أخبار السودان

مفاوضات السلام في السودان تدور حول حرب لم تعد موجودة

عزت خيري

مفاوضات السلام في السودان تدور حول حرب لم تعد موجودة
تفككت حرب السودان إلى تحالفات متنافسة، لكن الدبلوماسية ما زالت تتعامل معها بوصفها صراعاً بين طرفين.
‎بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع حرب السودان، تغيرت ساحة القتال أكثر مما تغير مسار السلام. استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على الخرطوم، وعززت قبضتها على مساحات واسعة من شمال البلاد وشرقها ووسطها. وانتقلت المعارك نحو دارفور وكردفان والنيل الأزرق، فيما طالت هجمات الطائرات المسيّرة مناطق كانت تُعد آمنة من قبل. وتكشف الخرطوم خطر الخلط بين استعادة الأرض واستعادة الدولة: فقد عاد إليها أكثر من مليوني نازح، لكن إمدادات الكهرباء ما زالت محدودة، بينما تكافح المؤسسات العامة كي تستأنف عملها.
أما الافتراضات الدبلوماسية، فما زالت عالقة عند أبريل/نيسان 2023. تتعامل معظم المبادرات مع السودان بوصفه صراعاً ثنائياً بين جيش وطني وتمرد شبه عسكري. وهي تفترض أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، قادران على التفاوض ثم إلزام القوات التي تقاتل خلفهما بما يتفقان عليه.
لكن هذا النموذج لم يعد يطابق الحرب.
لا يمثل أي من الرجلين تمثيلاً كاملاً التحالف الذي يقاتل باسمه. فمعسكراهما يضمان حركات مسلحة، وتشكيلات قبلية، وكتائب أيديولوجية، ومجموعات دفاع محلي، وقادة لهم قواعدهم الخاصة وتصوراتهم لترتيبات ما بعد الحرب. والتنسيق في ساحة القتال ليس وحدة سياسية، والقائد القادر على إدارة هجوم قد يعجز عن فرض التضحيات التي يتطلبها السلام.
تحالفات تجيد القتال ولا تستطيع صنع السلام
تظل القوات المسلحة السودانية المؤسسة العسكرية الرسمية في البلاد، لكن المعسكر المحتشد تحت رايتها يتجاوز الجيش النظامي. فهو يضم حركات دارفورية مرتبطة بمني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، وشبكات مسلحة على صلة بالنظام السابق، وقوات قبلية، وتشكيلات للاستنفار الشعبي، ومجموعات دفاع محلي. ويقدّر المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية أن نحو 150 جماعة مسلحة وميليشيا تنشط في أنحاء النزاع؛ وهو مشهد بالغ التشظي لا ينسجم مع صورة قوتين منضبطتين تواجه إحداهما الأخرى.
سعى البرهان لشرعنة معسكره عبر اجراءات متعددة، بما في ذلك إصدار مرسوم عام 2025 وضع التشكيلات المتحالفة، اسمياً، تحت قيادة الجيش. لكن أمراً إدارياً لا يستطيع محو المصالح التي دفعت بهذه القوى إلى الحرب. فالحركات المتمردة السابقة تسعى إلى نفوذ سياسي وموارد من الدولة؛ والميليشيات المحلية تريد الأمن والتأثير على الأرض؛ أما الشبكات المرتبطة بنظام عمر البشير السابق فترى في الحرب طريقاً للعودة إلى السلطة.
