مقالات وآراء

التعقيدات الأيديولوجية للمشهد السوداني: من جذور الهوية إلى صراع الدولة الحديثة

لم يكن السودان يومًا مجرد جغرافيا سياسية نشأت عند الاستقلال، بل هو نتاج تاريخ طويل تداخلت فيه الحضارات والممالك والمشروعات الفكرية والسياسية.
ولذلك فإن محاولة فهم الأزمة السودانية الراهنة لا يمكن أن تبدأ من لحظة اندلاع الحرب أو من صراع النخب المعاصرة فقط، وإنما تحتاج إلى العودة إلى الجذور التي تشكلت عبرها الدولة والمجتمع، وإلى تتبع المسار الذي انتقلت فيه الأفكار من المجال الديني والاجتماعي إلى المجال السياسي، حتى أصبحت الأيديولوجيا أحد أهم محركات الصراع حول السلطة والدولة.
لقد تشكلت ملامح السودان التاريخي عبر ممالك وسلطنات كان لها أثر كبير في بناء الهوية السياسية والاجتماعية، وفي مقدمتها سلطنتا دارفور وسنار، اللتان تمثلان محطتين أساسيتين في تكوين الدولة السودانية بصورتها الحديثة.
فقد كان الإسلام حاضرًا في بنية الحكم والمجتمع، ليس فقط باعتباره معتقدًا دينيًا، وإنما باعتباره نظامًا ثقافيًا وقانونيًا وتعليميًا أسهم في تنظيم الحياة العامة.
ومن خلال المؤسسات الدينية والقضائية والتعليمية، أصبح الإسلام جزءًا أصيلًا من تكوين المجتمع السوداني، وهو واقع تاريخي لا يمكن تجاهله عند تحليل طبيعة الدولة السودانية.
غير أن حضور الإسلام في المجتمع لم يكن دائمًا مطابقًا لاستخدامه السياسي، فهناك فرق بين الدين باعتباره مكونًا ثقافيًا وروحيًا للمجتمع، وبين تحويله إلى مشروع سياسي يسعى لاحتكار الدولة والسلطة.
وهذه المسافة بين الدين والسياسة ظلت واحدة من القضايا المركزية التي طبعت التاريخ السياسي السوداني الحديث.
وجاءت الثورة المهدية في القرن التاسع عشر لتشكل أول مشروع سياسي واسع النطاق يقوم على مرجعية إسلامية واضحة.
فقد لم تكن المهدية مجرد حركة مقاومة ضد الحكم التركي المصري، بل كانت محاولة لبناء دولة جديدة تحمل تصورًا مختلفًا للسلطة والمجتمع.
واستطاعت خلال فترة قصيرة أن توحد مناطق واسعة من السودان تحت راية واحدة، وترسخ فكرة أن الدين يمكن أن يكون مصدرًا للشرعية السياسية وبناء الدولة.
لكن سقوط الدولة المهدية وبداية الحكم الاستعماري البريطاني المصري أدخلا السودان في مرحلة جديدة أعادت تشكيل مؤسسات الدولة وطبيعة النخبة السياسية.
فقد عمل الاستعمار على بناء جهاز إداري حديث، وإدخال التعليم المدني، وتأسيس مؤسسات الدولة الحديثة، لكنه في الوقت نفسه أبقى على كثير من البنى الاجتماعية والدينية القائمة.
ومن هنا بدأت تتكون نخبة جديدة تحمل أفكارًا مختلفة حول مستقبل السودان، بعضها متأثر بالحداثة الغربية، وبعضها متمسكًا بالإرث الديني والثقافي للمجتمع.
وعندما جاء الاستقلال عام 1956، وجد السودان نفسه أمام تحدٍ كبير؛ فقد امتلك دولة بحدودها السياسية، لكنه لم يمتلك توافقًا حول مشروعها الوطني.
فبرز السؤال الأساسي: ما طبيعة الدولة السودانية؟ هل هي دولة تستند إلى هويتها الإسلامية والتاريخية؟ أم دولة مدنية حديثة تفصل بين المجال الديني والسياسي؟ أم صيغة تجمع بين الاثنين في إطار المواطنة والتنوع؟
ومن هنا بدأت مرحلة طويلة من الصراع الأيديولوجي بين التيارات السياسية المختلفة.
فقد تنافست القوى الإسلامية والقومية واليسارية والطائفية حول تعريف الدولة ومصدر الشرعية السياسية.
