مقالات وآراء

هل نرمم ماهدمته الحرب.. أم نبني دولة لم تولد بعد؟

محمد عبد الرحيم أبوه

ليست مأساة السودان أنه بلد أنهكته الحرب، فالحروب حدث عرفته أمم كثيرة ثم نهضت من ركامها، وإنما مأساته الحقيقية أن الدولة جعلت الفساد جزءًا من بنيتها. ولهذا لم يكن الفساد ظاهرةً طارئة، بل أصبح، مع مرور الزمن، نظامًا لإدارة الدولة. وتحولت الوظيفة العامة إلى وسيلة للتكسب وتوزيع الامتيازات، وأصبحت المؤسسات تدار وفق معايير الولاء السياسي والقبلي والجهوي، لا وفق معايير الكفاءة والاستحقاق. وبذلك تحولت الدولة من أداةٍ للتنمية إلى بنية تكرّس إستمرار الأزمات.
إن أخطر ما يواجه السودان ليس الفساد المالي وحده، على الرغم من خطورته، وإنما الفساد الأداري الذي يضرب جذور الدولة نفسها. فعندما يضعف القضاء، وتفقد الخدمة المدنية استقلالها، تتاجر بالنفوذ ويساء أستخدام السلطة بتسيس القوات النظامية، وتستخدم القوانين لحماية أصحاب النفوذ بدلًا من حماية المجتمع، يغدو الفساد منطقآ يحكم إدارة الشأن العام، لا مجرد انحراف يمكن احتواؤه بإجراءات إدارية.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه على السودانيين بعد الحرب ليس: كيف يرمم ما هدم ؟ وإنما : كيف يراجع الأساس الذي شيدت عليه الدولة منذ الاستقلال ؟ فترميم ما دمرته الحرب لا يعني بالضرورة إصلاح الدولة، كما أن استبدال الحكومات لا يغير طبيعة النظام إذا بقيت القواعد التي أنتجت الفشل على حالها.
لقد انشغل الخطاب السياسي، طوال عقود، بملاحقة أعراض الأزمة، بينما ظل يتجنب الاقتراب من أصل الداء. فكانت الحكومات تتبدل، والانقلابات تتعاقب، والدساتير تكتب ثم تلغى، لكن القواعد التي أُديرت بها الدولة ظلت ثابتة؛ إذ بقيت السلطة غاية في ذاتها، لا وسيلة لإدارة الشأن العام، وبقيت المؤسسات تصاغ بما يخدم استمرار النفوذ، لا بما يضمن استقرار الدولة .
لقد كشفت الحرب أن الأزمة ليست أزمة جيشين يتقاتلان، ولا أزمة معارضة، وإنما أزمة دولة فقدت البوصلة في ادارة التنوع، وتراجعت فيها فكرة المواطنة لصالح الولاءات القبلية والجهوية والحزبية. وهذه ليست نتيجة الحرب، بل هي حصيلة عقود طويلة من الإخفاق في بناء دولة المؤسسات.
ومن هنا فإن مشروع بناء السودان لا ينبغي أن يبدأ بإعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الحديثة لا تقوم على العصبيات، ولا على المحاصصات، ولا على تقاسم النفوذ، وإنما على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وخضوع الجميع للمساءلة. كما أن مكافحة الفساد لا تتحقق بإصدار المزيد من القوانين وحدها، لأن الدول الفاسدة غالبًا ما تمتلك أفضل القوانين وأضعف الإرادة في تطبيقها. فالتحدي الحقيقي يكمن في تأسيس مؤسسات مستقلة تمتلك القدرة القانونية والسياسية على محاسبة الجميع دون استثناء، وإخضاع المال العام لرقابة شفافة، ومنع تضارب المصالح، وإعادة الاعتبار للكفاءة بوصفها المعيار الوحيد لتولي المسؤولية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الثقافي للأزمة. فالفساد لا يعيش داخل مؤسسات الدولة فقط، بل يتغذى أيضًا من ثقافة إجتماعية تتسامح مع المحسوبية والوساطة، وتخلط بين الولاء للأقارب والولاء للوطن، وتعتبر الوظيفة العامة فرصة للثراء، لا تكليفًا لخدمة المجتمع. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ أيضًا من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة، حيث تبنى منظومة القيم التي تحكم علاقة الفرد بالدولة.
إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله للنهوض؛ موقع جغرافي استراتيجي، وموارد طبيعية هائلة، وإرث حضاري ممتد، وشعب أثبت في أكثر من محطة تاريخية قدرته على الصمود. لكن هذه المقومات ستظل عاجزة عن إنتاج التنمية ما لم تتحول الدولة من دولة ولاءات إلى دولة مؤسسات، ومن دولة أشخاص إلى دولة قانون.
إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تنهض عندما تتغير الحكومات فقط، وإنما عندما تتغير قواعد الحكم نفسها. فالإصلاح الحقيقي ليس استبدال نخبة بأخرى، بل تفكيك المنظومة التي قامت على الاحتكار والإقصاء والفساد، وإحلال منظومة تجعل السلطة عقدًا مع الشعب، لا امتيازًا عليه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه قبل أن يطرحه على السياسيين : هل نريد إعادة بناء ما هدمته الحرب، أم نريد بناء دولة لم تولد بعد ؟ لأن السودان لن يتغير إذا اكتفينا بإصلاح الواجهات، بينما بقيت الأسس التي أنتجت الفشل على حالها. ولن يبدأ التحول الحقيقي إلا حين ندرك أن أخطر معاركنا ليست مع الأشخاص، بل مع البنية التي تعيد إنتاجها في كل مرة، وأن أعظم انتصار يمكن أن يحققه السودان هو الانتقال من دولة تدار بالمصالح الضيقة إلى دولة يحكمها القانون والعدالة والإرادة الوطنية.

