رحلة المواطن السوداني من 19 يوليو إلى 15 أبريل

محمد صالح محمد
يمتد التاريخ السوداني الحديث كسلسلة مترابطة من الانهيارات البنيوية، حيث لم تُعد المحطات الزمنية مجرد تواريخ في تقويم وطني، بل هي علامات فارقة في مسار تشظي الدولة وتفتت نسيجها الاجتماعي.
وإذا أردنا قراءة أزمة الهوية والسلطة في السودان، فإن المقارنة بين 19 يوليو 1971 و15 أبريل 2023 تفتح نافذة تحليلية واسعة على صراع أبدي بين “عقلية الاستئصال” و”منطق الفناء”.
19 يوليو 1971: لحظة الحسم الإقصائي
شكلت أحداث يوليو 1971، التي قادها تنظيم الضباط الأحرار (التيار اليساري)، صدمة في الوعي السياسي السوداني.
لم تكن مجرد محاولة انقلابية عابرة، بل كانت لحظة “تصفية حسابات” أيديولوجية عميقة.
في تلك اللحظة اصطدم طموح التغيير الجذري الراديكالي بجمود السلطة النمطية، وانتهت بـ “مجزرة الشجرة” التي أطاحت بصفوة الفكر اليساري في السودان.
بالنسبة للمواطن السوداني، كانت تلك اللحظة هي “نقطة التأسيس” لثقافة الإقصاء.
ترسخت فيها قناعة مفادها أن السلطة في السودان لا تُؤخذ إلا عبر الغلبة العسكرية، وأن الآخر السياسي ليس شريكاً في الوطن، بل عدواً وجودياً يستحق الاستئصال.
لقد وضعت تلك الأحداث بذرة “العنف الممنهج” كأداة وحيدة لحسم النزاعات، وهو نهج ظل يتوارثه العسكريون والمدنيون على حد سواء، مما حول الدولة السودانية إلى “ساحة قتال” بدلاً من “مؤسسة للخدمة”.
15 أبريل 2023: من استئصال “الخصوم” إلى فناء “الدولة”
بينما كان 19 يوليو 1971 صراعاً على “هوية الدولة” وتوجهها الأيديولوجي، جاء 15 أبريل 2023 ليعبر عن صراع “بقاء الميليشيات” وتصادم مراكز القوى المسلحة.
إن ما حدث في أبريل 2023 لم يكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كان إعلاناً رسمياً عن فشل “الدولة المركزية” في إدارة تنوعها وقوتها العسكرية.
إذا كان 19 يوليو قد انتهى بإعدامات سياسية، فإن 15 أبريل قد انتهى بـ “إعدام الدولة” نفسها.
المواطن السوداني الذي كان يراقب المشهد في 1971 كان يرى صراعاً بين نخبة ونخبة؛ أما في 2023، فقد وجد المواطن نفسه في قلب محرقة لا تفرق بين أيديولوجيا وأخرى، حيث أصبح هو المستهدف الأول والمشرد الأكبر، والضحية التي تدفع فاتورة “طموح الجنرالات”.
المواطن: الحلقة الأضعف في معادلة “الصراع الأزلي”
في المسافة الفاصلة بين هذين التاريخين تحول المواطن السوداني من “مشارك في الحلم الوطني” إلى “رهينة في قبضة العسكر”.
فقدان الثقة: انتقل المواطن من حالة الترقب السياسي إلى حالة النجاة البيولوجية.
لم يعد يسأل عن شكل الحكم، بل عن “ممر آمن” أو “لقمة عيش” في ظل دمار البنية التحتية.
عسكرة المجتمع: نجحت الأنظمة المتعاقبة منذ 1971 في تطبيع العنف.
تحول المواطن السوداني، قسراً، إلى خبير في أزمات السلاح والنزوح، واللجوء.
أزمة النخب: إن المشكلة التي بدأت في 1971 بـ “عقدة إقصاء الخصم” تعمقت حتى 2023 لتصبح “عقدة تدمير الوطن”.
لم تتعلم النخب السياسية والعسكرية في السودان أن الغلبة بالسلاح هي طريق مختصر نحو الفناء الجماعي.
قراءة في المآلات: هل انتهى زمن “الاستئصال”؟
إن التاريخ السوداني يعيد إنتاج نفسه لأن جذور الأزمة لم تُعالج.
إن إرث 19 يوليو لا يزال حياً في عقلية المؤسسات الأمنية التي ترى في أي تغيير “تهديداً وجودياً”، بينما تمثل مأساة 15 أبريل الذروة المنطقية لهذا الفكر.
المواطن السوداني اليوم وهو يقف على أنقاض وطنه يدرك أكثر من أي وقت مضى أن البديل عن “دولة المواطنة” هو “دولة الغابة”.
إن الانتقال من حقبة الصراعات الانقلابية إلى حقبة بناء الدولة المدنية يتطلب شجاعة أدبية لم تتوفر في قادة 1971، كما أنها غائبة تماماً عن أطراف نزاع 2023.
في النهاية يظل السودان عالقاً بين محطتين: الأولى التي جعلت من “القتل السياسي” مشروعاً، والثانية التي جعلت من “الدمار الشامل” خياراً.
وبين التاريخين ضاع الحلم، وتهجر الإنسان، وبقيت الأسئلة الكبرى معلقة: متى يدرك الفاعلون في المشهد السوداني أن تصفية الحسابات السياسية لا يمكن أن تُبنى على أشلاء المواطنين؟