ولم يكن الخلاف فقط حول البرامج الاقتصادية أو الإدارية، وإنما حول سؤال أعمق يتعلق بهوية الدولة ومستقبلها.
وقد زادت الحكومات العسكرية من تعقيد هذا الصراع، لأن تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة لم يكن مجرد تغيير للحكومات، بل كان يحمل في كل مرحلة تصورًا معينًا لطبيعة الحكم.
ففي عهد الفريق إبراهيم عبود غلب الطابع الإداري المركزي على مشروع الدولة، بينما شهد عهد جعفر نميري تحولات فكرية وسياسية كبيرة، بدأ فيها قريبًا من التيار اليساري ثم انتهى إلى تبني خطاب إسلامي في سنواته الأخيرة.
أما تجربة الحركة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة عام 1989 عبر نظام الإنقاذ فقد مثلت أكثر التجارب وضوحًا في محاولة تحويل مشروع أيديولوجي إلى مشروع دولة.
فقد سعت إلى إعادة صياغة مؤسسات الدولة والمجتمع وفق رؤية إسلامية سياسية، ونجحت في تثبيت سلطتها لثلاثة عقود، لكنها في الوقت نفسه واجهت تحديات كبيرة بسبب طبيعة الحكم، والصراعات الداخلية، والحروب، والضغوط الدولية، مما جعل تجربتها محل جدل واسع بين من يرون فيها مشروعًا وطنيًا له إيجابياته، ومن يعتبرونها سببًا في تعميق أزمة الدولة السودانية.
وفي المقابل، ظلت الأحزاب السياسية السودانية تعاني من أزمة المشروع الوطني الجامع.
فالأحزاب التقليدية ارتبطت بإرث تاريخي واجتماعي، بينما حملت الأحزاب العقائدية مشاريع كبرى لإعادة تشكيل الدولة.
أما الحركات المسلحة فقد عبرت في جانب كبير منها عن مطالب مرتبطة بالتهميش السياسي والاقتصادي وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة.
وعقب سقوط نظام الإنقاذ، جاءت حكومة الفترة الانتقالية بقيادة قوى الحرية والتغيير وهي تحمل خطابًا يقوم على بناء دولة مدنية ديمقراطية وإنهاء هيمنة النظام السابق.
غير أن المرحلة الانتقالية اصطدمت بتعقيدات الواقع السوداني، فالصراع بين المدنيين والعسكريين، وضعف التوافق الوطني، واستمرار تأثير القوى المختلفة، جعل الانتقال السياسي هشًا وغير قادر على معالجة جذور الأزمة.
ومع تصاعد الخلافات بين المكونات المدنية والعسكرية، عاد سؤال الشرعية إلى الواجهة مرة أخرى.
فالمؤسسة العسكرية بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان قدمت نفسها باعتبارها حامية للدولة ومؤسساتها، بينما رأت قوى أخرى أن استمرار الدور السياسي للعسكر يمثل عائقًا أمام بناء نظام ديمقراطي مدني.
ثم جاء الصراع الحالي ليكشف عمق الأزمة السودانية، فهو ليس مجرد مواجهة عسكرية بين قوى متحاربة، وإنما هو أيضًا صراع على تعريف الدولة ومن يملك حق قيادتها.
فالمعركة تدور حول السلطة والنفوذ والشرعية، لكنها في جوهرها تعكس تنافسًا بين رؤى مختلفة لمستقبل السودان.
وكل طرف يحاول تقديم نفسه باعتباره الأقدر على حماية الدولة أو إعادة بنائها، مستندًا إلى خطاب سياسي يسعى لكسب التأييد الداخلي والقبول الخارجي.
غير أن التجربة السودانية أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع بناء دولة مستقرة، كما أن الانتصار الأيديولوجي لطرف على آخر لا يؤدي بالضرورة إلى السلام.
فالدولة تحتاج إلى مشروع وطني قادر على استيعاب التنوع، وتحقيق العدالة، وبناء المؤسسات.
أما النظرة الدولية للأزمة السودانية، فهي تنطلق بدرجة أكبر من اعتبارات الاستقرار وبناء الدولة، وليس من الانحياز إلى أيديولوجيا معينة.
فالمجتمع الدولي يبحث عن سلطة قادرة على إدارة البلاد، وحماية المدنيين، ومنع انهيار الدولة، وتحقيق السلام.
ولذلك فإن مستقبل السودان لن يُحسم فقط عبر موازين القوة، وإنما عبر قدرة السودانيين على الوصول إلى توافق تاريخي حول شكل الدولة ونظام الحكم.