ومعسكر الدعم السريع أوسع بدوره من تنظيم حميدتي. فهو يعتمد على قوات قبلية وإقليمية حليفة، وانضمت إليه الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو. وقد عُيّن الحلو نائباً لرئيس المجلس الرئاسي في الحكومة الموازية المدعومة من قوات الدعم السريع، لكن حركته ما تزال تحتفظ بقيادتها وأراضيها وبرنامجها السياسي. والتعامل معها باعتبارها مجرد وحدة تابعة للدعم السريع يخلط بين التحالف والتبعية.
يستطيع العدو المشترك تأجيل الخلافات حول السلطة والأرض والموارد. لكن التسوية تدفع بهذه الخلافات كلها إلى الواجهة دفعة واحدة.
تستطيع الحرب أن تحجب هذه التناقضات. أما السلام فيكشفها.
لماذا يستطيع البرهان التوقيع ولا يستطيع ضمان التنفيذ
أي اتفاق جاد سيضطر إلى إعادة بناء جيش وطني موحد، ودمج التشكيلات المتحالفة أو تسريحها، وإرساء الرقابة المدنية، ومنع حزب المؤتمر الوطني وشبكات النظام السابق من السيطرة على المرحلة الانتقالية، ومواجهة الانتهاكات التي ارتُكبت أثناء الحرب. وكل خطوة من هذه الخطوات تهدد جزءاً مهماً من التحالف الذي يعتمد عليه البرهان.
ستحد الرقابة المدنية من استقلالية المؤسسة العسكرية. وسيضعف نزع السلاح قادة الميليشيات. وتهدد المساءلة المتورطين في الانتهاكات. أما إعادة بناء جيش مهني واحد فستتحدى الحركات التي اعتادت التفاوض بقوة السلاح.
يستطيع البرهان أن يوقع اتفاقاً. لكن السؤال الأصعب هو ما إذا كان قادراً على إلزام الفاعلين المسلحين الذين يقاتلون إلى جانبه حين يبدأ التنفيذ في تفكيك الصيغة التي تجمعهم. بالطبع هذا لا يعفي البرهان من المسؤولية؛ فهو أسهم في بناء هذا النظام المشوه الذي نشأ في زمن الحرب وتمكينه. لكنه يعني أنه لا يستطيع أن يصبح رئيس يجلب السلام للسودان، شاء أم أبى، ما لم يغيّر أولاً التحالف الذي تستند إليه سلطته.
وتعمّق الانتصارات العسكرية هذا التناقض. فكل مكسب ميداني يرفع توقعات الجماعات المتحالفة بالحصول على مناصب أو موارد أو اعتراف في الدولة المقبلة. وكلما ازداد التحالف العسكري قوة، ارتفعت الكلفة السياسية للتسوية. ومن ثم قد يؤدي الزخم العسكري إلى تضييق هامش السلام بدلاً من توسيعه. ويواجه حميدتي قيداً مماثلاً: فالتزامات قيادة الدعم السريع لا تلزم تلقائياً حركة الحلو أو كل قوة قبلية وإقليمية داخل تحالفه الأوسع.
الوهم الدبلوماسي لصراع الطرفين
تخفي الدبلوماسية الثنائية هذه المشكلة بمنح البرهان احتكار تمثيل القوة المسلحة داخل تحالف القوات المسلحة. ويحصل حميدتي على احتكار مماثل في الجهة الأخرى. ويفترض الوسطاء أن اتفاقاً بين الرجلين سيلزم كل قوة تقاتل باسمهما. وقد لا يحدث ذلك.
تستطيع الجماعات المستبعدة تعطيل التنفيذ من دون أن تعلن رفضها للاتفاق. يمكنها تأخير الانسحابات، وإخفاء الأسلحة، وإشعال مواجهات محلية، أو الادعاء بأن الالتزامات التي قطعها قادة التحالفات لا تسري عليها. وهكذا قد ينهار وقف إطلاق النار بسبب حوادث توصف بأنها محلية، قبل أن يتنصل أي من الطرفين الرئيسيين منه رسمياً.
