مقالات وآراء

كيف تنتهي الحرب الأهلية ويبدأ بناء السلام؟ (المقال الرابع من 17) لماذا يجب أن تقود القوى المدنية الديمقراطية عملية بناء السلام في السودان

قبل نحو ثمانية عشر عام، كتبتُ ورقة رأي لـ “إجماع كوبنهاغن 2008” بعنوان “النزاعات: مقال رأي حول التحدي الأمني في البلدان المعرضة للحروب الأهلية” (نورد المرجع الكامل للورقة في نهاية هذا المقال).
استناداً إلى الأدبيات التجريبية الناشئة، جادلتُ بأنه على الرغم من أن الترتيبات الأمنية لا غنى عنها، إلا أنها ليست كافية.
فالسلام المستدام يعتمد في نهاية المطاف على الشرعية السياسية، والمؤسسات الشاملة للجميع، ومشاركة القوى السياسية المدنية في تشكيل النظام ما بعد الحرب.
وبعد ما يقرب من عقدين من الزمن، جاءت التجربة السودانية المأساوية لتؤكد صحة ذلك التحذير.
إغراء “الصفقة السريعة”:
كلما طال أمد الحروب الأهلية وازدادت كلفتها الإنسانية، تعاظم الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق يوقف القتال بأسرع وقت ممكن.
وفي مثل هذه الظروف، يبرز ما يمكن تسميته بـ”إغراء الصفقة السريعة”، أي الاعتقاد بأن أسرع طريق إلى السلام يتمثل في جمع الأطراف المسلحة حول طاولة المفاوضات، والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتقاسم السلطة، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيداً المتعلقة بإعادة بناء الدولة والشرعية السياسية إلى مرحلة لاحقة.
ويبدو هذا المنطق، للوهلة الأولى، مقنعاً.
فالأطراف المسلحة هي التي تملك السلاح، وتسيطر على الأرض، وتمتلك القدرة على وقف القتال أو استئنافه.
ومن ثم، قد يبدو أن موافقتها على اتفاق سياسي تكفي لإنهاء الحرب.
لكن التجارب الدولية تشير إلى أن هذا الافتراض لا يصح إلا جزئياً.
فقد تنجح الاتفاقات التي تقتصر على النخب العسكرية في إسكات أصوات المدافع، لكنها كثيراً ما تعجز عن إزالة الأسباب السياسية والمؤسسية التي أدت إلى اندلاع الحرب في المقام الأول.
وتكمن المشكلة في أن مثل هذه الاتفاقات تعيد، في كثير من الأحيان، توزيع السلطة بين الأطراف المسلحة دون أن تعيد بناء أسس الشرعية السياسية.
ومع غياب المشاركة الفاعلة للقوى المدنية الديمقراطية، تظل مؤسسات الدولة ضعيفة، ويظل النظام السياسي الجديد امتداداً لموازين القوى العسكرية أكثر منه تعبيراً عن عقد اجتماعي جديد.
وعندئذ، لا يكون ما تحقق سلاماً مستداماً، بل هدنة قابلة للانهيار متى اختلت موازين القوة أو تبدلت حسابات الأطراف المتحاربة.
ولعل التجربة السودانية نفسها تقدم أحد أوضح الأمثلة على هذه المعضلة، كما يتضح من اتفاقية السلام الشامل لعام 2005.
اتفاقية السلام الشامل لعام 2005: درسٌ في الفرق بين إنهاء الحرب وبناء السلام:
لعل التجربة السودانية نفسها تقدم أوضح مثال عن محدودية مردود “الصفقة السريعة”.
فقد شكّلت اتفاقية السلام الشامل، الموقعة عام 2005، إنجازاً تاريخياً لا يجوز التقليل من شأنه، إذ أنهت واحدة من أطول الحروب الأهلية في أفريقيا، وأوقفت نزاعاً استمر عقوداً بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، كما فتحت الباب أمام مرحلة من الاستقرار النسبي ومهدت الطريق أمام ممارسة حق تقرير المصير لجنوب السودان.
غير أن الاتفاقية كشفت، في الوقت نفسه، عن أحد التحديات الرئيسة التي تواجه كثيراً من عمليات السلام.