إن السودان لا يحتاج إلى إنكار تاريخه أو القطيعة مع هويته، كما لا يحتاج إلى استخدام التاريخ لفرض الإقصاء.
المطلوب هو بناء دولة حديثة تستوعب حقيقة أن المجتمع السوداني له جذور دينية وثقافية عميقة، وفي الوقت نفسه تضمن المواطنة المتساوية لجميع أبنائه.
فالأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة حكم فقط، وإنما أزمة تعريف للدولة نفسها.
والخروج منها يتطلب الانتقال من صراع المشاريع المغلقة إلى مشروع وطني جامع، يجمع بين احترام التاريخ ومتطلبات المستقبل، وبين هوية المجتمع وحقوق المواطن، وبين إرادة السودانيين وتطلعات العالم نحو دولة مستقرة وآمنة.
،،، تحياتي ،،،

‫2 تعليقات

  1. من التشخيص إلى البناء
    قراءة تكاملية في مقال “التعقيدات الأيديولوجية للمشهد السوداني”
    بقلم: د. علي عبدالله الخليفة طه
    17 يوليو 2026
    مدخل: تاريخ رصين يتوقف عند حدود الوصف
    يقدّم مقال الأستاذ زكريا آدم علي “التعقيدات الأيديولوجية للمشهد السوداني” مسحًا تاريخيًا متماسكًا وممتعًا لمسار الدولة السودانية منذ سلطنتي الفونج ودارفور، مرورًا بالمهدية والاستعمار، وصولًا إلى الصراع الراهن. وهو محق في تشخيصه الأساسي: أن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد اقتتال على السلطة بين طرفين، بل صراع أعمق حول من يملك حق تعريف الدولة ذاتها. وهذا وحده يكفي لتمييز المقال عن كثير مما يُكتب في هذا الباب. ولعل الملاحظة الوحيدة التي يمكن أن تُضاف، لا نقدًا بقدر ما هي دعوة لاستكمال المسار، أن المقال – شأنه شأن أغلب الكتابات الرصينة التي تتناول اللحظة السودانية – يصف الأزمة بدقة مؤرخ، ثم يغادرها بخطاب أخلاقي جامع: “مشروع وطني جامع”، “توافق تاريخي”، دون أن يمضي خطوة أخرى نحو تحديد الآلية التي يتحول بها هذا الطموح إلى مؤسسة قابلة للعمل. وهذه الخطوة الإضافية هي ما تحاول هذه القراءة أن تقترحه، تكملةً لا تصويبًا.
    موضع الاتفاق: الصراع على تعريف الدولة لا على غنائمها
    لا خلاف حول الفرضية المركزية. حين يكتب الكاتب أن “المعركة تدور حول السلطة والنفوذ والشرعية، لكنها في جوهرها تعكس تنافسًا بين رؤى مختلفة لمستقبل السودان”، فهو يصوغ بلغته الخاصة ما استقر عليه ميثاق النجاة وبناء الدولة منذ مسودته الأولى: أن أزمة السودان أزمة تأسيس لا أزمة إدارة. وكذلك ملاحظته أن “الانتصار الأيديولوجي لطرف على آخر لا يؤدي بالضرورة إلى السلام” تتقاطع مع نقدنا المتكرر – في قراءة تجربة الحوار التنموي وخطاب “ميزان الضعف” على حد سواء – لكل مشروع يفترض أن الحسم العسكري أو الأيديولوجي كافٍ لبناء دولة.
    أولًا: العدالة الانتقالية الغائبة عن السرد
    يستعرض المقال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ، وحربًا مستمرة أزهقت أرواحًا وشرّدت الملايين، وهو استعراض تاريخي دقيق في حدوده. غير أن غياب أي ذكر للمساءلة أو التعويض أو المصالحة عن هذا السرد يستحق التوقف عنده، لأنه يكشف – ربما دون قصد من الكاتب – عن ميل شائع في هذا النوع من الكتابة: حين يُختزل الحل في “توافق تاريخي” بين النخب والتيارات، قد تغيب الضحية عن المعادلة، لا لأن أحدًا تجاهلها عمدًا، بل لأن الإطار التحليلي نفسه لم يترك لها مكانًا.
    لعل أي “مشروع وطني جامع” يحتاج، ليكون جامعًا بالفعل، أن يمر عبر مسار عدالة واضح، لا أن يتجاوزه إلى مصالحة نخبوية قد تعيد – دون أن تقصد – إنتاج الإفلات من العقاب.
