
كان صباح التخرج مشمساً بشكل مؤذٍ. وقفنا نحن دفعة الزراعة في ساحة الكلية، نرتدي أرديتنا السوداء وقبعاتنا المربعة، وكنا نظن أن القبعات تمنحنا حقاً في الحياة. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة: فور انتهاء الحفل، تهافت الجميع على أبواب الوزارات والشركات، ثم عدنا إلى بيوتنا ننتظر اتصالاً قد لا يأتي أبداً.
يوسف كان الأكثر هشاشة بيننا. في الليلة التي سبقت التخرج، جاء إليّ باكياً. أخته الصغرى مريم كانت مريضة بالملاريا، ولم يجد ثمن الدواء. أعطيته ما تبقى من مصروفي الشهري، واشترينا الدواء معاً من صيدلية السوق الشعبي. نظر إليّ وقال: “لو أن أبي كان حياً، لما رأت مريم يوماً مثل هذا الذل”.
أبوه توفي قبل ثلاث سنوات، بعد معركة طويلة مع الفشل الكلوي. ترك لهم غرفة واحدة في منزل طيني، وأربع بنات يتيمات، وأماً منهكة الجسد، تعمل في تنظيف البيوت لتأكل هي وبناتها كسرة خبز بالملح، وليواصل يوسف دراسته الجامعية.
كنت أساعده بقدر استطاعتي، لكن يدي كانت مقيدة. أبي موظف حكومي يتقاضى راتباً بالكاد يكفينا، وأمي تبيع الحلويات في الحي لتسد الثغرات.
في إحدى الأمسيات، بينما كنا نجلس على كورنيش النيل، همس يوسف: “سمعت عن رجال راحوا إلى مناطق التعدين وعادوا بحقائب من الذهب. لم يكونوا مهندسين ولا أطباء. كانوا مثلنا”. عيناه كانتا تشتعلان بجمر اليأس المتفائل.
قلت له: “تعدين الذهب؟ هذا موت، يوسف. تسمع عن انهيار الآبار، والزئبق يحرق الرئتين، والعصابات المسلحة”.
لكنه أمسك بكتفي: “مريم أصبحت في سن الزواج، وخالتنا تقدمت لخطبتها لرجل عجوز له ثلاث زوجات فقط لأنه يملك نقوداً. أمي تبكي كل ليلة وهي تعد الفتات لنفقة الغد. وأنا… أنا لا أستطيع النوم من الضغط. لو مت في الطريق، فهو أفضل من أن أرى أمي تذل نفسها عند جيرانها لاستلاف رغيف”. صمت لحظة، ثم قال: “أنت أفضل حالاً مني. ولو قررت عدم الذهاب، فلا لوم عليك”.
تلك الليلة، راودتني أحلام الثراء والتحرر من الفقر. في صباح اليوم التالي، أخبرت أهلي. كانت المعارضة عنيفة. أمي ألقت بنفسها على الأرض تصرخ: “حرام عليك يا ولدي، الصحراء تأكل الرجال ولا تردهم. أتذكر عمك أحمد؟ راح للذهب ولم نر له أثراً إلا عظاماً أعادتها القافلة بعد عامين”.
أبي صمت طويلاً، ثم قال: “أنت رجل الآن. لكن تذكر: أنت تخاطر بحياتك”.
في بيت يوسف، كان المشهد أكثر هدوءاً. والدته عانقته وبكت بحرقة، وأخواته الأربع تعلقن بثيابه. الكبرى، سعاد، خلعت خاتمها الفضي الوحيد ووضعته في جيبه: “هذا مهر أمي. خذه. رده إلينا ذهباً أو رده إلينا خاتماً… لكن عد إلينا حياً. ليس لنا رجل غيرك”.
ركبنا شاحنة نقل من موقف أم درمان القديم. كنا ثمانية رجال في صندوق مكشوف، نتشارك فراغاً لا يتجاوز مترين مربعين. الرحلة استغرقت أربعة أيام. النهار يحرق الجلد، والليل يحفل بجيوش الحشرات. توقفنا في محطة صغيرة في منتصف الطريق، لم نجد سوى طعام فقير وماء آسناً. يوسف أصيب بإسهال حاد، ظننا أنه سيموت هناك. كنت أمسح جبينه بقطعة قماش مبللة، وأذكره بأخواته كلما غاب عن الوعي.
وصلنا إلى مناطق التعدين في قلب الصحراء. مئات الرجال بأجساد هزيلة، وجوه مغطاة بالغبار، وعيون جاحظة تبحث عن وهم. الخيام متناثرة كالقبور، ورائحة الزئبق تملأ الأنفاس.
