مقالات وآراء

هل الشعب هو “شرارة اللهب”؟ تفنيد سردية التخوين في الأزمة السودانية

محمد صالح محمد
في غمرة النزاع الدامي الذي يمزق أوصال السودان، تبرز بين الحين والآخر سرديات تحاول إعادة كتابة التاريخ القريب، ليس عبر الوثائق أو التحقيقات الجنائية، بل عبر ليّ عنق الحقائق لتطويعها لخدمة أجندات سياسية معينة.
ومن أخطر هذه السرديات ما روج له أحد الدعاة المشهورين محاولاً إلقاء اللوم في اشتعال الحرب على “تتريس الشوارع” الذي مارسه الشعب السوداني احتجاجاً على الأزمات الاقتصادية وغلاء الخبز.
إن هذه الرواية التي تختزل ثورة شعبية كاملة في “فتيل للحرب” ليست مجرد مغالطة تاريخية، بل هي محاولة ممنهجة لتبرئة القتلة وتحويل الجلاد إلى ضحية، والضحية إلى متهم.
أولاً: التتريس كفعل احتجاجي.. الحق لا يولد الفوضى
إن الربط بين “تتريس الشوارع” كأداة للمقاومة السلمية وبين اندلاع الحرب العسكرية هو خلط متعمد بين “الفعل السياسي” و”الفعل العسكري”.
لقد خرج السودانيون للمطالبة بالكرامة والخبز والحرية، وهي حقوق أصيلة تقرها المواثيق الدولية.
التتريس في العرف السياسي السوداني كان رسالة مدنية تعبر عن رفض السياسات الفاشلة، ولم يكن يوماً دعوة لحمل السلاح.
إن القول بأن احتجاج الشعب على غلاء الخبز هو السبب في إشعال الحرب هو منطق يلوم الضحية على رد فعلها تجاه سوء الإدارة، ويتجاهل حقيقة أن الحرب هي نتاج صراع بين “مراكز قوى” عسكرية لم تكن يوماً جزءاً من مطالب الشارع، بل كانت خصماً لها.
إن محاولة شيطنة الحراك الشعبي هي محاولة لشرعنة العنف العسكري الذي كان يتربص بالدولة من داخل مؤسساتها.
ثانياً: من أطلق الطلقة الأولى؟ البحث عن الجاني الحقيقي
بعيداً عن العواطف والتبريرات الشعبوية، تكشف الحقائق السياسية والتحليلات الاستخباراتية أن “الطلقة الأولى” لم تنطلق من شارع، بل من غرف التخطيط العسكري.
إذا أردنا البحث عن الجاني الحقيقي، فعلينا توجيه البوصلة نحو الجهات التي كانت الأكثر خوفاً وتوجساً من أي استحقاق ديمقراطي أو مدني.
تشير التحليلات الموثقة إلى أن الجهة التي كانت الأكثر رفضاً ومقاومة لبعثة تقصي الحقائق الدولية، ولأي محاولة لكشف الانتهاكات أو ملاحقة المتورطين في جرائم العنف، هي ذاتها الجهة التي تمتلك المصلحة الاستراتيجية في إشعال الحرب.
إن رفض هذه البعثات كان يهدف إلى طمس الأدلة وتغييب العدالة، وهو سلوك لا يصدر عن قوى وطنية تؤمن بسيادة القانون، بل عن أطراف تدرك أن مصيرها مرتبط بـ “الفوضى المنظمة” التي توفرها الحرب.
ثالثاً: الحرب كاستراتيجية للهروب من الاستحقاق
إن فرضية الداعية المذكور تخدم “رواية السلطة” التي ترى في المطالب الشعبية تهديداً لوجودها.
فالحرب في المنظور التحليلي لم تكن سوى “مخرج استراتيجي” لقوى الرفض التي وجدت نفسها أمام حائط مسدود بعد فشل كل محاولاتها لالتفاف على مطالب التغيير.
لقد أشعلت الحرب الجهة التي رأت في المراقبة الدولية تهديداً لامتيازاتها غير المشروعة.
إنهم لا يخشون الشارع لأنه يقطع الطرق، بل يخشونه لأنه يطلب “الشفافية”.
وعندما أدركوا أن المسار المدني سيقود حتماً إلى كشف الحقائق ووضعهم تحت طائلة المحاسبة، كان الخيار الأسهل هو تدمير الدولة وإشعال الحرب لتكون غطاءً يغيب الحقائق ويخلط الأوراق.
الحقيقة أقوى من السرديات المضللة:
إن محاولة تحويل الشعب السوداني إلى “متهم” في قضية هو في الأساس ضحيتها الأولى تعكس حالة من الإفلاس الأخلاقي والسياسي.
إن الشعب الذي تترس في الشوارع كان يبحث عن “دولة” بينما من أشعلوا الحرب كانوا يبحثون عن “بقاء”.
يجب على الجميع، دعاةً كانوا أو سياسيين، التوقف عن تزييف التاريخ.
إن الوقوف في وجه بعثة تقصي الحقائق هو الدليل الدامغ على من يخشى الضوء، ومن يخشى الضوء هو الذي يفضل العيش في ظلام الحرب.
الحرب في السودان لم تبدأ من “تترس”، بل بدأت من “خوف” من العدالة، والحقيقة تظل صامدة.
من رفض المحاسبة هو من أطلق رصاصة الغدر.
نحو استعادة التاريخ من قبضة التضليل
إن السرديات التي تحاول تحميل الشعب السوداني وزر الكارثة ليست سوى انعكاس لعقلية استبدادية تأبى الاعتراف بمسؤوليتها عن الانهيار.
إن محاولات “شيطنة” التتريس والمطالب المدنية، وتصوير الاحتجاج السلمي كونه المحرض على الرصاص، ليست إلا محاولة بائسة لغسل أيدي المتورطين من دم السودانيين، وتغطيةً على الأسباب الحقيقية التي اندلعت من أجلها هذه الحرب.
إن التاريخ في لحظاته الفاصلة لا يكتبه المضللون أو أصحاب الخطاب الشعبوي، بل تكتبه الحقائق الثابتة على الأرض.
وستظل الحقيقة الدامغة أن الحرب في السودان هي وليدة صراع على السلطة والنفوذ، غذّاه الخوف من الانكشاف أمام العدالة، وعززته الرغبة في إجهاض مسار تقصي الحقائق.
إن الشعب الذي قاوم الغلاء وتترس طلباً للحياة لا يمكن أن يكون هو نفسه من أشعل فتيل الفناء.
وما دام الجاني الحقيقي يختبئ خلف “صناعة الروايات المضللة”، تظل الحقيقة هي البوصلة الوحيدة التي ستنتصر في نهاية المطاف، وستظل المساءلة الدولية والعدالة هما الطريق الوحيد للعبور نحو سودانٍ لا تُصادر فيه الحقائق، ولا تُسفك فيه الدماء من أجل حماية عروشٍ لا تليق إلا بمن يخشون العدل.

تعليق واحد

  1. التتريس لم يشرد الشعب بين لاجئين ونازحين….هل من الافضل ان تقفل الشارع بحجارة ام بدبابه….لعنه الله عليكم يا كيزان يا جنجويد دمرتوا البلد بافعالكم وفسادكم وتجارتكم باسم الدين….الشعب السوداني شعب مسالم قام بثلاث ثورات سلميه ضد الطغاه‍ واخرها ثوره ديسمبر المجيده التي ازهلت العالم لذلك قامت هذه الحرب اللعينه التي هدفها هو الانتقام من الشعب السوداني…… اللهم أضرب الظالمين بالظالمين وأخرج الشعب السوداني منهم سالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..