فقد انحصرت المفاوضات، إلى حد كبير، بين الطرفين العسكريين الرئيسيين، بينما ظل حضور القوى السياسية والمدنية السودانية محدوداً في صياغة ترتيبات الحكم لما بعد الحرب.
ولم يكن ذلك مجرد تفصيل إجرائي، بل كان له أثرٌ مباشرٌ في طبيعة المؤسسات التي أفرزتها الاتفاقية، والتي عكست بدرجة كبيرة موازين القوى بين الطرفين الموقعين أكثر مما عكست توافقاً وطنياً واسعاً حول مستقبل الدولة السودانية.
ونتيجة لذلك، نجحت الاتفاقية في إنهاء الحرب بين الجيشين، لكنها لم تُنتج عقداً سياسياً جديداً يحظى بقبول واسع من مختلف مكونات المجتمع.
وظلت المنافسة السياسية أسيرة التوازنات التي فرضتها القوى المسلحة، بينما بقيت الأحزاب السياسية، والقوى المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، وسائر القوى الديمقراطية في موقع هامشي.
ومع مرور الوقت، تعثر الانتقال الديمقراطي، وظلت مؤسسات الدولة تعاني ضعفاً هيكلياً، وتآكلت الثقة المتبادلة بين الشريكين، وانتهى الأمر بانفصال جنوب السودان عام 2011، ثم تجدد النزاعات في كلا البلدين، وصولًا إلى الحرب الكارثية التي يشهدها السودان منذ أبريل 2023.
وليس المقصود من ذلك تحميل اتفاقية السلام الشامل وحدها مسؤولية هذه التطورات؛ فقد أسهمت فيها أيضاً تراكمات تاريخية من التهميش، وإخفاقات الحكم، وضعف مؤسسات الدولة، وعوامل داخلية وإقليمية ودولية أخرى.
غير أن التجربة تؤكد أن استبعاد القوى السياسية والمدنية من صياغة النظام السياسي لما بعد الحرب حرم الاتفاقية من أحد أهم مقومات السلام المستدام، وهو بناء شرعية وطنية واسعة تتجاوز التفاهم بين الأطراف المسلحة.
السلام المستدام يبدأ بالشرعية السياسية، لا بالمساومات المسلحة:
هذا هو جوهر الحجة التي طرحتها في ورقتي البحثية المقدمة إلى “إجماع كوبنهاغن” عام 2008، والتي جادلت فيها بأن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد إسكات أصوات المدافع، وإنما ببناء شرعية سياسية تحظى بقبول واسع من المجتمع.
فالبلدان لا تنزلق مجدداً إلى الحرب لأنها فقيرة فحسب، وإنما لأن قطاعات واسعة من مواطنيها لا ترى في مؤسسات الدولة إطاراً شرعياً وعادلاً لتسوية النزاعات وإدارة التنافس السياسي سلمياً.
ومن هنا، فإن الشرعية السياسية لا يمكن أن تكون نتاج تفاوض حصري بين الأطراف المسلحة، مهما بلغت أهميته في إنهاء القتال، لأنها لا تُستمد من امتلاك السلاح، بل من ثقة المجتمع في المؤسسات التي تحكمه.
ولهذا، ينبغي التمييز بين مرحلتين متكاملتين: وقف الحرب وبناء السلام.
فالأولى تقتضي، بطبيعتها، التفاوض مع الأطراف المتحاربة للتوصل إلى وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والاتفاق على الترتيبات الأمنية.
أما الثانية، فتتطلب بناء مؤسسات سياسية قادرة على إدارة التنوع والتنافس بوسائل سلمية، بما يجعل العودة إلى السلاح خيارًا غير ذي جدوى.
وإذا انفردت القوى المسلحة بتصميم النظام السياسي لما بعد الحرب، فإنها ستعيد، في الغالب، إنتاج منطق القوة الذي حكم زمن الحرب، فتتحول السلطة السياسية إلى غنيمة تتقاسمها الأطراف المسلحة، بدلاً من أن تستند إلى التفويض الشعبي والشرعية الديمقراطية.
والأسوأ من ذلك، أن هذه الصيغة تخلق بنية حوافز تشجع الفاعلين السياسيين مستقبلاً على النظر إلى السلاح، لا إلى صناديق الاقتراع، بوصفه الطريق الأقصر إلى السلطة، وهي الحلقة المفرغة التي يحتاج السودان إلى كسرها إذا أراد بناء دولة مستقرة وديمقراطية.
