أخبار السودان

الجيش السوداني يشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن في مقترح سلام أميركي

اشترط الجيش السوداني انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، لقبول المبادرة الأميركية الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، في موقف يضع أحدث جهود واشنطن لإحياء مسار السلام أمام عقبة قد تعرقل فرص التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وأظهرت وثائق اطلعت عليها وكالة رويترز، وأكد مسؤولون كبار مضمونها، أن المقترح الأميركي الذي تسلمته الحكومة السودانية بقيادة الجيش في 20 يونيو الماضي، ينص على هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تمهد لمفاوضات حول وقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية تنتهي بإجراء انتخابات.

لكن الخرطوم، رغم موافقتها على معظم بنود المبادرة في ردها المرسل إلى الجانب الأميركي في 25 يونيو، اعترضت على البند المتعلق بانسحاب محدود لقوات الدعم السريع، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن ينص على انسحاب كامل للقوات شبه العسكرية من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ اندلاع الحرب، وليس من مناطق محددة فقط.

ويعكس هذا الرد تمسك رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بالموقف الذي دافع عنه طوال الأشهر الماضية، والقائم على رفض أي تسوية تبقي قوات الدعم السريع داخل المراكز الحضرية أو تمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية تحت مظلة هدنة مؤقتة.

وبذلك، اصطدمت المبادرة الأميركية بما يمكن وصفه بـ”لاءات البرهان”، التي تجعل الانسحاب الشامل شرطاً مسبقاً لأي تسوية سياسية أو أمنية.

وتكشف الوثائق أن المقترح الأميركي اعتمد مقاربة تدريجية، إذ دعا إلى إنشاء آلية بإشراف الأمم المتحدة لدعم عمليات انسحاب محدودة لقوات الدعم السريع، مع إعطاء الأولوية لولايتي شمال دارفور وشمال كردفان، باعتبارهما من أكثر مناطق القتال اشتعالاً خلال المرحلة الحالية.

ويبدو أن واشنطن سعت من خلال هذه الصيغة إلى تحقيق اختراق أولي في الملف الأمني، عبر إجراءات لبناء الثقة بين طرفي الصراع، بدلاً من السعي إلى فرض حلول شاملة يصعب تنفيذها في ظل تعقيدات المشهد الميداني. إلا أن الجيش السوداني يرى أن الانسحاب الجزئي من شأنه أن يكرس واقع السيطرة الذي فرضته قوات الدعم السريع خلال الحرب، ويمنحها شرعية غير مباشرة للاحتفاظ بمواقع استراتيجية داخل البلاد.

وليس هذا الخلاف جديداً، إذ شكل مطلب الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع أحد أبرز أسباب تعثر محاولات الوساطة السابقة، سواء في منبر جدة أو في المبادرات الإقليمية والأفريقية الأخرى.

وفي كل جولة تفاوض تقريباً، تمسك الجيش بأن يسبق أي اتفاق سياسي أو وقف دائم لإطلاق النار خروج قوات الدعم السريع من المدن وإعادة انتشارها، بينما رفضت الأخيرة هذا الطرح بصيغته التي يقدمها الجيش.

وتقوم الرؤية الأميركية، في المقابل، على التعامل مع الوقائع الميدانية كما هي، انطلاقاً من أن التوصل إلى هدنة إنسانية قد يكون المدخل الوحيد لوقف التدهور الإنساني، قبل الانتقال إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ومستقبل قوات الدعم السريع.

الرؤية الأميركية تقوم على أن التوصل إلى هدنة إنسانية قد يكون المدخل الوحيد لوقف التدهور الإنساني، قبل الانتقال إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ومستقبل قوات الدعم السريع.

ولم يقتصر المقترح الأميركي على وقف إطلاق النار، بل تضمن تصوراً متكاملاً للمرحلة الانتقالية، يشمل تشكيل جيش وطني موحد، ووضع ترتيبات لنزع السلاح والتسريح وإعادة دمج المقاتلين، إلى جانب إطلاق عملية سياسية يقودها المدنيون، مع استبعاد جماعة الإخوان المسلمين والعناصر المسلحة المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال الحرب.

