الأبيض بين الأدلة المحجوبة وأفواه وأقلام قصر اليمامة وشارع الميرغني

جمال طيفور
ما إن بدأ غبار معركة الأبيض المرتقبة يتصاعد نذيراً وبشيراً، حتى بدأت معركة أخرى أشد تأثيراً؛ معركة صناعة الرواية. فمنذ أسابيع، يلحظ المتابع تزايداً في المقالات والتحليلات والبرامج التلفزيونية العربية التي تتعامل مع الأبيض بوصفها المعركة الفاصلة، وتكاد ترسم المسؤوليات السياسية والأخلاقية مسبقاً، قبل أن تتكشف الوقائع أو تتاح لأي جهة مستقلة فرصة التحقق منها.
هذه الظاهرة لا تقتصر على الإعلام المؤيد لسلطة بورتسودان أو لكتائب الإسلام السياسي الكذوب، ولكن ما يهمنا هنا هو تمدد هذا النعيق إلى مساحة أوسع داخل الإعلام العربي، ولا سيما المنابر القريبة من دوائر القرار في قصر الاتحادية بشارع الميرغني في القاهرة، وقصر اليمامة في الرياض. فمقالات كتاب مثل عبد المنعم سعيد، ومشاري الذايدي، إلى جانب الاتجاه العام في صحف مثل الشرق الأوسط وإندبندنت عربية، تنطلق في معظمها من أولوية الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها، وهو موقف سياسي مفهوم، لكنه ينعكس عملياً في تبني خطاب يتماهى، وينسج على نول لسان جيش البرهان وكتائب المؤتمر الوطني، بينما تُقدَّم قوات الدعم السريع وحلفاؤها في “تأسيس” باعتبارهم التهديد الرئيس لمستقبل الدولة.
ليس المقصود هنا الطعن في حق أي صحيفة أو كاتب في تبني موقف سياسي، وإنما الإشارة إلى أن تزامن هذه السردية مع الخطاب الرسمي لسلطة بورتسودان، ومع خطاب الإعلام المحسوب على الحركة الإسلامية السودانية، يخلق مظلة إعلامية واسعة تسبق الأحداث، وتؤثر في كيفية استقبالها عربياً ودولياً.
واللافت أن هذا المشهد يتكرر كلما اقتربت المعارك من مدينة ذات حساسية سياسية أو إنسانية، إذ يتحول التركيز سريعاً من متابعة الوقائع إلى بناء رواية جاهزة عن المسؤوليات، بحيث تبدو الإدانة وكأنها سابقة على التحقيق، بينما تصبح أي رواية مخالفة مجرد محاولة لتبرير الانتهاكات.
وفي حالة الأبيض تحديداً، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً. فالمدينة تمثل عقدة استراتيجية تربط وسط السودان بغربه، وأي تطور فيها ستكون له انعكاسات سياسية تتجاوز حدود الميدان. ولهذا تبدو معركة السردية جزءاً لا يتجزأ من المعركة العسكرية نفسها.
وتجد سلطة بورتسودان في هذه البيئة الإعلامية فرصة لتعزيز خطابها القائم على أن الجيش يخوض معركة الدفاع عن الدولة، وأن خصومه يمثلون تهديداً وجودياً. وفي المقابل، يجري تقديم أي تحرك لقوات الدعم السريع أو لتحالف “تأسيس” باعتباره مقدمة لكارثة إنسانية، حتى قبل أن تتوافر معلومات مستقلة حول مجريات الأحداث.
والمفارقة أن هذه السردية تحظى بتأييد سياسي وإعلامي من دولتين جعلتا من مواجهة الإسلام السياسي ركناً أساسياً في سياساتهما الداخلية، هما السعودية ومصر. فمنذ أكثر من عقد، تخوض الدولتان مواجهة مفتوحة مع جماعة الإخوان المسلمين داخل حدودهما، وتقدمان نفسيهما بوصفهما رأس الحربة في محاربة الإسلام السياسي.
لكن المشهد السوداني يكشف وجهاً آخر للسياسة الإقليمية؛ إذ إن الأولوية لم تعد تتعلق بالموقف من الإسلام السياسي بقدر ما تتعلق بحسابات مصالح آنية. ولذلك يجد المتابع نفسه أمام مفارقة يصعب تجاهلها؛ ففي الوقت الذي يُحاصر فيه الإسلام السياسي داخل الرياض والقاهرة، تبدو سلطة بورتسودان، التي يمثل الإسلاميون أحد أهم روافعها السياسية والتنظيمية والإعلامية، شريكاً يحظى بالدعم السياسي والإعلامي.
وهنا لا يتعلق الأمر بتغيير في القناعات بقدر ما يتعلق ببراغماتية النظامين السعودي الملوكي العضود، والمصري العسكري الذي يعادي الديمقراطية. فحين تتغير الأولويات الاستراتيجية، تتراجع الاعتبارات الأيديولوجية، ويصبح التحالف مع قوى كانت تُعد خصماً بالأمس خياراً مقبولاً إذا كان يخدم التوازنات الإقليمية.
غير أن هذه البراغماتية تطرح سؤالاً آخر: هل تؤدي أيضاً إلى إنتاج خطاب إعلامي يمنح طرفاً واحداً حق احتكار الرواية؟ وهل يصبح الإعلام، عن قصد أو عن غير قصد، شريكاً في صناعة الإدانات المسبقة؟
إن المدنيين في الأبيض يستحقون الحماية الكاملة، كما أن أي انتهاكات، مهما كان مرتكبها، تستحق تحقيقاً مستقلاً ومحايداً. أما تحويل المدينة إلى عنوان لحملة إعلامية تستبق الوقائع، وتحدد الجاني قبل اكتمال الأدلة، فإنه لا يخدم العدالة، وإنما يخدم الحرب الدعائية التي أصبحت، في السودان، جزءاً أهم من ميدان القتال نفسه.
ولعل أخطر ما في هذه الحرب أنها تسعى، قبل كسب الأرض أو فقدها، إلى كسب الرأي العام. فالرواية التي تُبنى اليوم حول الأبيض قد تتحول غداً إلى حقيقة سياسية يتعامل معها العالم، حتى لو جاءت نتائج التحقيقات مختلفة. ولهذا فإن الدفاع عن الحقيقة يبدأ برفض الإدانة الاستباقية، أياً كان الطرف المستهدف بها، لأن العدالة لا تُبنى على روايات كتبتها أقلام القصور السلطانية، ولا على ما تبثه مايكروفوناتها، وإنما على الأدلة والحقائق المقبوض عليها من رحم الوقائع.




خبل و حبل النفاق الكيزاني مع قادة الجيش الحاليين التف حول اعناق شرائح من المجتمع و تم إحكام الفتل و الربط، فدعهم الى مصيرهم
في السودان لا يوجد اسلام سياسي بين المتسلطين و لا حتي اسلام بمعني المنزل من السماء انما عصابة مدعية هذا المنهج لتبيع لمن يدفع يخونون الشرفاء و هم خانوا ربهم فللدولتين التان ذكرتهما منفعة مباشرة من دعم هذا المكون النجس