وقد يقال إن توسيع دائرة المشاركة في مفاوضات السلام سيجعلها أكثر تعقيداً ويطيل أمدها.
ولا يخلو هذا الرأي من وجاهة، فالمفاوضات الشاملة بطبيعتها أكثر تعقيداً من الصفقات الثنائية بين الأطراف المسلحة.
غير أن التعقيد لا يعني بالضرورة عدم الكفاءة.
فالمعيار الحقيقي لنجاح أي عملية سلام ليس سرعة التوصل إلى اتفاق، وإنما قدرتها على إنتاج سلام يدوم.
فالوقت الذي يُستثمر في بناء توافق وطني واسع يظل أقل كلفة بكثير من الثمن الباهظ للعودة إلى الحرب بعد سنوات قليلة، وقد أثبتت التجارب، في السودان وفي غيره، أن الاتفاقات الضيقة قد توقف القتال مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تؤسس لسلام مستدام أو لدولة قادرة على إدارة خلافاتها بوسائل ديمقراطية.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يحتاجه السودان اليوم لا يقتصر على اتفاق لوقف الحرب، وإنما عملية سياسية شاملة تجعل المفاوضات العسكرية بوابةً لبناء الدولة، لا بديلاً عنها.
وينبغي أن يصاحب أي اتفاق لوقف إطلاق النار حوارٌ وطني واسع تتبوأ فيه القوى المدنية الديمقراطية موقعاً قيادياً، لا مجرد دور استشاري.
فالغاية ليست إعادة توزيع السلطة بين الأطراف المسلحة، وإنما نقل مصدر الشرعية السياسية من القوة العسكرية إلى مؤسسات مدنية ديمقراطية تستمد مشروعيتها من إرادة المواطنين.
وهذا يقتضي مشاركة الأحزاب السياسية الملتزمة بالحكم الديمقراطي، والنقابات والجمعيات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، والقطاع الخاص، والإدارات الأهلية، وممثلي النازحين واللاجئين، وسائر المكونات الاجتماعية، في صياغة العقد الاجتماعي الجديد الذي سيحكم السودان بعد الحرب.
إن الدرس الذي يقدمه تاريخ السودان الحديث واضح: فقد تنجح الاتفاقات التي يبرمها المسلحون وحدهم في وقف القتال، لكنها نادراً ما تنجح في بناء دولة ديمقراطية مستقرة.
ولذلك، ينبغي ألا تكرر عملية السلام المقبلة أحد أبرز أوجه القصور في الاتفاقات السابقة.
فلا غنى عن مشاركة المؤسسة العسكرية بشقيها وكذلك المليشيات المتحالفة معها في المفاوضات، لكنها يجب ألا تكون صاحبة الصوت الوحيد في تقرير مستقبل البلاد.
فمستقبل السودان ينبغي أن يصنعه أيضاً أولئك الذين سيبنون السلام، لا أولئك الذين خاضوا الحرب وحدهم.
ولعل من اللافت أن الأدبيات التي تطورت خلال العقدين الماضيين جاءت، في معظمها، متسقة مع هذه الرؤية (أنظر المراجع أدناه).
وهكذا، فإن ما كان يمثل طرحاً مبكراً في حوارات “إجماع كوبنهاغن” عام 2008 أصبح اليوم أحد المبادئ الراسخة في الأدبيات الحديثة حول بناء السلام وإعادة بناء الدولة بعد النزاعات.
المراجع:
• Elbadawi, Ibrahim. 2008. “Conflicts: Perspective Article on “The Security Challenge in Conflict-Prone Countries.” Copenhagen Consensus 2008 Perspective Paper.
• Call, C. T. (2012). Why Peace Fails: The Causes and Prevention of Civil War Recurrence.
• Richmond, O. P. (2011). A Post-Liberal Peace. London: Routledge.
• Richmond, O. P. (2016). Peace Formation and Political Order in Conflict Affected Societies. Oxford: Oxford University Press.
• Mac Ginty, R. (2011). International Peacebuilding and Local Resistance: Hybrid Forms of Peace. London: Palgrave Macmillan.

