادة ما تولد من حالة تأمل أو انفعال داخلي، مؤكدا أنه يحتاج إلى صفاء ذهني وانسجام مع الفكرة التي يرغب في التعبير عنها. فالحالة النفسية للفنان تؤثر في اختياراته اللونية والتكوينية، وتنعكس بشكل مباشر على روح العمل الفني.

وحول نجاح الفن التشكيلي العربي في تصوير هموم الواقع يقول “الفن التشكيلي العربي قدّم رؤى متعددة للواقع العربي، من القضايا الاجتماعية والإنسانية إلى الأسئلة المرتبطة بالهوية والتحولات الثقافية. لكنه يظل مشروعا مفتوحا يتجدد مع تغير الظروف والتحديات”.

لكن الفن، كما يقول، ليس نقلاً حرفيا للواقع، بل إعادة صياغة له من خلال رؤية الفنان وخبرته الذاتية. فاللوحة قد تنطلق من الواقع، لكنها تتجاوزه لتطرح أسئلة أو مشاعر أو رؤى جديدة.

تسأله “العرب” عن العراقيل التي تمنع انتشار الفن التشكيلي العربي عالميا ليشدد على أن أبرزها ضعف الترويج الثقافي، وقلة المؤسسات الداعمة، ومحدودية المشاركة في المحافل الدولية الكبرى. كما أن الكثير من التجارب العربية المتميزة لا تجد التوثيق الكافي الذي يسمح بوصولها إلى جمهور عالمي.

خبايا الحرف العربي: بين تجليات التراث ومرونة المعاصرة
خبايا الحرف العربي: بين تجليات التراث ومرونة المعاصرة
ويرى البعض أن المعارض المشتركة وسيلة هامة لخلق حركية فنية، وهذا ما يوافق عليه الفنادي مبيّنا أن هذه التظاهرات تخلق فضاءً للحوار والتفاعل بين الفنانين والجمهور، وتسمح بتبادل الخبرات والتجارب. وهي أيضا فرصة للتعريف بالفنانين وإبراز تنوع المشهد التشكيلي العربي. وفي أغلب الأحيان تحقق جزءا مهما من أهدافها الثقافية والفنية.

ويتابع “إلى جانب المعارض المشتركة أرى أهمية إنشاء منصات رقمية عربية متخصصة، وتعزيز التبادل الثقافي بين الدول العربية، ودعم الفنانين الشباب، وتوثيق التجارب الفنية، وتشجيع المشاركة في المعارض والبيناليات الدولية”.

تسأله “العرب”: ما الفرق الجوهري بين الفن التشكيلي التقليدي والفن الرقمي؟ فيجيبنا “يكمن الفرق أساسا في الأدوات والوسائط المستخدمة؛ فالفن التقليدي يعتمد على الخامات المادية كالألوان والقماش والورق، بينما يعتمد الفن الرقمي على الكومبيوتر والبرامج الرقمية. أما من حيث الإبداع والرؤية الفنية، فكلاهما يستندان إلى الفكرة والموهبة والقدرة على التعبير”.

ويرى الفنادي أن الفن الرقمي هو امتداد طبيعي للفن التقليدي، إذ يستند إلى المبادئ الفنية نفسها من تكوين ولون وإيقاع وتوازن، لكنه يضيف إمكانات تقنية جديدة توسع آفاق التعبير والإبداع.

ويضيف “التكنولوجيا منحت الفنان أدوات أكثر مرونة وسرعة في الإنجاز والتجريب، وفتحت مجالات جديدة للتفاعل مع الجمهور، كما ساهمت في دمج الفنون المختلفة داخل العمل الفني الواحد”.

وفي رأيه أن القيمة الفنية لا تحددها الأداة بل الفكرة والرسالة والجانب الجمالي للعمل. فالعمل الرقمي المبدع يمكن أن يكون بنفس قيمة العمل التقليدي إذا امتلك الأصالة والتميز. كما أن الفنان مطالب بتعلم البرامج والتقنيات الحديثة، والتأقلم مع بيئة العمل الرقمية، والمحافظة على الهوية الفنية الخاصة وسط كثرة المؤثرات البصرية المتاحة.

الفن الرقمي، وفق تعبيره، يتيح إمكانيات واسعة للتجريب والتعديل والتطوير، كما يسمح بإنجاز أفكار قد يصعب تنفيذها بالوسائل التقليدية.

ويعتبر أن المنصات الرقمية ساهمت في انتشار الفن عالميا وبسرعة كبيرة، لكنها لا تلغي، في اعتقاده، أهمية المعارض التقليدية التي تتيح التواصل المباشر مع الأعمال والجمهور.

العرب

تعليق واحد

  1. الليبيون الأراذل يهينون الشعب السوداني . عليكم يا محرري الراكوبة احترام مشاعر بنات و أبناء الشعب السوداني بعدم نشر أي شيء يجيء من ليبيا . فهو عندنا في مقام الإزدراء . لعنة الله علي هذا الشعب الجاهل المنكود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..