وليس الحل منح كل ميليشيا مقعداً سياسياً مساوياً. فذلك يكافئ قوة السلاح ويحوّل التشظي إلى مبدأ دستوري. لكن تجاهل الفاعلين القادرين على إفشال التسوية لا يفعل سوى تأجيل المشكلة إلى اللحظة التي يكون فيها الاتفاق في أضعف حالاته.
مسار سلام مصمم للحرب القائمة فعلاً
يجب أن تتفاوض قيادتا القوات المسلحة والدعم السريع على القضايا القومية التي لا يمكن حسمها إلا على المستوى الوطني: وقف الأعمال العدائية، ووصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وآليات المراقبة، والتسلسل العام للانسحابات. لكن ينبغي إنشاء مسار أمني ثانٍ يضم كبار الفاعلين المسلحين الذين يملكون قيادات معروفة، وقوات منظمة، ووجوداً مؤثراً على الأرض، وقدرة فعلية على احترام وقف إطلاق النار أو تقويضه.
كما أن المشاركة المباشرة ستحد من قدرة البرهان على توظيف تعقيد تحالفه لمصلحته التفاوضية. ففي النموذج الثنائي، يستطيع الاستناد إلى اعتراضات مفترضة من حلفائه لرفض التسوية، ثم يزعم أنه لا يملك إلزامهم بتنفيذ تعهدات لم يوافقوا عليها. أما مع وجود المسار الأمني الاضافي، فسيتعين على هذه التشكيلات أن تعرض مصالحها مباشرة، وأن تقبل التزامات محددة، وأن تتحمل مسؤولية الامتثال لها. وعندئذ يستطيع الوسطاء التمييز بين المخاوف الحقيقية المتعلقة بأمن المجتمعات المحلية وبين المطالب المستخدمة لحماية امتيازات زمن الحرب أو تعزيز موقع البرهان التفاوضي.
وينبغي تطبيق القاعدة نفسها على جميع أطراف النزاع. فعلى التشكيلات الرئيسية المتحالفة مع القوات المسلحة أن تتحدث باسم نفسها في ما يتعلق بالالتزامات الأمنية. فلا ينبغي أن يمثل حميدتي، بصورة غير مباشرة، عبد العزيز الحلو والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال. كما ينبغي أن تشارك حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي لم تنضم إلى أي من المعسكرين لكنها ما تزال تحتفظ بقوات ومناطق نفوذ في جبل مرة، في المحادثات المتعلقة بالممرات الإنسانية، ووقف إطلاق النار المحلي، والترتيبات الأمنية في دارفور.
ولن يكون هذا برلماناً للميليشيات. فاختصاصه سيكون ضيقاً ومحدداً: الإفصاح عن القوات والأسلحة، وقبول المراقبة، واحترام خطوط وقف إطلاق النار، والتفاوض على مسارات قابلة للتحقق نحو الدمج أو التسريح أو نزع السلاح.
مقعدٌ لنزع السلاح لا يعني حصةً في الدولة.
يمكن للفاعلين المسلحين التفاوض على آليات إنهاء العنف. لكن لا ينبغي لهم تقرير المستقبل الدستوري للسودان، فذلك يجب أن يظل مهمة القوى المدنية الديمقراطية.
تظل الغاية واضحة: جيش مهني واحد، بلا تشكيلات مسلحة موازية، وسيطرة مدنية على الدولة، وعودة السياسة إلى المواطنين الذين لا يحملون السلاح. لكن الدبلوماسية لا تستطيع استعادة احتكار الدولة للقوة المشروعة بالتظاهر بأن هذا الاحتكار قائم بالفعل.
يجب أن يبدأ السلام من السودان الموجود فعلاً، لا من البلد الأبسط الذي لا يزال الوسطاء يتخيلونه.