‫4 تعليقات

  1. من التوصيف الأخلاقي إلى الهندسة المؤسسية
    قراءة نقدية في مقال: «هل نرمم ماهدمته الحرب.. أم نبني دولة لم تولد بعد؟» لمحمد عبد الرحيم أبوه

    د. علي عبدالله الخليفة طه

    أولًا: نقطة الالتقاء، تشخيص لا يُختلف حوله

    يطرح محمد عبد الرحيم أبوه في مقاله سؤالًا يستحق التوقف عنده طويلًا، لأنه ينقل النقاش السوداني من سؤال الترميم إلى سؤال التأسيس. فحين يكتب أن «مأساة السودان الحقيقية أن الدولة جعلت الفساد جزءًا من بنيتها»، وأن الفساد «لم يكن ظاهرة طارئة بل نظامًا لإدارة الدولة»، فإنه يصل إلى نفس النقطة التي انطلق منها ميثاق النجاة وبناء الدولة منذ صياغته الأولى: أن الأزمة السودانية ليست أزمة حكومة فاسدة يمكن استبدالها، بل أزمة قواعد لعبة تعيد إنتاج الفشل مهما تغيرت الوجوه فوقها.
    والأهم من ذلك أن الكاتب يميز، كما يميز الميثاق، بين «دولة الأشخاص» و«دولة القانون»، وبين «دولة الولاءات» و«دولة المؤسسات». وهذا التمييز ليس شعارًا بلاغيًا، بل هو خط الفصل الذي يقوم عليه مبدأ الشرعية الوظيفية التصاعدية في الميثاق: الشرعية لا تُمنح لشخص أو فصيل بحكم القوة أو النسب أو الولاء، بل تُبنى تصاعديًا من قاعدة الأداء والمساءلة في كل مستوى من مستويات الحكم.

