مقالات وآراء

عندما تتحول المبادرات المجتمعية إلى ملكيات خاصة: قصة من شرق النيل

محمد عثمان الخضر

في منطقة شرق النيل بولاية الخرطوم، كما في كثير من الأحياء السودانية، تنشأ المبادرات الخيرية من رحم المجتمع، حيث يجتمع الناس حول فكرة نبيلة ويقدم كلٌ ما يستطيع من مال أو جهد أو وقت من أجل خدمة الجميع. ومن بين هذه المبادرات برزت قصة سيدة بادرت بإنشاء خلاوي لتعليم النساء القرآن الكريم، فوجدت الفكرة دعماً كبيراً من أهل الحي الذين آمنوا برسالتها وأهميتها.

تكاتف الأهالي، فجمعوا التبرعات واشتروا قطعة الأرض التي أقيم عليها المشروع، وساهموا في تشييد المباني وتجهيز الفصول بالمقاعد والمراوح وكل ما يلزم لتوفير بيئة تعليمية مناسبة. وبفضل هذا التعاون، أصبحت الخلاوي منارة لتعليم النساء القرآن الكريم، ثم تطورت لاحقاً إلى مدارس تدرس وفق منهج القرآن الكريم وتقدم خدمات تعليمية متميزة لأبناء المنطقة.

كان الجميع ينظر إلى هذا المشروع باعتباره إنجازاً مجتمعياً خالصاً، شارك في بنائه أهل الحي بمالهم وجهدهم، وكان الأمل أن يظل المشروع مفتوحاً أمام المجتمع وأن يدار بروح الشراكة والشفافية.

غير أن السنوات حملت تحولاً مختلفاً. فقد أصبحت المؤسسة تُدار وكأنها ملكية خاصة، وانقطعت الصلة بين إدارة المشروع وأهل الحي الذين كانوا السبب الأول في قيامه. ولم تعد هناك معلومات متاحة حول إيرادات المشروع أو مصروفاته أو حجم الأرباح والخسائر، كما غابت أي مشاركة مجتمعية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمؤسسة.

وفي الوقت الذي توسع فيه المشروع وافتُتحت مدارس ورياض أطفال أخرى انطلقت من نجاح هذه المؤسسة، لم يكن لأهل الحي أي دور في الإدارة أو الرقابة أو التخطيط. بل إن أبناء المنطقة أنفسهم أصبحوا مطالبين بدفع رسوم دراسية باهظة للحصول على خدمات تعليمية قامت أساساً على أرض اشتراها المجتمع وعلى تبرعات ومساهمات قدمها الأهالي.

إن القضية ليست في نجاح المشروع أو في حق أي شخص في تطوير العمل التعليمي، بل في الحفاظ على روح المبادرة التي تأسس عليها المشروع. فالمؤسسات التي تُبنى بأموال المجتمع وجهوده لا ينبغي أن تتحول مع مرور الزمن إلى ملكيات فردية مغلقة لا يعرف الناس عنها شيئاً، ولا يجدون لأنفسهم فيها صوتاً أو دوراً.

إن هذه القصة من شرق النيل تطرح تساؤلات مشروعة: أين حدود الملكية الخاصة في المشاريع التي نشأت بجهد المجتمع؟ وأين حق المجتمع في معرفة كيفية إدارة المؤسسات التي ساهم في تأسيسها؟ وهل يمكن لمشروع خيري أن يحتفظ برسالته إذا غابت عنه الشفافية والمحاسبة؟

إن المحافظة على ثقة المجتمع تتطلب وجود مجالس إدارة تمثل الأهالي، وتقارير مالية واضحة، وآليات تضمن أن تبقى المشاريع المجتمعية وفية لرسالتها الأولى: خدمة الناس، لا احتكار ما بناه الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..