‫3 تعليقات

  1. ما يجعل من اسهامتكم محل تقدير انها تتقيد بالمهنية والمنهجية العلمية بعيدا عن إرضاء الذات أو الهتيفة.
    اتفق تماما بطرحكم وأزيد:
    الحرب استثناء والسلام ركيزة اساسية وضرورة لحياة الإنسان وباقي المخلوقات، لهذا من الطبيعي أن تكون الكلمة العليا في استدامة الحياة للمدنيين وليس لحاملي السلاح.
    التجربة السودانية مليئة بالعبر والدروس ولكن للأسف لا نتعلم وربما لا أبالغ إن قلت نتعمد ألا نتعلم!
    وحتى نصل إلى ما قصده البروف من اهداف، من الضروري أن نعي أن المؤسسات المدنية المناط بها تخقيق هذه الأهداف تحتاج في ذات نفسها إلى بناء خصوصا بعد وقف الحرب…لأن المهدد الحقيقي يأتي من جهة إختطاف المشهد من بعض المدنيين الذين ينسبون أنفسهم لكيانات سياسية لم تحصل على التمثيل الشعبي ولهذا يبقى التحدي في كيفية معالجة المشهد بعد الحرب للوصول للمؤسسات الشرعية التي تعبر حقيقة عن تطلعات واحتياجات الشعب وبالتالي نمنع الإنزلاق نحو العودة لمربع الحروب.
    عندما أفكر في اليوم التالي لوقف الحرب ينتابني شعور سالب لعلمي أن المتربصين بإختطاف المشهد هم أكثر ضجيجا من أولئك الذين لهم الكفاءة والقدرات المطلوبة لإحداث التحول.
    شكرا بروف

    1. ألف شكر أستاذ قورتى .. أتفق معك تماماً إذ نحن فى أمس الحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية على هدى مشروع وطنى يحقق شعار ثورة الشعب الخالد: حرية، سلام وعدالة.

  2. من “يجب أن تقود القوى المدنية” إلى “كيف تُبنى آلية القيادة”
    قراءة نقدية في مقال البروفيسور إبراهيم البدوي من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة

    د. علي عبدالله الخليفة طه

    مدخل: اتفاق في التشخيص، افتراق في الآلية

    يقدّم البروفيسور إبراهيم أحمد البدوي، في مقاله الرابع من سلسلته السبعة عشر، تأصيلاً نظرياً رصيناً لفكرة طالما شكّلت حجر الزاوية في أدبيات بناء السلام: أن الشرعية السياسية لا تُستمد من امتلاك السلاح، بل من ثقة المجتمع بمؤسساته. ويستدعي لذلك تجربته الشخصية في “إجماع كوبنهاغن 2008″، ويسند طرحه إلى أدبيات Call وRichmond وMac Ginty، قبل أن يخلص إلى قراءة نقدية لاتفاقية السلام الشامل لعام 2005 بوصفها نموذجاً لـ”الصفقة السريعة” بين نخبتين عسكريتين، أنتجت هدنة قابلة للانهيار لا سلاماً مستداماً.
    هذا التشخيص صحيح، وميثاق النجاة وبناء الدولة يشاركه إياه من أساسه. غير أن المقال، شأنه شأن أغلب الأدبيات التي يستند إليها، يتوقف عند حدود المبدأ المعياري: “يجب أن تقود القوى المدنية الديمقراطية عملية بناء السلام”. وهذا صحيح كشعار، لكنه غير كافٍ كخطة. فالسؤال الذي لا يجيب عليه المقال، وهو بالضبط السؤال الذي يتأسس الميثاق للإجابة عليه، هو: من يقرر من يمثّل “القوى المدنية”؟ وبأي آلية تُرجَّح الأصوات المتنافسة داخل هذا الحيز المدني نفسه، بحيث لا يتحول بدوره إلى نخبة جديدة غير ممثِّلة؟

    أولاً: التعداد ليس هندسة

    يسرد البروفيسور البدوي، في ختام مقاله، قائمة من الفاعلين الذين ينبغي إشراكهم: الأحزاب الملتزمة بالحكم الديمقراطي، النقابات، منظمات المجتمع المدني، النساء، الشباب، القطاع الخاص، الإدارات الأهلية، ممثلو النازحين واللاجئين. هذه القائمة صحيحة تماماً في محتواها، لكنها تبقى تعداداً وصفياً لا هندسة مؤسسية. فهي لا تجيب على الأسئلة التالية:
    • كيف تُختار الأصوات التي “تمثّل” كل فئة من هذه الفئات؟
    • كيف يُحسم التنافس بين الفصائل المدنية نفسها حين تتناقض مطالبها (كما حدث فعلياً بين تنسيقيات “الحرية والتغيير” المتعددة)؟
    • من يضمن ألا يتحول “التمثيل المدني” إلى واجهة لنخبة مركزية جديدة تكرر إقصاء الأطراف والهامش؟
    الميثاق يجيب على هذه الأسئلة عبر الركيزة الرابعة: تمثيل إقليمي موزون (weighted regional representation) وآلية توافق مرجّح (weighted consensus)، وليست مجرد “مقعد على طاولة الحوار الوطني”. الفرق هنا ليس درجة تفصيل إضافية، بل فرق نوعي بين نداء أخلاقي وبين تصميم مؤسسي قابل للتطبيق والمساءلة.

