مقالات وآراء

للتاريخ : المصريون كما عرفتهم

الرشيد العطا

قدمت إلى مصر في أغسطس 2022م أي قبل حرب السودان المدمرة بسنةٍ إلا بضعة أشهر.ذلك لالحاق بنتي وولدي بالجامعات المصرية.إخترت (الطالبية هرم) مقراً لي ولأسرتي.
بعد إسبوع من وصولي ضربت موعداً مع أخصائي العيون بمشفى (نور العيون).خرجت منه وبين يديَّ وصفة دوائية. عرجت على أول صيدلية في طريقي..صيدلية (الحوفي) ومقرها (برج النور) في بداية شارع فريد السباعي ناحية شارع الهرم.
مددت يدي للصيدلي بالوصفة..تناولها مني ووضع الأدوية أمامي.ناولني الفاتورة.أتذكر جيداً كانت القيمة 149 جنيهاً مصرياً.لم يكن في جيبي سوى 40 جنيهاً.طلبت منه أن يناولني الأهم منها في حدود ما بجيبي وسوف أعود اليوم التالي لأخذ البقية.
كان يجلس على كرسيه شاب في حوالي الثلاثين من عمره.عرفت لاحقاً أنه الدكتور صاحب الصيدلية.يبدو أنه سمع ما دار بيني وبين الصيدلي..نهض من كرسيه.وضع كل الأدوية في كيس بلاستيكي ..قال بكل أدب (خذ الدواء.دع ما معك في جيبك. تعال غداً بالمبلغ كله)…
نعم ؟؟؟؟…ماذا قال؟؟؟؟
أنا أرتدي زيي السوداني المعروف..سحنتي تعلن سودانيتي..كانت تلك أول مرة في حياتي أزور مصراً..ذلك الشاب لا يعرف من أنا..أين أسكن..ولا حتى إسمي !!
ويا قوم حملت الكيس وما حمل..خرجت منه ووالله بالله تالله ..بللت الدموع وجهي جراء التأثر…إكتظت نفسي بأحاسيس بالغة الحلاوة والجمال..شعرت أنني ب (المدينة الفاضلة) التي قيل عنها…وأنني قد لقيت (الفردوس المفقود).
كانت زوجتي في غاية الدهشة وهي تنصت لما أقص عليها.
ذهبت صبيحة اليوم التالي..مددت يدي بالمبلغ كاملاً…تلعثمت من التأثر وأنا أحاول شكره..سدت العبرة حلقي..حضنني الشاب وهو يقول في صدق برهن عليه فعله…..(نحن اخوات).
مضت الأيام..تعرفت على جيراني المصريين..أصبحت واحداً منهم.أتمشى في الشارع..أُحيي وأُحيا..كأنما أنا في أحد شوارع (بيت المال) ب ( أم در ).
بيني وبين إخوتي المصريين مواقف إنسانية..أخوية كثيرة ومتعددة..أخشى التطويل عليكم إن أمعنت في سردها ….إي والله.
قلبي يتقطع وأنا أقرأ ما يدور في وسائط التواصل من شتائم يندى لها الجبين بين شعبين شقيقين..تربطهما وشائج الجوار..والنسب..والدم.
ذلك القبح الذي يجرح القلب في رايي نتاج لغبن سياسي…وعدم توازن في العلاقة الرسمية البينية. لا ذنب للشعبين في ما يحدث.نحن نحب المصريين والمصريون يحبوننا.
ولكي نحافظ على ذلك الحب لزام على الدولتين (الرسميتين) أن يعيدا صياغة التعامل بينهما.وأخص الجانب السوداني بأن يعرف حقوق الوطن والشعب عليه..وأن لا يفرط في تلك الحقوق..ولا قول عندي للجانب الرسمي المصري فهو يحافظ على حقوق وطنه ومواطنيه..ويرسم من السياسات ما يحقق ذلك…على الجانب السوداني أن يفعل مثلهم..حينها تتساوى كفتا الميزان…وإلا فالقادم يؤلم.
أما الشعبان فقد كادا – من فرط الحب -أن يكونان شعباً واحداً…تلك حقيقه.

الرشيد العطا
13 / 07 / 2026م
[email protected]
Sent from صحيفة الراكوبة

‫3 تعليقات

  1. لا ليس موقفا شاذا بل تكررت تلك المواقف مع كثير من السودانيين. ومعي تجارب كثيرة واحدة منها انني في مصر من اربع سنوات وتقريبا المترو هو اداتي للمواصلات . تقريبا في 80 في المية من مشاويري اجد من يطلب مني ان اجلس مكانه ويلح علي اذا اعتذرت وملامحي واضح انها ملامح سودانية. سؤال بسيط وبأمانة هل كنا نعمل نفس التصرف مع اخوتنا اللأجئين من ارتريا واثيوبيا؟ …. تعج اسواق القاهرة وطرقاتها ببائعات الكسرة والدكوة والقنقوليز ولا يجدون مضايقة من المصريين بدليل ان نفس الأوجه موجودة لأكثر من عام وفي نفس المكان. وسؤال بسيط آخر تخيل ان بعض المصريات يفترشن الشوارع في المدن السودانية فماذا تكون ردة فعلنا وتعاملنا معهم . اظن الجواب واضح. اما التواجد الكثيف للسودانيين في الفيصل وفي غيره ايضا يحيلنا الى نفس الأسئلة السابقة. شوفوا اللي بيحصل حاليا في امريكا او الهجمة العنيفة ضد الأفارقة في جنوب افريقيا فاذا تذمر الاخوة المصريين من الوجود السوداني الكثيف فيمكن ان نجد لهم الف عذر اذا كنا امينين وصادقين في تقصينا الحقيقة في انفسنا وفي ما يجري في العالم من حولنا. فيا اخوانا “خلوها مستورة” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..