الأبيض بين حق المدنيين في النجاة وحسابات سلطة بورتسودان

طارق خاطر
في كل الحروب تبقى هناك حقيقة أخلاقية وقانونية لا يجوز الالتفاف حولها: فالمدنيون ليسوا جزءاً من المعركة، ولا ينبغي أن يتحولوا إلى أدوات في صراع المتحاربين. ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول مدينة الأبيض اليوم يجب أن يبدأ من سؤال واحد: هل يملك سكان المدينة الحق في مغادرتها بأمان إذا رأوا أن ظروف الحرب باتت تهدد حياتهم؟ الإجابة التي يقررها القانون الدولي الإنساني، ويؤكدها الضمير الإنساني معاً، هي: نعم، بلا تردد ولا مواربة.
لقد أصبحت الأبيض، خلال الأشهر الأخيرة، واحدة من أهم بؤر الصراع في الحرب التي فرضتها كتائب الإسلاميين على السودان وأهله، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي الرابط بين أقاليم البلاد المختلفة، وإنما أيضاً بسبب ما تمثله من ثقل سكاني وإنساني. ومع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية، برزت مطالب متزايدة بضرورة تحييد المدنيين وفتح ممرات آمنة تسمح للراغبين في المغادرة بالخروج بعيداً عن أخطار المواجهات المحتملة.
وفي هذا السياق، أعلنت قوات الدعم السريع وتحالف تأسيس، بصورة واضحة، استعدادهما للتعاون في فتح ممرات إنسانية آمنة لخروج المدنيين الراغبين في مغادرة المدينة. ومن حيث المبدأ، فإن أي خطوة تهدف إلى إبعاد المدنيين عن مناطق الخطر تتسق مع القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي يوجب على أطراف النزاع اتخاذ كل التدابير الممكنة للحد من الأضرار الواقعة على السكان المدنيين.
غير أن اللافت للنظر هو استمرار رفض سلطة بورتسودان لأي ترتيبات من هذا النوع، في وقت تزايدت فيه التقارير والشهادات المتداولة حول القيود التي تواجه بعض سكان الأبيض الراغبين في مغادرة المدينة، في ظل تصاعد المخاطر الإنسانية المرتبطة بالقتال. وهو ما يثير سؤالاً بالغ الخطورة: هل أصبح المدنيون، عملياً، عالقين داخل منطقة نزاع، بينما تتعامل سلطة بورتسودان مع وجودهم بوصفه عاملاً ذا قيمة عسكرية أو سياسية؟
وهو أمر يثير تساؤلات سياسية وإنسانية مشروعة. فإذا كانت الغاية المعلنة هي حماية السكان، فلماذا يُنظر إلى فكرة الممرات الآمنة بوصفها تهديداً، بدلاً من اعتبارها إجراءً احترازياً لحماية الأرواح؟
ويمكن فهم هذا الرفض من خلال قراءة أوسع لطبيعة المسار الذي اتخذته الحرب في العقلية العسكرية لكتائب بورتكيزان. فمنذ اندلاع الصراع، لم تعد المدن، في نظر هذا المعسكر، مجرد مسارح للعمليات العسكرية، وإنما أصبحت أيضاً رموزاً سياسية ومعنوية. وهكذا تحولت الكثافة السكانية إلى أحد عناصر الصراع، إذ تمنح المدينة المأهولة بالسكان قيمة سياسية وإعلامية أكبر من المدينة الخالية.
ولذلك ينشأ دائماً تردد لدى الطرف المتقدم عسكرياً عند التعامل مع المدن المكتظة بالسكان، إذ يجد نفسه أمام معادلة صعبة بين مقتضيات العمل العسكري ومتطلبات الحماية الإنسانية. وفي هذا السياق أن سلطة بورتسودان تراهن على بقاء المدنيين داخل المدينة، بما قد يترتب عليه من خسائر إنسانية يمكن توظيفها سياسياً وإعلامياً ضد قوات الدعم السريع وتحالف تأسيس، كما حدث في أكثر من واقعة انسحبت فيها قواتها بعد تعرض المدنيين لانتهاكات، وكان آخرها ما شهدته مدينة الفاشر.
فإذا كان جيش بورتسودان وكتائبه المساندة من الإسلاميين يرون أن هناك مخاطر أمنية حقيقية في فتح الممرات، فعليهم أن يوضحوها للرأي العام، وأن يقدموا بديلاً عملياً يضمن خروج المدنيين بأمان.
وتاريخياً، ظلت المنظمات الدولية المعنية بالنزاعات المسلحة تؤكد أن وجود أعداد كبيرة من المدنيين داخل مناطق الاشتباك يضاعف المخاطر الإنسانية ويقيد الخيارات العسكرية للأطراف المتحاربة.
ولهذا السبب، تُعد عمليات الإجلاء الطوعي والممرات الإنسانية من الأدوات المعترف بها دولياً للتخفيف من آثار الحرب، شريطة أن تتم بصورة طوعية وآمنة، ودون إكراه.
إن جوهر القضية في الأبيض ليس سوى سؤال واحد: هل سيُمنح سكانها حق الاختيار الحر بين البقاء والمغادرة؟ فالمدني الذي يشعر بأن حياته أو حياة أسرته مهددة يجب ألا يُجبر على البقاء رهينةً لاعتبارات سياسية أو عسكرية لا يملك التأثير فيها. وعلى سلطة بورتسودان أن تتحلى، ولو قليلاً، بالمسؤولية الأخلاقية تجاه إنسان الأبيض.
كما أن رفض أي مبادرة إنسانية بصورة مطلقة يضعف الخطاب الذي ترفعه سلطة بورتسودان بشأن حماية المواطنين. فحماية المدنيين لا تتحقق بالشعارات ولا بالخطابات، وإنما بتمكينهم من الوصول إلى الغذاء والدواء والأمان، وضمان حقهم في الابتعاد عن مناطق الخطر متى أرادوا ذلك.
ومن الناحية السياسية، فإن التعاطي الإيجابي مع الدعوات الرامية إلى فتح ممرات إنسانية كان يمكن أن يحقق عدة مكاسب لكتائب البرهان في آن واحد: تخفيف الضغط الإنساني عن المدينة، وتقليل احتمالات وقوع خسائر بين المدنيين، وإرسال رسالة إيجابية إلى المجتمعين الإقليمي والدولي بأن حماية الإنسان السوداني تتقدم على الحسابات العسكرية الضيقة. غير أن الوقائع، في نظر كثيرين، توحي بأن هذه السلطة ما تزال تقدم منطق الحرب على منطق السلام، ومنطق الدم على منطق الحياة.
إن الأبيض اليوم تقف أمام مفترق طرق بالغ الحساسية، ولهذا فإن المطلب الإنساني الأكثر إلحاحاً هو ضمان حق سكانها في الأمان، وفتح الممرات اللازمة لخروج الراغبين في المغادرة، والسماح للجهات الإنسانية بالقيام بدورها دون عوائق. فحياة المدنيين يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وألا تتحول المدينة وأهلها إلى رهائن في حرب يدفع ثمنها الأبرياء أكثر من أي طرف آخر.



