السلام مطلب الشعوب

لا شك أن مقترح الهدنة الإنسانية الذي طرحته الإدارة الأمريكية على طرفي الحرب (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع) يشير إلى أن مساعي السلام لم تكن يوماً أمراً منتهي الصلاحية، مهما كانت القيود التي تفرضها القوة العسكرية في الميدان، والتي تراهن عليها أطراف الحرب لتحقيق النصر أو تفادي الهزيمة.
والحقيقة أن الواقع الإنساني على الأرض مؤلم للغاية منذ بداية الحرب، بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف النزاع، والتي عكست انهياراً أخلاقياً لا يمكن إصلاحه إلا في ظل سلام يحقق تطبيق مبادئ الحقيقة والعدالة والإنصاف والمصالحة.
وتشكل هذه المبادئ قاسماً مشتركاً في الرغبة الشعبية للسودانيين الذين وضعتهم الحرب بين مطرقة المعاناة اليومية وسندان آلة الحرب التي حصدت الأرواح البريئة، وحولت المدنيين من ضحايا للحرب إلى أهداف مشروعة، نتيجة تجييش بعض المدنيين والزج بهم في معارك عسكرية شرسة.
ولا جدال في أن السلام أصبح مطلباً شعبياً، إلى درجة انخفاض ضجيج شعار «بل بس»، وارتفاع صوت «لا للحرب».
إلا أن انزلاق قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان في شهوة السلطة يدفعه دائماً إلى العيش في الوهم الرغائبي الذي يصور له إمكانية هزيمة قوات الدعم السريع والقضاء على آخر جندي فيها، إلى درجة جعلته يصر على خيار الاستمرار في الحرب، التي تحولت من مظهر لارتفاع حدة الصراع بينه وبين قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو بشأن الاتفاق الإطاري، إلى أداة لضمان بقائه في سلطة بورتسودان.
وبلا شك، أصبح البرهان عقبة كؤوداً أمام أي مقترح للهدنة يهدف إلى إيصال المساعدات الإنسانية وتهيئة المناخ للسلام العادل والشامل.
وما لم يتحرر البرهان من فكرة أن الحرب لم تعد تدور في إطار الصراع بين قائدي المكون العسكري (البرهان وحميدتي) على السلطة، فلن يستطيع أن ينظر إلى قيمة السلام وأهميته في الحفاظ على وحدة الوطن وحفظ دماء السودانيين.
وسيظل عقله وعقول غيره أسيرة لسردية «حرب الكرامة»، التي يوظف فيها الإسلاميين الذين يطمحون إلى العودة الكاملة إلى السلطة عبر دعمه، ليشكلوا له حاضنة سياسية.
لقد ظل البرهان يلعب دور الوطني الحريص على مصلحة الشعب، ويصور نفسه للجميع على أنه الضحية، وأنه يقع تحت ضغوط الإسلاميين الذين يعرقلون مسيرة السلام.
كما ظل يسوق هذا الخطاب للمجتمع الدولي الذي قد لا يدرك حقيقة أنه يستغل الإسلاميين لضمان بقائه في السلطة، ولذلك يتخوف من أي خطوة من شأنها أن توقف دوي المدافع وأزيز الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة.
فالبرهان يخشى السلام العادل الذي من شأنه أن ينهي عهد الحكومات العسكرية، وأن يفتح الباب أمام إعادة تشكيل جيش وطني موحد يضم مختلف التشكيلات العسكرية، تكون مهمته حماية الوطن من العدوان الخارجي، لا السيطرة على مقاليد الحكم.
وقد عمل إعلام الموالين للحرب على تسويق خطاب يوحي بأن قرار إيقاف الحرب وتحقيق السلام خرج من أيدي السودانيين، وأن لا قائد الجيش ولا قائد الدعم السريع يستطيع أن يقول: «نعم للسلام».
والمؤسف أن كثيرين يروجون لهذا الحديث؛ بعضهم بحسن نية، وبعضهم الآخر بخبث.
لقد أفرزت هذه الحرب مجموعات لها مصالح في استمرارها.
وفي مقدمة هذه المجموعات قيادات المؤسسة العسكرية والإسلاميون، الذين ترتبط مصالحهم مباشرة بالبقاء في السلطة.
أما المجموعة الثانية فتضم أصحاب المصالح غير المباشرة من شركات ومؤسسات ومجموعات محلية وسياسيين وإعلاميين وتجار وشخصيات مجهولة صنعت لنفسها هالة إعلامية تحت شعار مناصرة الجيش، إضافة إلى بعض المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
أما المجموعة الثالثة فتشمل دول الجوار وبعض الحكومات الإقليمية والدولية.
وعلى الوساطة الأمريكية أن تقرأ بدقة مدى تأثير هذه المجموعات في استمرار الحرب، في مقابل مطالب أصحاب المصلحة الحقيقيين في السلام، والمتمثلة في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة والعدالة والمساواة والحرية.
فإذا أرادت الأطراف السودانية الوصول إلى سلام لا توجد قوة في الأرض تحول بينها وبينه.
السلام مطلب الشعوب.




نعم السلام مطلب الشعوب ولكن لامفاوضات مع الجنجويد المغتصبين القتله اللصوص العملاء
لا سلام في السودان إلا بعد نهاية افرازات الكيزان