تحليل منشور بنك السودان المركزي رقم (3/2015): هل يتعارض مع مبدأ سيادة العملة الوطنية؟
عبد المنعم على التوم

يمثل منشور بنك السودان المركزي رقم (3/2015) نموذجاً لسياسة نقدية استثنائية سمحت لمؤسسات التعليم العالي بالاحتفاظ بالنقد الأجنبي الناتج عن أنشطتها، واستخدامه مباشرة في تمويل احتياجاتها الخارجية، بدلاً من انتقال هذه الموارد أولاً إلى بنك السودان المركزي باعتباره الجهة المسؤولة عن إدارة احتياطيات الدولة من العملات الأجنبية.
ومن الناحية الاقتصادية، تثير هذه السياسة تساؤلات جوهرية حول مفهوم سيادة العملة الوطنية ودور البنك المركزي في إدارة الموارد الأجنبية للدولة. فالأصل في النظم النقدية المستقرة أن تكون العملات الأجنبية المتحصلة من تصدير السلع والخدمات – ومن بينها خدمات التعليم المقدمة للطلاب الأجانب – جزءاً من موارد الدولة من النقد الأجنبي، وأن تنتقل عبر الجهاز المصرفي إلى البنك المركزي، الذي يقوم بشرائها بالعملة الوطنية وفق سعر الصرف الرسمي أو التأشيري، ثم يعيد تخصيص العملات الأجنبية للمستوردين والجهات الحكومية والمؤسسات المختلفة وفق أولويات الاقتصاد القومي.
وبهذا النهج تتحقق عدة أهداف استراتيجية، أهمها:-
1/ تعزيز احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية.
2/ دعم استقرار سعر صرف العملة الوطنية.
3/ تمكين البنك المركزي من إدارة الطلب على النقد الأجنبي وفق أولويات التنمية.
4/ منع تجزئة موارد النقد الأجنبي بين المؤسسات المختلفة بما يضعف السياسة النقدية للدولة.
أما السياسة التي أقرها المنشور، فقد أتاحت لمؤسسات التعليم العالي الاحتفاظ مباشرة بإيراداتها من النقد الأجنبي واستخدامها في الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية، الأمر الذي يقلل من حجم العملات الأجنبية التي تدخل تحت إدارة البنك المركزي، ويحد من قدرته على تكوين احتياطيات قوية وإدارة سوق النقد الأجنبي بكفاءة.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن النقد الأجنبي المتولد من السياحة التعليمية يمثل مورداً اقتصادياً وطنياً، وأن الأصل هو أن يدار عبر البنك المركزي باعتباره الجهة المخولة بإدارة الاحتياطيات الأجنبية، مع ضمان حصول الجامعات على احتياجاتها من العملات الأجنبية وفق الاولويات متى ما تطلب نشاطها الأكاديمي ذلك، مقابل ما يعادلها بالجنيه السوداني. ويحقق هذا التوازن بين تلبية احتياجات مؤسسات التعليم العالي وبين الحفاظ على وحدة السياسة النقدية وسيادة العملة الوطنية.
كيف تدير الدول ذات الاقتصادات المستقرة حصائل النقد الأجنبي؟
إن استقرار سعر الصرف وقوة العملة الوطنية لا يتحققان بالمصادفة، وإنما يقومان على مبدأ أساسي هو أن البنك المركزي لأى دولة يمثل الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة الاحتياطيات الأجنبية للدولة، وأن جميع حصائل النقد الأجنبي الناتجة عن تصدير السلع والخدمات أو الأنشطة الاقتصادية المختلفة تدخل أولاً ضمن احتياطياته، ثم يعاد تخصيصها وفقاً لأولويات الاقتصاد القومي.
وهكذا تتعامل معظم الدول ذات الاقتصادات المستقرة مع حصائل النقد الأجنبي، بما في ذلك حصائل السياحة، والتعليم، والصحة، والنقل، والخدمات، باعتبارها مورداً وطنياً استراتيجياً، لا مورداً خاصاً بالمؤسسة التي حققته. فالجامعة التي تستقبل طلاباً أجانب تقدم خدمة تعليمية، إلا أن النقد الأجنبي الناتج عن هذه الخدمة يدخل في إطار الموارد الأجنبية للدولة، ويتولى البنك المركزي شراء هذه الحصائل بالعملة الوطنية وفق سعر الصرف المعتمد، ثم يلتزم بتوفير العملات الأجنبية للجامعات وغيرها من المؤسسات عند الحاجة إلى الاستيراد أو الوفاء بالتزاماتها الخارجية كما ذكرنا آنفا فى صدر هذا المقال .تقوم معظم الدول بتعزيز قوتها الاقتصادية بتبنى هذا النهج من السياسات وتحقق هذه السياسة عدة مزايا، أهمها:
تعزيز احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي.
دعم استقرار سعر صرف العملة الوطنية.
تمكين البنك المركزي من إدارة العرض والطلب على العملات الأجنبية بكفاءة.
منع تجزئة موارد النقد الأجنبي بين المؤسسات، بما يحافظ على وحدة السياسة النقدية.