    ثانيًا: حدود المقال ، من التوصيف إلى أين؟

    غير أن قوة المقال في التشخيص تكشف في الوقت نفسه حدوده. فالكاتب يصل إلى تحديد الداء بدقة، لكنه يغادر النص عند حافة السؤال، لا عند عتبة الجواب. فهو يدعو إلى «مواطنة متساوية، وسيادة قانون، وفصل بين السلطات، واستقلال قضاء، وخضوع الجميع للمساءلة»، وهذه كلها مطالب صحيحة لا يختلف عليها اثنان، لكنها تبقى في مستوى المبدأ الأخلاقي لا في مستوى الآلية المؤسسية القابلة للتطبيق.
    والسؤال الذي يطرحه غياب هذه الآلية هو: من الذي يضمن استقلال القضاء عمليًا بعد الانتقال؟ وكيف تُترجم «المساءلة» إلى هيئة محددة الصلاحيات والزمن؟ وكيف تُدار «الولاءات القبلية والجهوية» التي يشير إليها الكاتب بوصفها عرضًا، لا بوصفها واقعًا اجتماعيًا يحتاج إلى تمثيل مؤسسي منظم بدل القمع أو التجاهل؟ المقال يطرح الغاية دون أن يسمّي الوسيلة، وهذه هي الثغرة التي وقع فيها الخطاب السياسي السوداني طوال عقود، كما يشير الكاتب نفسه حين يصف الدساتير التي «تُكتب ثم تُلغى».

    ثالثًا: من التوصيف إلى الآلية

    هنا يقدّم ميثاق النجاة وبناء الدولة إجابات محددة على الأسئلة التي يتركها المقال مفتوحة:

    ١. الشرعية الوظيفية التصاعدية بدل «دولة الأشخاص»

    بدل الاكتفاء بالدعوة إلى «دولة قانون»، يقترح الميثاق آلية تصاعدية تُبنى فيها الشرعية من أداء الوحدات المحلية صعودًا، بحيث تُسحب الثقة تلقائيًا من أي مستوى يفشل في الأداء أو المساءلة، دون انتظار انقلاب أو ثورة جديدة.

    ٢. الركيزة الرابعة كإدارة للتنوع لا قمعًا له

    حين يتحدث الكاتب عن «تراجع فكرة المواطنة لصالح الولاءات القبلية والجهوية»، فإن الحل ليس في محو هذه الهويات من الخطاب، بل في تنظيمها مؤسسيًا. الركيزة الرابعة في الميثاق تقترح تمثيلًا جهويًا وتوافقًا مرجّحًا يحوّل التنوع من مصدر تفتيت إلى مصدر توازن سياسي مضبوط بقواعد واضحة.

    ٣. العدالة الانتقالية ثلاثية المستوى بدل شعار «استقلال القضاء»

    بدل الاكتفاء بمبدأ استقلال القضاء، يفصّل الميثاق بنية من ثلاثة مستويات: مجالس مصالحة محلية، ولجنة حقيقة وتعويض، وغرفة قضائية للجرائم الكبرى، بحيث يتناسب نوع العدالة مع حجم الانتهاك ومستوى الثقة المجتمعية المطلوب لكل مستوى.

    ٤. السيادة المالية كإجابة على الفساد المالي البنيوي

    يصيب الكاتب حين يفرّق بين الفساد المالي والفساد الإداري الأعمق منه، لكن مواجهة الفساد المالي بنيويًا تحتاج آلية سيادة مالية محددة تُخضع المال العام لرقابة مؤسسية مستقلة عن السلطة التنفيذية، لا لقانون جديد يُضاف إلى قوانين لا تُطبَّق.