    الميثاق يقترح هنا بديلًا إجرائيًا محددًا، بروح استكمالية لا استدراكية: بنية ثلاثية المستوى تبدأ بمجالس المصالحة المحلية القريبة من مواقع الأذى المباشر، تليها مفوضية للحقيقة والتعويض تمنح الاعتراف الرسمي للضحايا، وتُتوَّج بدائرة قضائية للجرائم الكبرى تتعامل مع ما تتجاوز فيه الجرائم القدرة الاستيعابية للمصالحة المجتمعية. وهذا التدرج، في تقديرنا، هو ما قد يفرق بين دولة تبني شرعيتها على الاعتراف بالماضي، ودولة تخاطر – بحسن نية – بتكرار دورة الإفلات ذاتها التي أنتجت الحرب الحالية.
    ثانيًا: التوافق بلا آلية – سؤال “كيف” المفقود
    يدعو المقال إلى “توافق تاريخي حول شكل الدولة ونظام الحكم”، وهي دعوة نتفق معها تمامًا من حيث المبدأ. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح تكملةً لها، لا اعتراضًا عليها، هو سؤال الآلية: توافق بين من؟ عبر أي تمثيل؟ وبأي وزن نسبي بين مركز مكتظ بالنخب وأطراف ظلت تاريخيًا بعيدة عن معادلة القرار؟ فبدون تحديد ذلك، يبقى “التوافق” هدفًا نبيلًا يحتاج إلى مسار واضح يوصله إلى التطبيق.
    هذا هو بالضبط ما يحاول الركن الرابع في الميثاق أن يقترحه: شرعية صاعدة من الأطراف إلى المركز، تُبنى عبر تمثيل إقليمي وظيفي، وتُحسم عبر آلية التوافق الموزون التي تحول دون احتكار أي مكوّن للقرار مهما كانت قوته العسكرية أو الاقتصادية. وهي ملاحظة قريبة مما سبق أن طرحناه عند قراءة نموذج حمودة الكونفدرالي: مقترح بنيوي طموح ومحترم، يستفيد – في تقديرنا – من آلية شرعية تصاعدية ومسار عدالة يمنحانه ثقة شعبية أعمق.
    ثالثًا: الاقتصاد السياسي للحرب – السيادة المالية المنسية
    يشير المقال إلى “عدم العدالة في توزيع السلطة والثروة” كأحد أسباب نشوء الحركات المسلحة، وهو رصد صحيح ومهم. ولعله كان يستحق سطرًا إضافيًا يشير إلى الشبكات الاقتصادية الموازية التي حوّلت موارد السودان – من الذهب إلى الأراضي الزراعية – إلى وقود لاستمرار الحرب بدل أن تكون رافعة لإعادة الإعمار. فأي حديث عن “دولة مستقرة” قد يستفيد من ربط ذلك بشرط تأسيسي واضح: تفكيك هذه الشبكات، وإخضاعها لآليات تتبّع من طراز عملية كيمبرلي أو تجربة استرداد الأصول في جنوب أفريقيا، حتى لا يبقى الحديث عن الاستقرار حديثًا عن العرَض دون السبب.
    رابعًا: من الافتقار إلى النفير – أساس فلسفي غائب
    ولعل النقطة الأعمق التي يمكن أن تُثري المقال ليست تفصيلًا مؤسسيًا بل سؤالًا فلسفيًا: لماذا يقبل طرف متغلب أن يتنازل عن جزء من سلطته لصالح توافق لم يفرضه ميزان القوة؟ المقال، بحكم طبيعته التحليلية، يميل إلى افتراض أن العقلانية السياسية وحدها كفيلة بدفع الأطراف نحو التوافق. والتجربة السودانية، شأن تجارب انتقالية كثيرة غيرها، تذكّرنا بأن من يملك القوة نادرًا ما يتنازل عنها بدافع عقلاني بحت وحده.
    هنا يقدّم مفهوم الافتقار، بصياغته الفلسفية لا الدينية المحضة كما استلهمناه من حكم ابن عطاء الله، مدخلًا مختلفًا: الاعتراف بأن كل طرف في الأزمة السودانية – العسكري والمدني، المركز والهامش – يقف في موقع افتقار وجودي إلى الآخر، وأن لا أحد يملك اكتفاءً ذاتيًا يبرر له احتكار تعريف الدولة. وهذا الافتقار، حين يُترجم اجتماعيًا، يجد صورته الحية في تقليد النفير السوداني: التعاضد الذي لا ينتظر أمرًا من فوق بل ينبثق من حاجة متبادلة معترف بها. النفير الوطني الكبير، بوصفه الأداة الشعبية لتنفيذ الميثاق، ليس استعارة شعرية بل هو محاولة لترجمة هذا الأساس الفلسفي إلى فعل تنظيمي على الأرض – وهو ما يظل غائبًا تمامًا عن خطاب “المشروع الوطني الجامع” كما ورد في المقال.