عملنا في بئر عميقة. ننزل بحبال بالية، نحفر طوال النهار تحت الشمس اللافحة، ونخرج أكياساً من التراب نغسلها في أحواض بدائية. الزئبق يلتصق بأيدينا، ونضحك. لا نعلم أن الضحكة هي أول أعراض الموت البطيء.
في اليوم السابع، انهار البئر المجاور. سمعنا صراخاً مروعاً، ثم صمتاً. انتشلوا ثلاثة جثث. كانوا أصدقاء يوسف من المنطقة الشمالية. نظر إليَّ بعينين جافتين: “هذا قدرنا يا صديقي. إما الذهب أو التراب”.
في اليوم الثالث والعشرين، كنا قد جمعنا كمية لا بأس بها من التراب الحامل للذهب. يوسف كان يغني أغنية سودانية قديمة عن النيل، وصوته يتردد في الوادي. فجأة، سمعنا أزيزاً ثقيلاً في السماء. طائرة حربية على ارتفاع منخفض او ربما مسيرة. بعض الرجال ركضوا، وآخرون جمدوا. نظرت إلى يوسف. كان يحمل كيساً من التراب ويصرخ بفرح: “وجدناه! وجدنا العرق الأحمر يا صاحبي!”
ثم انفجرت الأرض.
سقطت قنبلتان. الأولى مزقت الهواء، والثانية فجرت البئر. رأيت يوسف يتطاير إلى الجانب الآخر، وكيس التراب ينفتح في الهواء. حاولت الوصول إليه، لكن شيئاً حديدياً ثقيلاً أصاب ظهري، وشعرت بطعنة كهربائية تسري في عمودي الفقري.
ثم ظلام.
استيقظت في خيمة إسعاف مؤقتة. حاولت تحريك يدي، فلم تستجب. حاولت تحريك رجلي، فكانتا كحجرين. ناديت بصوت مبحوح، فجاءني رجل عجوز ينظف جروحي.
“أين يوسف؟”
نظر إليَّ بصمت، ثم أومأ برأسه ناحية التلة القريبة. “دفناه هناك يا بني. كان يحمل كيس ذهب خام في يده حين سقط. الوزن كان ثقيلاً… لم ينفك عنه حتى وهو ميت”.
مرت أسابيع. أنا ما زلت على سريري في تلك المستشفى البائسة. تحت الأنقاض، دفنوا ثلاثة عشر رجلاً آخر. أصبح العدد خمسة عشر قتيلاً. وعشرات الجرحى: مشلولون، محترقون، مفقودون.
لم تقل الحكومة شيئاً. لم تصدر بيان تعزية، ولم تفتح تحقيقاً. تركت الجرحى يئنون في خيامهم، وتركت الأمهات يبكين على أبنائهن.
في إحدى الليالي، سألت الممرض الذي يبدل ضماداتي: “من قصفنا؟”
أشاح بوجهه وخرج.
الآن، وأنا أرقد هنا، أنظر إلى سقف الخيمة المثقوب. في الليل، حين تهب الرياح على قبورهم، أسمع أصواتاً تهمس في الغبار. لا أفهم كلماتها، لكنني أعرف معناها.
أغلقت عيني. تذكرت يوسف قبل القصف بلحظات، يقول: “غداً نشتري بيتاً لأمي”.
لكن الغد لم يأتِ.
وجاءت الطائرات بدلاً منه.




عمل ناضح متكامل لقد نطقت بلسان حالنا نحتا والله لسه ما عارفين المجهول الما بقدر واحد يحاسبه وليه
عمل قصصى متماسك-نطقت بما نود ان نقوله لماذا لم نتحدث مع المجهول المعلوم…..الخوف ام المصالح
قصة من الحرب هكذا تنتج المحن فنا يتحدث ما حدث طواه النسيان لم يقدم الحانى لمحاكمة لم يذكره احد يا هوانك ياوطنى وما ارخص الدم عندنا
قصه البحث عن الذهب ليست قصه أدبيه رائعه فحسب، بل هى قصه توثيقيه، الجريمه كبيره، تكتبين فيها غطرسه مصر، وأنخفاض رأس السودان لها، لانها تصطاد في الماء العكر، حين تعلم أن يد السودان مغلوله.
هى قصه عباره عن أدانه تاريخيه، مذبحه همجيه بلا سبب، قصه تزيد ان تسجل تاريخ من نوع التواريخ المسكوت عنها، كى تظ ل حيه في ذاكره.
قصه وفقت فيها، فو فقك ا لله دوما.
نعم عمل جميل..يصلح لفيديو قصير…وقد ينال جائزة….و يكشف جريمة مصر السيسي و برهان
الاخ احمد والله فكرة رائعة لكن كيف تتحول الى عمل هل هناك جهة معينة ترسل لها بموافقة المؤلف طبعا والله دى تكون خدمة كبيرة للوطن عليك الله اعملها حتى لو بالذكاء الاصطناعى