مقالات وآراء

برافو دكتور بكرى الجاك… هكذا يكون النقد، وهكذا تُحترم عقول الناس

برافو دكتور بكرى الجاك… لقد أحسنت. ليس لأنني أتفق مع كل ما ذهبت إليه، ولكن لأنني أعجبت بالطريقة التي كتبت بها، وبالمنهج الذي سلكته، وباحترامك لعقول الناس وأنت تناقش قضية هي الأخطر في تاريخ السودان الحديث.
كم نحن بحاجة إلى أن “ينشّن” السياسيون السودانيون بهذه الطريقة! فنحن لا نحتاج إلى مزيد من الخطب الحماسية، ولا إلى عبارات التخوين والشيطنة، ولا إلى الشعارات التي تملأ المنابر ووسائط التواصل، ثم تتبخر عند أول سؤال منطقي. نحن بحاجة إلى سياسيين يفكرون قبل أن يتحدثوا، ويحللون قبل أن يحكموا، ويحتكمون إلى العقل لا إلى الغرائز.
ما فعله الدكتور بكرى الجاك في مقاله أنه وجّه نقدًا صارمًا، لكنه لم يكن نقدًا انفعاليًا. لم يرفع صوته، ولم يشتم أحدًا، ولم يوزع صكوك الوطنية، بل بدأ من “بديهيات”، ثم بنى عليها استنتاجاته بمنطق واضح، سواء اتفق القارئ معها أو اختلف. وهذه هي السياسة كما ينبغي أن تكون.
لقد مللنا ذلك النوع من الخطاب الذي لا ينتج إلا الضجيج؛ خطابًا يقوم على ترديد الكلمات الكبيرة: “الحسم”، و”السحق”، و”الخيانة”، و”العمالة”، و”المعركة المقدسة”، دون أن يجيب عن أبسط سؤال: كيف؟ ولماذا؟ وما النتائج؟ وما البديل؟ فالسياسة ليست مباراة للهتاف، ولا مسابقة في رفع سقف الشعارات. السياسة فن إدارة الممكن، وفن قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
ولهذا أعجبني أن الدكتور بكرى لم يناقش الأشخاص بقدر ما ناقش الأفكار، ولم يكتفِ برفضها، بل كشف هشاشتها الداخلية، وأظهر تناقضاتها بمنهج عقلاني هادئ. وهذا هو النقد الحقيقي؛ أن تهزم الفكرة بالحجة، لا بالصوت المرتفع.
إن أخطر ما أصاب السودان خلال سنوات الحرب ليس الدمار وحده، وإنما انهيار مستوى التفكير العام. صار كثير من الناس يتعاملون مع القضايا الوطنية بعقلية التشجيع الرياضي؛ فريقٌ يجب أن ينتصر مهما فعل، وفريقٌ يجب أن يُدان مهما قال. وغابت الأسئلة الكبرى، وحلّت محلها الانفعالات.
ولهذا فإن أي محاولة لإعادة الاعتبار للعقل، وللتحليل، وللسببية، تستحق التقدير، مهما كان موقع صاحبها السياسي. ولا نريد سياسيين يحفظون العبارات الجاهزة، بل نريد من يشرح، ويبرهن، ويقنع، ويتحمل مسؤولية ما يقول. نريد خطابًا يواجه الأفكار التافهة التي لا تصدر إلا عن عقول خربة بالحجة والمنطق، لا بالشتائم والمهاترات.
السودان لن يخرج من أزماته إذا ظل أسير الخطابات التي تثير الغرائز وتغيب العقول. ولن يبنى وطن بالحناجر وحدها، وإنما يبنى بعقول تعرف كيف تشخص المرض قبل أن تصف الدواء.
مرة أخرى… برافو دكتور بكرى الجاك. لقد قدّمت درسًا في كيفية ممارسة النقد السياسي باحترام للعقل، وأثبتَّ أن قوة الفكرة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الحجة الرصينة تبقى أطول عمرًا من ألف هتاف.

 

تعليق واحد

  1. معني هذا الكلام علي الاتية اسماءهم مغادرة المنصات السياسيه فورا ودون تردد 1/التو هجو 2/الجاكومي 3/خالد العيسر 4/ياسر العطا 5/شيبه ضرار 6/ترك
    الوقت للعقول وليس للسب واللعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..