مقالات وآراء

سجن دقريس: تحدي العدالة أمام الادعاء

قرية دقريس من القرى الحية في الجانب الغربي لمدينة نيالا، في طريق نيالا – عد الفرسان، وتكاد تكون القرية الأكثر تحضراً في المجمع الريفي الأقرب لمركز الولاية، والمتكوّن من ثلاث قرى هي: التومات، كسارة، وقرية دقريس.
فعلى الرغم من بعدها الجغرافي عن هاتين القريتين، إلا أنها كانت أكثر حضرية منهما، فقد شكّلت مركزاً حضرياً خرج المع أستاذة المدارس الثانوية في الولاية؛ وتجمعاً تجارياً مهماً بالنسبة للسابلة على ظهور اللواري والسيارات الصغيرة.
شخصياً، مهموم جداً بتخليد الجغرافيا عبر الحكاية، ولذلك حاولت أن أرسم مشهداً للخروج من مجاعة 1984-1985 ((ريقن)) حول هذه القرية الصغيرة الوادعة غرب الوادي صاحب الاسم، لما لها من ذكريات طفولة أيام زياراتنا الدائمة مع والدي، الذي كان يقتني ماشية ومزرعة بها، في عملي الأخير.
ولكن يد القدر سبقتني، وكتبت خلوداً من نوع آخر لهذه القرية الجميلة، والتي أصبحت الآن جزءاً من المدينة بسبب الزحف السكاني وتفتق التمدن القسري.
ما يحزنني هو أن تُعرف قرية الأستاذ “أبكر عبدالله أحيمر”، الذي علمنا الفرق بين although و though في بواكير صبانا في المرحلة الابتدائية، بفظاظة السجانين وصلف الجلادين.
ففي سجنها الكارثة الآن يرقد الآلاف من ضحايا العسف العسكري، الذي لم تقنعه التشكيلات السياسية المتلاحقة والمنشورات الرسمية لسلطة الأمر الواقع بتسمية هيئات القضاء بقدسية العدالة، ليتراجع خطوة نحو ثكناته، مفسحاً مجالاً لمواكب القضاة حتى يتحققوا من ميزان العدالة بين أسوار سجن “دقريس”، وتلك كارثة أخرى اسمها القعدة المستديمة للعسكر تجاه استقلال القضاء.
في سجن دقريس الآن يوجد عتاة المجرمين وأذناب الحركة الإسلامية من المخالفين لمشروع أصحاب السجن، القتلة الذين يستوجبون السجن لا محالة، مثلما يوجد به مدانون في جنح مدنية، وأحوال شخصية، قتلة، بعد محاكمات رسمية سليمة الإجراءات.
ولكن القدر الأكبر هو للاعتقال دون إجراء قانوني بعريضة دعوى قضائية، وهؤلاء، كما أسلفنا، قد يكونون مجرمين أو ضحايا من مسجوني الكيد العسكري والتنافس السياسي والوشاية، وهنا يختلط الحابل بالنابل، فالبريء والضعيف السند والمغلوب على أمره أُخذ بجريرة المذنب المستحق السجن، عبر الاعتقال التعسفي والحرمان من حق المثول أمام القضاء والدفاع عن النفس.
إذاً، هم ضحايا؛ لأن ظروف اعتقالهم كانت فقط بشبه غير أكيدة، أو تقصد، أو عنجهية تزعم، دون أدنى إجراءات التقاضي ومسارات القانون، وهو أمر، بلا شك، يقوض مبدأ العدالة وقدسية الحرية التي يتغنى بها سدنة الحكومة في قصورهم بنيالا.
على حكومة الأمر الواقع في نيالا الانتباه إلى أن الظلم منبوذ لذاته وليس لجهته، وأن ما استدعى كل هذا الشقاء للشعوب السودانية، وأغرقها في التيه والاحتراب لقرون، هو غياب العدالة والمساواة أمام القانون للجميع، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجهة الجغرافية، في ظل فصل السلطات الثلاث واستقلاليتها، وهو ما لم تنجح فيه كابينة التعايشي – التي تبرر لشرعيتها باسم السلام وتحقيق العدالة عبر الحكم الانتقالي لتحقيق دولة العدالة – حتى الآن، عبر فرض واقع جديد يبرهن للسودانيين أن تمظهر السلطة السياسية في نيالا هو محاولة لإنزال مشروع الدولة العادلة على أرض الواقع، وليس محض استنساخ للتجربة القديمة في صورة أكثر تشوهاً وقذارة، مثلما حدث في جوبا بعد الاستقلال المدفوع بأكاذيب القيم العليا.
فوفق بيانات حكومة التعايشي، لقد اكتملت هياكل السلطة القضائية بتعيين وتسمية كل أعمدتها، بمن فيهم النائب العام، وبالتالي فهي مكلفة بالعمل وفق هذه المنشورات التي أعلنتها للسودانيين، بأن تحقق ما تستطيعه من عدل داخل حدود سلطتها، والتي، بلا شك، تشمل سجن دقريس.
ما لم تقم حكومة رئيس الوزراء التعايشي بعمل تصحيح فوري وجدي لمسار السلطة القضائية، وتمكينها من ملفات نزلاء سجن دقريس بصورة حقيقية، يتسنى لها مراجعة ملفات الموقوفين في السجن سيئ السمعة، والاستماع إلى قضاياهم لتطبيق القانون، لن تكون قد تخطت درجة واحدة في سلم الدولة المدنية، الذي ظل حلماً للسودانيين لأكثر من سبعين عاماً.
إن الشرعية السياسية لا تُكتسب بالشعارات، أو الولاءات السياسية أو العرقية أو الدينية، وإنما بالعمل الجاد نحو تحقيق دولة العدالة والمساواة، التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وذلك عبر إعطائهم حق الدفاع عن أنفسهم، وعدم تقييد حريتهم إلا بجرم مثبت أمام هيئة قضائية مدنية مستقلة.
إن الاعتقال التعسفي لا يمكن أن يكون قانوناً موجباً لسلب الحرية، مهما كان ثبوت الجرم ووضوحه؛ فلا بد من عرض المتهم على هيئة قضائية مستقلة، وإعطائه حق الدفاع بتوكيل محامٍ، ومن ثم إصدار حكم قانوني يوجب عليه السجن إن ثبت الجرم.
السيد وزير الداخلية الأستاذ صندل، أنت المسؤول الأول عن تصفية هذا الركام التعسفي في دقريس، عبر فتح أبواب السجون للهيئة القضائية، والتأكد من السلامة الإجرائية لأي نزيل بالسجن، وبسط الأمن في كافة البقاع الآمنة، بتفويض الشرطة وتحجيم الوجود العسكري وضبط السلاح.
فالسلطة لا تأتي بالشعارات أو التسميات الوزارية، وإنما بفرض هيبة القانون والتوجه الصادق نحو حماية أملاك وحرية وسلامة المواطنين.
ودقريس، تلك القرية الوادعة، الآن تسبح في بحر من الخلود الآسن، في انتظار يد العدالة التي تمجدها في سماء الوجود كقرية أكثر شرفاً، لا تنام قطاطيها على نحيب مظلوم.
إلى ذلك الحين، ننتظر أن يحتكم فرقاء الكرسي في الجانبين إلى صوت العقل، بإسكات المدافع وتمكين المواطنين السودانيين من العيش بسلام، يمكنهم من إنجاز ما بدأته ثورة ديسمبر المجيدة بتحقيق الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة السودانية العلمانية اللامركزية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..