    خاتمة: من الشعار إلى المعمار
    مقال الأستاذ زكريا آدم علي يستحق الإشادة بوصفه محاولة جادة وممتعة القراءة لوضع الأزمة الراهنة في سياقها التاريخي العميق، ولرفضه اختزال تحليل السودان إلى تفسير عسكري أو أيديولوجي بسيط. وما تحاول هذه القراءة أن تضيفه ليس تصويبًا بقدر ما هو استكمال طبيعي لمسار فكري يشترك معه في نقطة الانطلاق ويختلف قليلًا في نقطة الوصول: أن العبارات الجامعة مثل “مشروع وطني جامع” تكتسب قوتها الكاملة حين تُستكمل بإجابات عملية – جامع بأي آلية شرعية، عادل بأي مسار عدالة، مستقر بأي سيادة مالية. الميثاق لا يزعم امتلاك إجابة نهائية على هذه الأسئلة، لكنه يحاول أن يقترح لها معمارًا أوليًا قابلًا للنقاش والتطوير، بدل الاكتفاء بترديدها في السطر الأخير – وهو مسعى نأمل أن يلتقي فيه مع جهود الأستاذ زكريا ومع غيره من الكتابات الجادة التي تتناول هذه اللحظة المفصلية من تاريخ السودان.

    1. عندما يختلف المنهج لا تتناقض النتائج… قراءة في ملاحظات د. علي عبدالله الخليفة طه
      بقلم الاستاذ : زكريا آدم علي عبدالرسول
      أبدأ بتقديم خالص الشكر والتقدير للدكتور علي عبدالله الخليفة طه على قراءته العميقة لمقالي “التعقيدات الأيديولوجية للمشهد السوداني”. فقد جاءت قراءته نموذجًا محترمًا للحوار الفكري الذي نفتقده كثيرًا في فضائنا العام، حيث ناقش الفكرة بالفكرة، والحجة بالحجة، بعيدًا عن الشخصنة أو المصادرة. وما أورده من إشادة بالمقال، واعتباره من المحاولات الجادة التي تميز بين الصراع على السلطة والصراع على تعريف الدولة، يمثل تقديرًا أعتز به، خاصة أنه صادر من باحث يمتلك مشروعًا فكريًا واضح المعالم.
      ومع هذا التقدير الكامل، أرى أن بعض الملاحظات التي أوردها الدكتور الكريم نشأت من اختلاف في طبيعة النص نفسه، أكثر مما نشأت من نقص في مضمونه.
      لقد كُتب المقال ابتداءً بوصفه قراءة تحليلية لمسار تشكل الأزمة السودانية، ولم يُكتب باعتباره ميثاقًا سياسيًا أو برنامجًا تأسيسيًا لبناء الدولة. وهناك فرق جوهري بين النصين؛ فالمقال التحليلي يجيب عن سؤال “كيف وصلنا إلى هنا؟”، بينما تجيب الوثيقة السياسية عن سؤال “إلى أين نذهب؟ وكيف؟”. وإذا اختلط السؤالان، حُمّل النص ما لم يُكتب من أجله.
      ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة المقال بتقديم آليات تفصيلية للعدالة الانتقالية، أو هندسة التمثيل السياسي، أو بناء المؤسسات، تشبه مطالبة الطبيب الذي يشرح أسباب المرض بأن يقدم في الصفحة نفسها الخطة التنفيذية الكاملة للعلاج وإعادة التأهيل. فلكل مقام أدواته ومنهجه.
      وقد أشار الدكتور إلى غياب العدالة الانتقالية عن المقال، ورأى أن الحديث عن المشروع الوطني الجامع قد يهمش الضحية. والحقيقة أن المقال لم يكن بصدد مناقشة أدوات إدارة المرحلة الانتقالية، وإنما كان يناقش الجذور الفكرية والسياسية التي أنتجت الأزمة. فالعدالة الانتقالية ليست سببًا للحرب حتى تُدرج ضمن تحليل أسبابها، وإنما هي إحدى أدوات معالجة آثارها، ولذلك فإن غيابها عن مقال يبحث في التشخيص لا يعني إغفال أهميتها، وإنما يعني ببساطة أنها تقع خارج الإطار المنهجي الذي اختاره الكاتب.