    ثانياً: من “بناء الثقة” إلى بنية العدالة الانتقالية الثلاثية

    حين يتحدث البروفيسور البدوي عن “بناء عقد اجتماعي جديد” وتجاوز “أسباب اندلاع الحرب”، فإنه يستدعي ضمناً قضية الثقة المجتمعية المتصدعة تاريخياً، دون أن يقترح آلية لمعالجتها. الميثاق يترجم هذا المطلب إلى بنية ثلاثية الطبقات: مجالس المصالحة المحلية لمعالجة النزاعات الأهلية المباشرة، لجنة الحقيقة والتعويض لمعالجة الانتهاكات الممنهجة، ودائرة الجرائم الكبرى لمحاسبة من لا تكفي معهم المصالحة. هذا التدرج ضروري لأن “الثقة” ليست حالة نفسية جماعية تُستعاد بالخطاب، بل نتاج إجراء قابل للتحقق يمر به المجتمع خطوة خطوة.

    ثالثاً: من “الكلفة مقابل السرعة” إلى من يموّل التوافق

    يحاجج البروفيسور البدوي، بحق، بأن الوقت المستثمر في توافق وطني واسع أقل كلفة من ثمن العودة إلى الحرب. لكن هذه الحجة تبقى معنوية ما لم تُربط بسؤال عملي أشد إلحاحاً: من يموّل عملية التوافق هذه، وبأي ضمانات تُدار الموارد بمعزل عن هيمنة أي طرف عسكري واحد على مفاصل الاقتصاد والريع؟ هنا يتقدّم الميثاق بمبدأ السيادة المالية كشرط مسبق لا كنتيجة لاحقة للتوافق السياسي، وبـالنفير كآلية تنفيذ شعبي تمنح المسار السياسي قاعدة اجتماعية فعلية لا مجرد توقيعات نخبوية.

    رابعاً: الإفتقار بوصفه الأساس الفلسفي الغائب

    حجة البروفيسور البدوي الضمنية ( أن لا طرف يملك وحده مفتاح الشرعية، وأن القوة العسكرية لا تكفي مهما بلغت) تقترب، دون أن تسميها، من فكرة الإفتقار بنسختها العلمانية: أن الفاعل السياسي، مهما امتلك من قوة، يظل مفتقراً بنيوياً إلى اعتراف الآخرين به كي تكتمل شرعيته. وهذا ما عبّر عنه هايدغر بمفهوم الـ Mitsein (الكينونة – مع)، وما فصّله سيمون كريتشلي في Infinitely Demanding حول الديمقراطية كمطلب لا يكتمل أبداً، وما تؤكده أطروحة إلينور أوستروم حول إدارة الموارد المشتركة: لا حل مستداماً يُفرض من فوق أو من طرف واحد، بل يُبنى تشاركياً عبر قواعد يعترف بها الجميع.
    المقال يقف عند هذا المبدأ الفلسفي-السياسي العام دون أن يترجمه إلى معمار مؤسسي. الميثاق يأخذ هذا المبدأ نفسه ، في صيغته العلمانية هنا، بمعزل عن جذوره الصوفية عند ابن عطاء الله السكندري التي تبقى محفوظة لسياقاتها الروحية ، ويحوّله إلى أركان أربعة قابلة للتفعيل: الشرعية الوظيفية التصاعدية، الركيزة الرابعة، العدالة الانتقالية الثلاثية، والسيادة المالية.

    خلاصة

    مقال البروفيسور البدوي أداة تشخيصية رصينة تؤكد، من خارج دائرة الميثاق، صحة الفرضية التي يقوم عليها: أن الشرعية لا تُبنى بالسلاح بل بالثقة المؤسسية. لكنه، كما فعل المعلّق “قورتي” في تعقيبه حين حذّر من خطر اختطاف المشهد المدني من فصائل لا تملك تمثيلاً شعبياً حقيقياً، يكشف بذاته عن الفجوة التي يحاول الميثاق سدّها: الانتقال من “من يجب أن يقود” إلى “كيف تُبنى آلية القيادة” بحيث لا تتحول القيادة المدنية نفسها إلى نخبة إقصائية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..