    ٥. النفير كترجمة للبعد الثقافي الذي يشير إليه المقال

    يصيب الكاتب أيضًا حين يشير إلى أن الإصلاح «يبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة». هذا البعد الثقافي بحاجة إلى وعاء تنفيذي شعبي يحوّله من نية حسنة إلى ممارسة، وهذا بالضبط ما يقترحه الميثاق عبر آلية النفير كأداة تعبئة مجتمعية تنقل القيم من الخطاب إلى الفعل المنظم على مستوى الأحياء والقرى.
    رابعًا: الافتقار كأساس فلسفي للسؤال ذاته
    سؤال الكاتب الختامي، هل نرمم أم نبني دولة لم تولد بعد؟ ، يفترض ضمنًا فاعلًا واحدًا قادرًا على التأسيس. لكن فلسفة الافتقار، بصياغتها العلمانية، تقول إن لا فاعل واحدًا، مهما امتلك من رؤية أو سلطة، قادر على تأسيس الدولة منفردًا.
    فمفهوم Mitsein عند هايدغر يذكّرنا بأن الكينونة أصلًا كينونة-مع-الآخرين لا كينونة منعزلة، وأن مسؤولية ليفيناس تجاه الآخر تسبق أي مشروع سياسي فردي وتؤسس له. وفلسفة أوبونتو الأفريقية («أنا لأننا نحن») تقدّم الإطار الأقرب للتجربة السودانية نفسها: لا تُبنى الدولة إلا بقدر ما يُعترف بالآخر شريكًا لا خصمًا. أما إلينور أوستروم فتقدّم النموذج العملي لهذا التأسيس التشاركي: حَوكمة متعددة المراكز لا تحتاج سلطة مركزية واحدة تحتكر التأسيس، بل قواعد متفق عليها تُدار محليًا وتصعد تصاعديًا ، وهو بالضبط المبدأ الذي تقوم عليه الشرعية الوظيفية التصاعدية في الميثاق.
    بهذا المعنى، «الدولة التي لم تولد بعد» لا تحتاج مؤسسًا واحدًا يقرر شكلها، بل تحتاج آلية تأسيس جماعي متعدد الأطراف ، وهذا بالضبط ما تمثله الركيزة الرابعة وآلية التوافق المرجّح في الميثاق.
    خاتمة: إعادة صياغة السؤال
    السؤال الذي يطرحه الكاتب صحيح في جوهره، لكنه يحتاج إعادة صياغة: ليس «هل نرمم أم نبني؟»، بل «من يبني، وبأي آلية، وبأي ضمانة تمنع تكرار الدورة نفسها؟». فالتشخيص الدقيق، مهما بلغت جودته، لا يتحول إلى دولة إلا حين يُترجَم إلى مؤسسات مسمّاة وآليات قابلة للتطبيق والمساءلة. وهذا هو بالضبط الجهد الذي يحاول ميثاق النجاة وبناء الدولة أن يقدّمه: ليس بديلًا عن التشخيص الذي قدّمه الكاتب، بل استكمالًا له

    1. تسلم ياأستاذ، ولك مني ألف تحية وتقدير على هذا التفصيل الدقيق للمقال. ولكن أحيانًا بل وفي معظم الأحيان، يفضل الكاتب المرور على بعض القضايا بصورة سريعة، والاكتفاء بتحديد المشكلات وإبراز ملامحها العامة دون الخوض في تفاصيلها الدقيقة، وذلك لإتاحة المجال لأصحاب الاختصاص للقيام بدورهم في تحليلها ومعالجتها، وهنا أقصد القانونيين والأكاديميين والسياسيين وغيرهم من أهل الخبرة والاختصاص. فليس بالضرورة أن يحمل الكاتب وحده عبء تقديم جميع الحلول والتفاصيل، وإنما قد يكون دوره في بعض الأحيان هو إثارة القضية ووضعها أمام أصحاب الشأن والرأي، ليأتي كل منهم بما يملكه من معرفة وخبرة لمعالجة جوانبها المختلفة.

    2. تسلم يااستاذ، ولك مني ألف تحية وتقدير على هذا التفصيل الدقيق للمقال. ولكن أحيانًا، بل وفي معظم الأحيان، يفضل الكاتب المرور على بعض القضايا بصورة سريعة، والاكتفاء بتحديد المشكلات وإبراز ملامحها العامة دون الخوض في تفاصيلها الدقيقة، وذلك لإتاحة المجال لأصحاب الاختصاص للقيام بدورهم في تحليلها ومعالجتها، وهنا أقصد القانونيين والأكاديميين والسياسيين وغيرهم من أهل الخبرة والاختصاص. فليس بالضرورة أن يحمل الكاتب وحده عبء تقديم جميع الحلول والتفاصيل، وإنما قد يكون دوره في بعض الأحيان هو إثارة القضية ووضعها أمام أصحاب الشأن والرأي، ليأتي كل منهم بما يملكه من معرفة وخبرة لمعالجة جوانبها المختلفة.

  2. تسلم اخي العزيز لهذا السرد الجميل حقيقة بناء الدولة ممكن يكون من كل الزوايا و الرؤى المختلفة ايضا لكن يظل الأهم منها هو وضع حد واضح للفساد و المفسدين علي مختلف مستويات العمل العام و حتي الخاص . و حتي قيام الجمهورية الثانية تتبني علي اساس تقديم المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة حتي ننعم بالدولة قوية و محترمة . كن بخير وعافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..