وتعكس هذه البنود رغبة واشنطن في معالجة جذور الأزمة السودانية، وليس فقط وقف العمليات العسكرية، انطلاقاً من أن الحرب اندلعت أساساً بسبب الخلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع حول آليات دمج القوتين ضمن جيش واحد، ومسار الانتقال إلى الحكم المدني.

كما أن اختيار شمال دارفور وشمال كردفان كنقطة بداية لعمليات الانسحاب لم يكن اعتباطياً، إذ شهدت المنطقتان خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً واسعاً. ففي شمال دارفور تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر بعد معارك عنيفة، بينما تتعرض مناطق شمال كردفان لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، ما جعلها من أكثر الجبهات حساسية بالنسبة للوسطاء الدوليين.

ورغم أن المبادرة لم تُرفض رسمياً من جانب الخرطوم، فإن تعديلها الجوهري يكشف حجم الهوة بين رؤية واشنطن ورؤية القيادة العسكرية السودانية. فالولايات المتحدة تراهن على خطوات متدرجة لبناء الثقة، بينما يتمسك الجيش بتحقيق مكاسب أمنية واضحة قبل الدخول في أي عملية سياسية.

وانعكس هذا التباين أيضاً في التصريحات الأميركية الأخيرة. فبعدما أُبلغ مجلس الأمن الدولي في البداية بأن السودان رفض المقترح، أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أنه سعيد بسماع أن البرهان “قبل على ما يبدو” أحدث مبادرة للسلام، في إشارة إلى أن الخلاف يدور حول شروط التنفيذ أكثر من رفض المبادرة نفسها.

وفي المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع أنها تلقت المقترح الأميركي، ورحبت به، وقدمت رداً مكتوباً، من دون الكشف عن تفاصيله. إلا أن هذا الترحيب لا يعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق، خصوصاً أن القوات سبق أن أبدت استعدادها للتعامل مع مبادرات سلام سابقة، في وقت واصلت فيه عملياتها العسكرية على عدة جبهات.

وتأتي المبادرة الأميركية في وقت تشهد فيه الحرب تحولات ميدانية مهمة. فالجيش السوداني استطاع خلال الأشهر الماضية استعادة عدد من المناطق الاستراتيجية، بينما عززت قوات الدعم السريع نفوذها في أجزاء واسعة من إقليم دارفور، وهو ما يجعل كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين موقعه التفاوضي من خلال استمرار العمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، تبدو لاءات البرهان جزءاً من استراتيجية تفاوضية تقوم على عدم منح قوات الدعم السريع أي مكسب سياسي أو عسكري قبل انسحابها الكامل من المدن. غير أن هذه المقاربة تصطدم بالرؤية الأميركية التي تعتبر أن تحقيق هذا الشرط قبل بدء العملية السياسية قد يكون غير واقعي، وقد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها.

وبين الطرح الأميركي القائم على التدرج، وتمسك الجيش السوداني بانسحاب شامل كمدخل لأي اتفاق، تبدو فرص نجاح المبادرة مرهونة بقدرة الوسطاء على تضييق الفجوة بين الطرفين. وحتى ذلك الحين، ستظل الحرب مفتوحة على مزيد من التصعيد، فيما يبقى ملايين السودانيين الخاسر الأكبر من استمرار تعثر جهود السلام.

العرب

‫3 تعليقات

  1. يجب علي الدعم السريع الانسحاب من جميع المدن والتي يسيطر عليها في الفاشر والجنينه وزالنجي ونيالا …. والتجمع في مناطق يحددها الجيش قبل الدخول في عملية تفاوضيه

    1. ههههههه ينسحب من كل المدن التي احتلوها عنوة وبدماء شهداء اشتشهدوا علي ميتدئهم يسلموها اولاد حاج نور تاني 😂😂😂طيب بعد داك يجلسوا عشان شنو ( اما والله لو كنتم قردوا لما رضيت قرابتكم القرودا)

  2. دا هو المتوقع عدم قبول الجيش للهدنة.. ودا واضح من الشروط الصعبة..

    اول يوم اعلنوا اول هدنة قلت للاصدقاء.. لو حصل قبلوها الطرفين واحد حيخرقها قبل تتم اجلها المتفق عليه..

    الافضل رفضها يوضوح معا.. او قبولها بصدق من الطرفين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..