      والأمر ذاته ينطبق على السؤال الذي طرحه الدكتور حول “آلية التوافق”. فليس كل مقال يتحدث عن ضرورة التوافق ملزمًا بوضع تصميم دستوري أو مؤسسي لهذا التوافق. وإلا لتحول كل مقال فكري إلى مشروع دستور. إن وظيفة المقال كانت إثبات أن الأزمة السودانية أزمة تأسيس للدولة، وأن استمرار منطق الغلبة لن ينتج سلامًا مستدامًا. أما الكيفية التي يُدار بها الحوار الوطني، ومن يمثل فيه، وما هي أوزان التمثيل، فهي موضوعات تستحق دراسات ووثائق مستقلة.
      كما أشار الدكتور إلى الاقتصاد السياسي للحرب والسيادة المالية، وهي قضايا لا خلاف حول أهميتها. غير أن المقال لم يكن دراسة في اقتصاد النزاعات، بل قراءة في التعقيدات الأيديولوجية للمشهد السوداني. لذلك كان من الطبيعي أن يركز على الأفكار والرؤى التي تحرك الصراع، لا على شبكات التمويل أو تجارة الذهب أو الاقتصاد الموازي، وهي موضوعات واسعة يمكن أن تشكل سلسلة مستقلة من الدراسات.
      أما ما طرحه حول فلسفة “الافتقار” وربطها بالنفير السوداني، فهو اجتهاد فكري يستحق النقاش، لكنه لا يصلح معيارًا يُقاس به مقال لم يتبنَّ هذا المدخل الفلسفي أصلًا. فاختيار إطار نظري معين لا يجعل بقية الأطر النظرية ناقصة، وإنما يعكس اختلافًا في زاوية النظر. لقد اخترت في مقالي تفسير الأزمة من خلال تطور الأفكار السياسية منذ سلطنتي سنار ودارفور وحتى الدولة الحديثة، بينما اختار الدكتور تفسيرًا فلسفيًا وأخلاقيًا يقوم على مفهوم الافتقار. وكلا المنهجين يمكن أن يلتقيا دون أن يلزم أحدهما الآخر.
      ولعل النقطة التي أختلف معها بصورة أوضح هي الإيحاء بأن المقال انتهى عند حدود الوصف. فالواقع أن المقال لم يكتف بالسرد التاريخي، بل انتهى إلى نتيجة فكرية واضحة مفادها أن الدولة السودانية لا يمكن أن تستقر ما لم تتجاوز مشاريع الهيمنة الأيديولوجية إلى مشروع وطني يتأسس على الاعتراف بالتعدد وإعادة تعريف الدولة باعتبارها وطنًا لجميع مواطنيها. وهذه ليست مجرد عبارة إنشائية، بل خلاصة تحليل تاريخي امتد عبر قرون من تطور الدولة السودانية.
      ومن المهم أيضًا التمييز بين ما هو “تفصيل تنفيذي” وما هو “مبدأ مؤسس”. فالمبادئ الكبرى تسبق دائمًا الآليات، لأن الآلية لا تُبنى في الفراغ، وإنما تُبنى على تصور سابق لطبيعة الدولة. ولذلك رأيت أن الانشغال أولًا بإعادة تعريف الدولة السودانية هو المدخل الصحيح، قبل الانتقال إلى تفاصيل العدالة الانتقالية، وتقاسم السلطة، والإصلاح الاقتصادي، وغيرها من الملفات.
      وأؤكد في الختام أن قراءة الدكتور علي عبدالله الخليفة طه تمثل إضافة للحوار الفكري حول الأزمة السودانية، حتى في المواضع التي أختلف معه فيها. فهي تفتح بابًا لنقاش جاد حول العلاقة بين التشخيص والبناء، وبين التحليل والتأسيس، وبين المقال الفكري والوثيقة السياسية.
      ولعل أجمل ما في هذا الحوار أنه يؤكد أن السودان لا يحتاج إلى انتصار رأي على آخر، بقدر ما يحتاج إلى تراكم الأفكار، واحترام اختلاف المناهج، وإيمان الجميع بأن الحقيقة الوطنية الكبرى لا يصنعها صوت واحد، وإنما يصنعها حوار علمي رصين تتكامل فيه الاجتهادات، دون أن يفقد كل اجتهاد استقلاله ومنهجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..