ضمان العدالة في توزيع العملات الأجنبية وفق الأولويات القومية، بدلاً من تركها رهناً بقدرة كل مؤسسة على الاحتفاظ بما تحققه من حصائل.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول، مثل الصين والهند وماليزيا وفيتنام، أن نجاح السياسة النقدية يرتبط بقدرة البنك المركزي على تجميع أكبر قدر ممكن من موارد النقد الأجنبي وإدارتها مركزياً، مع تلبية احتياجات المؤسسات الإنتاجية والخدمية وفق سياسات واضحة وشفافة ، حسب الاولويات
ومن هذا المنظور، بأننا نؤكد ونكرر ، بأن حصائل السياحة التعليمية في السودان ينبغي أن تعامل باعتبارها مورداً قومياً من موارد النقد الأجنبي، يدار بواسطة بنك السودان المركزي، وبهذه الآلية يتحقق التوازن بين استقلال المؤسسات التعليمية في أداء رسالتها، وبين المحافظة على سيادة الدولة على مواردها من النقد الأجنبي وتعزيز مكانة عملتها الوطنية.
السياحة التعليمية: هل حصائلها ملك للجامعات أم ملك للدولة؟
تعد السياحة التعليمية أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في العديد من دول العالم، شأنها شأن السياحة العلاجية والسياحة التقليدية وخدمات النقل والشحن والتأمين. فهي في حقيقتها تمثل تصديراً لخدمة تعليمية يحصل مقابلها الاقتصاد الوطني على عملات أجنبية تمثل رأس الرمح فى بناء الاحتياطيات الرئيسية للدولة من العملات الاجنبية .
وهنا يبرز سؤال جوهري: من هو المالك الحقيقي لحصيلة النقد الأجنبي الناتجة عن هذه الخدمة؟ هل هي المؤسسة التعليمية التي قدمت الخدمة؟ أم أنها مورد من موارد الدولة الأجنبية يتولى البنك المركزي إدارته باعتباره الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية وإدارة الاحتياطيات؟
اقتصادياً، يجب التمييز بين ملكية الإيراد وإدارة النقد الأجنبي. فالجامعة تستحق قيمة الخدمة التي قدمتها، ولا خلاف في حقها في الحصول على كامل مستحقاتها المالية، ولكن هذه المستحقات ينبغي أن تؤدى إليها بالعملة الوطنية بعد أن يقوم البنك المركزي بشراء حصيلة النقد الأجنبي وإضافتها إلى الاحتياطي الرسمي للدولة، ثم يلتزم بتوفير احتياجات الجامعة من العملات الأجنبية كلما اقتضت الضرورة استيراد أجهزة أو كتب أو معامل أو سداد التزامات خارجية.
إن هذا النهج يحقق معادلة متوازنة؛ فهو يحفظ للجامعات حقوقها المالية كاملة، وفي الوقت نفسه يحافظ على وحدة إدارة موارد الدولة من النقد الأجنبي، ويمنع تشتت تلك الموارد بين المؤسسات المختلفة. وحتى لا تصبح الجامعات منصات لصرافات العملة وإنتهاك سيادى صريح للعملة الوطنية ، ورافد للأنشطة الطفيلية التى تدعم السوق الموازى للعملات كمورد اساسى يخدم الطفيلية .
إذا احتفظت كل جامعة، أو مستشفى، أو شركة، أو مؤسسة خدمية بما تتحصل عليه من عملات أجنبية، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تجزئة الاحتياطيات الأجنبية، وإضعاف قدرة البنك المركزي على إدارة سوق النقد الأجنبي، وتقليص أدواته في الدفاع عن العملة الوطنية ، وتضرب الفوضى اطنابها أو كما يشاهد فى الواقع السودانى اليوم .!!!
ومن هنا، فإن حصائل السياحة التعليمية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مورداً خاصاً بالمؤسسات التعليمية، وإنما باعتبارها مورداً قومياً يتعين أن يخضع لإدارة البنك المركزي حيث يمثل جهة الاختصاص فى ادارة النقد الاجنبى الذي يدخل البلاد.
إن قوة أي اقتصاد لا تقاس فقط بحجم ما يملكه من العملات الأجنبية، وإنما بقدرة البنك المركزي على تجميع تلك الموارد وإدارتها إدارة موحدة تحقق المصلحة العامة، وتحفظ سيادة الدولة على سياستها النقدية .
مراجعة مناشير بنك السودان التى تتعلق بإدارة النقد الأجنبى تحتاج مراجعات دقيقة ، بالاضافة الى عودة ( الإدارة العامة والرقابة على النقد الاجنبى ) بالبنك المركزى فرض عين يستوجب ويقتضى واقع الحال أو الظروف القائمة إتخاذ قرار فورى فى هذا الشأن من المسؤولين و القائمين على الأمر لوقف تدهور قيمة العملةالوطنية بإعتبار المسألة مسألة أمن قومى فى تخريب الاقتصاد السودانى وتمس كل الشعب السودانى.