‫2 تعليقات

  1. كلام سليم مية بالمية . يجب نشره علي أوسع نطاق . و مثلما تكلمت عن المسلحون هنالك مشكلة مماثلة في القوي المدنية خاصة مربع صمود حيث يصر حمدوك و الفرقة المصاحبة له علي أنهم ممثلو القوي المدنية و لا يعترفون بتغير الواقع و اختلاف الزمان و المكان . شكرا يا أستاذ علي هذا المقال المهم جدا

  2. مقعدٌ لنزع السلاح ليس حصةً في الدولة
    قراءة نقدية في مقال عزت خيري: “مفاوضات السلام في السودان تدور حول حرب لم تعد موجودة”
    د. علي عبدالله الخليفة طه

    حين يصيب التشخيص

    يقدّم عزت خيري ملاحظة صحيحة ومهمة: أن حرب السودان لم تعد صراعاً بين طرفين، بل تشظّت إلى تحالفات متعددة الطبقات تجمع بين مؤسسة عسكرية رسمية، وحركات مسلحة سابقة، وشبكات نظام سابق، وميليشيات محلية، وقوى إقليمية وقبلية، يقدَّر عددها بنحو 150 جماعة مسلحة. هذا التشخيص يتفق تماماً مع ما استقر عليه إطار ميثاق النجاة وبناء الدولة منذ صياغته الأولى: أن أي معالجة سياسية تتعامل مع الحرب بوصفها ثنائية بين البرهان وحميدتي تُخطئ بنية القوة الفعلية على الأرض، وتُنتج اتفاقاً هشاً لا يلزم من لم يوقّعه.
    والأهم من ذلك أن المقال يميّز بدقة بين استعادة الأرض واستعادة الدولة، وهو تمييز جوهري يتقاطع مع فكرة الشرعية الوظيفية التصاعدية في الميثاق: فالسيطرة العسكرية على مساحة جغرافية لا تنتج شرعية سياسية من تلقاء نفسها، ولا تُغني عن إعادة بناء المؤسسات التي تُدار بها الدولة فعلياً.
    من “من يوقّع” إلى “من يُلزم”: المسار الأمني الثاني بلا هيكل
    تكمن قيمة المقال الحقيقية في انتقاله من سؤال التوقيع إلى سؤال الإلزام: من يستطيع أن يمنع جماعة مسلحة من تعطيل التنفيذ من دون أن تُعلن رفضها علناً؟ هذا هو بالضبط السؤال الذي تتجاهله معظم الوساطات الدولية. غير أن المقال، بعد أن يصل إلى هذه النقطة الحاسمة، يكتفي بالدعوة إلى “مسار أمني ثانٍ” يضم كبار الفاعلين المسلحين، من دون أن يحدد: من يقرر من يُقبل في هذا المسار وعلى أي معيار موضوعي؟ وكيف تُحسم القرارات داخله حين تتعارض مصالح الأطراف؟ وما العلاقة الدستورية بين هذا المسار الأمني وبين مسار الدولة المدنية الذي يُفترض أن يبقى بمنأى عن قوة السلاح؟
    هنا بالضبط ينتقل النقد من مستوى التشخيص إلى مستوى الآلية: مقترح “مقعد لنزع السلاح لا حصة في الدولة” مقترح صائب، لكنه يبقى شعاراً ما لم يُسند إلى معيار عضوية واضح، وقاعدة تصويت أو توافق محددة، وحدود دستورية صريحة تمنع تسرب هذا المقعد الأمني إلى مقعد سياسي دائم.

    الميثاق: حين تُسمى الآلية باسمها

    هذا بالتحديد هو الفراغ الذي صُمم ميثاق النجاة وبناء الدولة لسده، عبر أربع آليات مترابطة:
    الشرعية الوظيفية التصاعدية
    بدل منح كل جماعة مسلحة اعترافاً سياسياً متساوياً بحكم حيازتها للسلاح — وهو ما يحذّر منه المقال بحق باعتباره مكافأة لقوة السلاح — تقترح الشرعية الوظيفية التصاعدية تدرجاً واضحاً: تُبنى الشرعية من أسفل إلى أعلى عبر أداء وظيفي محدد (حفظ أمن محلي، تسليم سلاح، احترام خط وقف إطلاق نار) يُفضي تراكمياً إلى تمثيل مؤسسي، لا عبر امتلاك السلاح ذاته. وهذا يحل المعضلة التي يشير إليها المقال من دون أن يحلها: كيف نُشرك الفاعلين المسلحين من دون تحويل التشظي إلى مبدأ دستوري؟

