
أعلن مجلس شؤون الأحزاب السياسية في جنوب السودان اعتماد التسجيل الرسمي لخمسة أحزاب سياسية، في خطوة قال إنها تأتي ضمن جهود تعزيز التعددية السياسية وتوسيع المشاركة الديمقراطية، وذلك مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026.
ويأتي هذا الإعلان في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، إذ يستعد جنوب السودان لخوض أول انتخابات عامة منذ استقلاله عام 2011، بعد سنوات من الصراع السياسي والتأجيلات المتكررة التي صاحبت تنفيذ اتفاق السلام. لذلك، فإن أي تطور يتعلق بالحياة السياسية يستحق التوقف عنده، ليس من زاوية الإجراءات وحدها، بل من زاوية أثره في مسار التحول الديمقراطي.
ولا خلاف على أن الاعتراف القانوني بالأحزاب السياسية يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، فالتعددية الحزبية إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي. غير أن التجارب، في أفريقيا وغيرها، أثبتت أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب المسجلة، وإنما بقدرتها على العمل بحرية، والوصول إلى المواطنين، وطرح برامجها، وخوض المنافسة في بيئة سياسية وقانونية عادلة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمثل تسجيل الأحزاب بداية لانفتاح سياسي حقيقي، أم أنه مجرد إجراء قانوني لا ينعكس بالضرورة على واقع الممارسة السياسية؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية في ظل الجدل الذي أثارته رسوم تسجيل الأحزاب. فبحسب تقرير نشرته إذاعة راديو تمازج، تبلغ رسوم تسجيل الحزب السياسي 75 ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ أثار اعتراض عدد من الأحزاب التي اعتبرته مرتفعًا ويحد من فرص المشاركة السياسية، في حين أكد مجلس شؤون الأحزاب أن الرسوم تستند إلى أحكام القانون.
وبصرف النظر عن الجدل القانوني، فإن القضية تفتح بابًا أوسع للنقاش حول العدالة السياسية. فإذا كانت المشاركة في الحياة العامة حقًا أصيلًا، فمن المشروع التساؤل عما إذا كانت الرسوم المرتفعة تشكل، عمليًا، عائقًا أمام الأحزاب الناشئة أو القوى السياسية ذات الموارد المحدودة. فالمنافسة الديمقراطية ينبغي أن تقوم على قوة البرامج والأفكار، لا على حجم الإمكانات المالية.
لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على الرسوم، بل يتعلق بطبيعة البيئة السياسية التي ستعمل فيها هذه الأحزاب خلال المرحلة المقبلة.
فهل ستتمكن من تنظيم الندوات واللقاءات الجماهيرية بحرية؟ وهل ستُتاح لها فرصة مخاطبة المواطنين وعرض برامجها الانتخابية دون قيود؟ وهل سيتمكن الناخب من الاطلاع على مختلف الرؤى السياسية واتخاذ قراره بحرية كاملة؟ كما يبرز هنا دور وسائل الإعلام، التي يقع على عاتقها نقل مختلف الآراء والبرامج بمهنية وتوازن، بما يساعد المواطن على تكوين موقفه على أساس المعرفة، لا الاحتكار.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل التطورات السياسية الراهنة، وفي مقدمتها استمرار احتجاز النائب الأول للرئيس، رياك مشار، وهو تطور يلقي بظلاله على المشهد السياسي، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات، واستمرار النقاش حول تنفيذ اتفاق السلام ومستقبل المرحلة الانتقالية.
ومن جهة أخرى، أعلنت المفوضية الوطنية للانتخابات موعد إجراء الانتخابات التزامًا بما ينص عليه القانون، لكنها أقرت في الوقت نفسه بوجود ثغرات وتناقضات في الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، فضلًا عن نقص التمويل اللازم لاستكمال الترتيبات الفنية والإدارية. ويعكس هذا الإقرار حجم التحديات التي لا تزال تواجه هذا الاستحقاق الوطني.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يكفي تحديد موعد الانتخابات لإقناع المواطنين بأن البلاد باتت مهيأة لمرحلة ديمقراطية جديدة؟
فالانتخابات ليست مجرد يوم يتوجه فيه المواطن إلى صندوق الاقتراع، بل هي عملية متكاملة تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، وتشمل توفير الضمانات اللازمة لحرية التعبير والتنظيم السياسي، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، وبناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية والمواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن تسجيل الأحزاب يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه سيظل خطوة غير مكتملة إذا لم يترافق مع توسيع مساحة الحريات العامة، وضمان حق الأحزاب في ممارسة نشاطها السياسي، وتمكين المواطنين من التعبير عن آرائهم بحرية، بعيدًا عن الخوف أو التضييق.
ويقف جنوب السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإثبات أن الانتقال نحو الديمقراطية ليس مجرد التزام قانوني، بل خيار سياسي يعكس إرادة الدولة والمجتمع معًا. فالانتخابات المقبلة لن تُقاس أهميتها بتاريخ انعقادها فحسب، وإنما بقدرتها على نقل البلاد من منطق تقاسم السلطة بين النخب إلى منطق بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ حكم يقوم على سيادة القانون، والمساءلة، والمشاركة السياسية الحقيقية.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب التي تُسجل، ولا بعدد البيانات التي تُصدر، وإنما بمدى احترام الحقوق والحريات، وسيادة القانون، وإتاحة الفرصة المتساوية أمام جميع القوى السياسية للمشاركة في رسم مستقبل البلاد.
فالديمقراطية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء دولة المؤسسات، حيث يكون القانون فوق الجميع، وتُدار شؤون الدولة عبر مؤسسات مستقلة وفاعلة، لا وفق موازين القوة أو الولاءات السياسية. وعندما يصبح الاحتكام إلى المؤسسات هو القاعدة، لا إلى الأشخاص، وعندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن حقوقه مصونة، وأن التداول السلمي للسلطة أصبح واقعًا لا شعارًا، عندها فقط يمكن القول إن جنوب السودان بدأ يخطو بثقة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، ويضع الأساس الحقيقي لدولة تستحقها أجياله القادمة.
زيورخ – سويسرا



