الديمقراطية الاجتماعية.. ولماذا يحتاج جنوب السودان إلى الفيدرالية؟

جون نيمنسو لادو تومبي
اطلعت باهتمام على الورقة السياسية التي طرحتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – الأصل، والتي قدمت فيها رؤيتها لبناء دولة تقوم على الديمقراطية الاجتماعية، والمواطنة، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية.
وهي رؤية تتضمن مبادئ مهمة يتطلع إليها كل مواطن في جنوب السودان، ولا خلاف على أهمية بناء دولة تحترم حقوق الإنسان، وتحقق المساواة بين المواطنين، وتضع المؤسسات فوق الأفراد.
غير أن الورقة، في تقديري، أغفلت قضية أساسية تتعلق بشكل الدولة نفسها، وهي قضية الفيدرالية، التي ظلت مطلبًا تاريخيًا لقطاعات واسعة من شعب جنوب السودان، منذ سنوات النضال الطويلة وحتى اليوم.
إن الديمقراطية الاجتماعية تقدم تصورًا للعدالة الاجتماعية، ولدور الدولة في توفير التعليم والصحة والخدمات، وحماية الفئات الضعيفة، وتحقيق التنمية المتوازنة.
لكنها، في حد ذاتها، لا تجيب عن سؤال جوهري: كيف تُدار الدولة؟ وكيف تُوزع السلطة بين المركز والولايات؟
لقد مرت أكثر من عشرين عامًا منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وأكثر من خمسة عشر عامًا على استقلال جنوب السودان، لكن واقع الخدمات والتنمية في معظم الولايات ما زال بعيدًا عن تطلعات المواطنين.
فما زالت مياه الشرب النظيفة غير متوفرة في مناطق واسعة من البلاد، ولم تشهد معظم الولايات إنشاء مشروعات كبرى لتوفير المياه بصورة مستدامة.
كما لا يزال آلاف الأطفال يتلقون تعليمهم في مدارس مبنية من الطين أو المواد المحلية، تفتقر إلى الفصول المناسبة والمقاعد والوسائل التعليمية الأساسية.
أما القطاع الصحي، فما زال يعاني من ضعف كبير في البنية التحتية، ونقص المستشفيات المجهزة، وقلة الكوادر والإمكانات، الأمر الذي يدفع كثيرًا من المواطنين إلى السفر خارج البلاد بحثًا عن العلاج، أو يتركهم يواجهون المرض بإمكانات محدودة.
ولا يختلف وضع الطرق عن بقية القطاعات، فما زالت شبكات الطرق محدودة، الأمر الذي يعرقل حركة المواطنين والتجارة والاستثمار، ويزيد من عزلة كثير من المناطق خلال مواسم الأمطار.
أما الكهرباء، فما زالت بالنسبة إلى ملايين المواطنين حلمًا لم يتحقق، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار وجودة الحياة بصورة عامة.
وفي مجال التعليم العالي، تعاني الجامعات من ضعف التمويل، ونقص المعامل، وتراجع البحث العلمي، الأمر الذي أثر على قدرتها في إعداد الكفاءات الوطنية التي يحتاجها البلد في هذه المرحلة.
كما أن القطاع الأمني يحتاج إلى إصلاحات جادة.
فبناء جيش وطني مهني، وتعزيز كفاءة الشرطة، واحترام الاختصاصات بين المؤسسات الأمنية، كلها ضرورات لا غنى عنها لبناء دولة القانون.
ولا يزال المواطنون يطالبون بمزيد من الأمن والاستقرار، بما في ذلك في العاصمة جوبا، حيث يشكل الأمن الليلي مصدر قلق لكثير من السكان.
إن هذه الوقائع تدفعنا إلى التساؤل: هل تكمن المشكلة فقط في نوع السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أم أن هناك خللًا في طريقة إدارة الدولة نفسها؟
في تقديري، فإن أحد أهم أسباب استمرار الأزمات هو استمرار المركزية في إدارة الدولة.
فقد أثبتت التجربة أن تركيز السلطة والموارد في المركز لم يحقق التنمية المتوازنة، ولم ينجح في إيصال الخدمات الأساسية إلى جميع الولايات بالقدر المطلوب.
ومن هنا تبرز أهمية الفيدرالية، ليس كشعار سياسي، وإنما كنظام دستوري يوزع السلطات بين الحكومة القومية وحكومات الولايات، ويمنح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها، وتحديد أولوياتها التنموية، ومساءلة حكوماتها بصورة مباشرة.
إن الفيدرالية لا تعني تقسيم البلاد أو إضعاف الدولة، بل على العكس، فإنها تمثل وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية من خلال الاعتراف بالتنوع، وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، وتقريب مؤسسات الحكم من المواطنين.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن الفيدرالية، عندما تُبنى على دستور واضح ومؤسسات قوية وسيادة القانون، تسهم في إدارة التنوع، وتحقيق الاستقرار، وتعزيز المشاركة الشعبية في صناعة القرار.
ولهذا، فإنني أرى أن أي مشروع سياسي يسعى إلى بناء جنوب السودان الجديد سيكون أكثر اكتمالًا إذا وضع الفيدرالية ضمن ركائزه الأساسية، إلى جانب الديمقراطية الاجتماعية، وسيادة القانون، والحكم الرشيد.
إن شعب جنوب السودان لا يطالب بالفيدرالية لأنها موضة سياسية أو شعار انتخابي، وإنما لأنها أصبحت ضرورة وطنية فرضتها التجربة العملية.
فالولايات تحتاج إلى سلطات حقيقية، وإلى موارد عادلة، وإلى القدرة على التخطيط والتنفيذ وفق احتياجاتها، بدلًا من انتظار قرارات المركز في كل صغيرة وكبيرة.
إن بناء دولة مستقرة لا يتحقق فقط بوضع برامج اقتصادية واجتماعية جيدة، بل يتطلب أيضًا بناء نظام حكم يضمن المشاركة العادلة، ويحقق التوازن بين المركز والولايات، ويمنع احتكار السلطة، ويجعل المواطن شريكًا حقيقيًا في إدارة شؤون وطنه.
إن الديمقراطية الاجتماعية تمثل رؤية مهمة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها ستكون أكثر قوة وتأثيرًا إذا اقترنت بنظام فيدرالي حقيقي، يحقق اللامركزية، ويقرب الخدمات من المواطنين، ويضمن تنمية متوازنة في جميع أنحاء البلاد.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من التجربة، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الفيدرالية خيارًا مناسبًا، بل كيف يمكن تصميم نظام فيدرالي ناجح يحقق الوحدة، ويصون التنوع، ويضع جنوب السودان على طريق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.
زيورخ – سويسرا




مقال فى غاية الأهمية من حيث الموضوعية، يبدو بأن جنوب السودان انقصل عن السودان و لكن ورث كل أمراض السودان السياسية و الاجتماعية و ما يدعو للسخرية بأنه يسير فى نفس مسار السودان بمنعرجاته و منحنياته و دورانه و يمكن أن نسميه الدولة المستنسخة الذي لم يتعلم قيادات حركة التحرير من فشل النخبة الشمالية الذي ادمن الفشل و جعل السودان فى حافة التمزق و التقسيم ،
و هنا يطرح تسأل مهم ، لماذا التخوف من تطبيق النظام الفدرالى انا كان بقوم دولة اكثر استقرارا و تقدما؟ و ربما يكون الفدرالية هى منفذ الدولة. كما يقال دائما ، عسي أن تكره شيا فهو خيرا لكم.