    الركيزة الرابعة: التمثيل الإقليمي والتوافق الموزون

    تعالج الركيزة الرابعة في الميثاق بالضبط ما يصفه المقال بمشكلة “معسكر الدعم السريع الأوسع من حميدتي” و”معسكر القوات المسلحة الأوسع من الجيش النظامي”: فهي تمنح التكوينات الإقليمية والقبلية تمثيلاً مباشراً وموزوناً بحجمها الفعلي وتأثيرها الميداني، بدل أن تُمثَّل بالوكالة عبر قائدين مركزيين قد لا يملكان تفويضاً حقيقياً منها. وهذا هو الفارق بين أن يتحدث حميدتي “بالنيابة عن” الحلو، وبين أن يتحدث الحلو باسم نفسه في هيكل تمثيلي معترف به.
    العدالة الانتقالية الثلاثية الطبقات
    يشير المقال إلى ضرورة “مواجهة الانتهاكات المرتكبة أثناء الحرب” بوصفها أحد التهديدات التي تدفع التحالفات إلى تعطيل التسوية. ويقترح الميثاق هنا بنية ثلاثية الطبقات تحديداً لتفكيك هذا التهديد بدل تركه عائماً: مجالس مصالحة محلية تُعنى بالانتهاكات الأصغر وإعادة اللحمة المجتمعية، ولجنة حقيقة وتعويض تُعنى بالانتهاكات المتوسطة عبر الإقرار والجبر بلا محاكمة جنائية بالضرورة، وغرفة قضائية للجرائم الكبرى تُحاكم من يتحمل المسؤولية الجنائية الفعلية عن الجرائم الجسيمة. هذا التدرج يسمح بمساءلة حقيقية من دون أن يتحول ملف العدالة الانتقالية بالكامل إلى فيتو تستخدمه كل جماعة مسلحة لتعطيل الاتفاق برمّته.
    النفير: من الاتفاق النخبوي إلى الإلزام الشعبي
    يفترض المقال، بحق، أن اتفاقاً بين البرهان وحميدتي لن يُلزم تلقائياً القوى التي تقاتل خلفهما. ويقترح الميثاق أن الإلزام الحقيقي لا يأتي فقط من بنية تفاوضية أفضل، بل من آلية تنفيذ شعبية موازية — النفير — تُشرك المجتمعات المحلية والمكونات المدنية في مراقبة تنفيذ بنود وقف إطلاق النار ونزع السلاح ميدانياً، بحيث لا يبقى الالتزام رهيناً بإرادة القادة العسكريين وحدهم.

    الافتقار: لماذا يظل التمثيل الأمني تمثيلاً منقوصاً بطبيعته

    يستحق تحليل المقال أساساً فلسفياً يوضح لماذا لا يمكن لمقعد أمني أن يتحول أبداً إلى حصة سياسية كاملة، وهنا يصبح مفهوم الافتقار (في صيغته العلمانية) مفيداً تحليلياً: فكرة Mitsein عند هايدغر تذكّرنا بأن الكينونة السياسية كينونة مع الآخرين بالضرورة، لا كينونة تفرضها القوة المنفردة؛ وفكرة ليفيناس عن مسؤولية الوجه تجاه الآخر تُبرز أن شرعية أي فاعل سياسي تُستمد من اعترافه بحدود قدرته على تمثيل غيره، لا من ادعائه احتكار هذا التمثيل؛ أما أوبونتو ومقاربة إلينور أوستروم في إدارة الموارد المشتركة فتوضحان أن الحوكمة الفعالة في بيئة من الفاعلين المتعددين تُبنى عبر قواعد تفاوض واضحة ومتفق عليها جماعياً، لا عبر احتكار مركزي مُتخيَّل. من هذا المنظور، فإن كل فاعل مسلح، مهما بلغت قوته الميدانية، يظل “مفتقراً” ببنيته إلى الشرعية الكاملة للحديث باسم الدولة أو باسم غيره من الفاعلين — وهذا الافتقار البنيوي هو بالضبط ما يبرر الفصل الذي يقترحه المقال بين “مقعد نزع السلاح” و”حصة الدولة”، ويمنحه أساساً مفاهيمياً لا مجرد حكمة عملية.

    خاتمة: من نموذج الرجلين إلى معادلة التشظي المُدارة

    مقال عزت خيري يصيب في تفكيك الوهم الدبلوماسي القائم على افتراض أن اتفاقاً بين رجلين يكفي لإنهاء حرب تُدار فعلياً بواسطة عشرات الفاعلين. لكن الانتقال من هذا التشخيص الصحيح إلى تسوية قابلة للتطبيق يتطلب ما يقدمه ميثاق النجاة وبناء الدولة تحديداً: معياراً للعضوية في أي مسار أمني موازٍ (الشرعية الوظيفية التصاعدية)، وهيكلاً للتمثيل يفكك احتكار التمثيل بالوكالة (الركيزة الرابعة)، ومساراً للمساءلة يحول دون تحول ملف العدالة إلى فيتو شامل (البنية الثلاثية)، وآلية تنفيذ لا تعتمد فقط على حسن نية القادة (النفير). بهذا فقط يمكن أن يتحول “مقعد نزع السلاح” من شعار إلى إجراء دستوري فعلي، وأن يبدأ السلام، كما يقول خيري بحق، من السودان الموجود فعلاً لا من البلد الأبسط الذي لا يزال كثيرون يتخيلونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..