مقالات وآراء

من الشعار إلى الآلية: قراءة نقدية في بيان قوى إعلان المبادئ (نيروبي، يوليو 2026) في ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة

د. علي عبدالله الخليفة طه

أولاً: طبيعة البيان ومنهج القراءة

أصدرت قوى إعلان المبادئ، عقب اجتماعاتها في نيروبي بين 19 و21 يوليو 2026، بياناً ختامياً يحمل مضموناً إنسانياً وسياسياً لا يُختلف على وجاهته: الدعوة إلى هدنة إنسانية فورية، إدانة استهداف المدنيين والبنية التحتية، رفض مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في أي تسوية، والمطالبة بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات بما فيها الاتهامات الخطيرة باستخدام الأسلحة الكيميائية.
غير أن مهمة القراءة النقدية هنا ليست تقييم صواب هذه المواقف من حيث المبدأ، بل اختبارها وفق معيار أكثر صرامة: هل تُترجم هذه المواقف إلى آليات مؤسسية قابلة للتفعيل، أم تبقى في مستوى التوصيف السياسي والإدانة الأخلاقية؟ هذا هو المعيار الذي حكم قراءاتنا السابقة لعدد من وثائق ومساهمات المحللين السودانيين ، وهو المعيار ذاته الذي بُني عليه “بروتوكول التفعيل” كملحق تطبيقي للميثاق.

ثانياً: الفجوة الأولى : الهدنة الإنسانية بلا آلية تحقق

يدعو البيان إلى “هدنة إنسانية فورية” ويربطها بحماية المدنيين ووقف استهداف البنية التحتية، لكنه لا يحدد جهة الرصد الميداني، ولا آلية التحقق من الخروقات، ولا الطرف المخوَّل بالإشراف على تنفيذها على الأرض. الفجوة هنا ليست في النية بل في غياب الهيكل التنفيذي الذي يحوّل الدعوة إلى التزام قابل للمساءلة.
“الهدنة كإعلان نيّة تُصاغ في ساعات؛ الهدنة كالتزام قابل للتحقق تحتاج آلية رصد مستقلة، وتسلسلاً واضحاً للإبلاغ، وجهة تنفيذ ذات صلاحية فعلية على الأرض.”
هذه بالضبط الفجوة الأولى التي عالجها بروتوكول التفعيل: من يملك سلطة الإنفاذ حين يُخرَق الاتفاق؟ بيان نيروبي، ككثير من البيانات المماثلة، يترك هذا السؤال معلّقاً.

ثالثاً: الفجوة الثانية : “القيادة المدنية السودانية” بلا تعريف تمثيلي

يطالب البيان بعملية سياسية “بقيادة مدنية سودانية” دون أن يحدد آلية تمثيل الأقاليم والمكونات المتعددة داخل هذه القيادة. وهذا هو بالضبط موقع الركيزة الرابعة في الميثاق: التمثيل الإقليمي والتوافق الموزون، الذي يشترط ضمانات تمثيلية محددة لا شعارات عامة.
والدلالة هنا ليست شكلية: البيان نفسه يذكر تصاعد المواجهات في الأبيض وكردفان ودارفور والنيل الأزرق ، أي بالضبط المناطق التي تاريخياً عانت من تهميش تمثيلي في مركزية الخرطوم. فحين تُطرح “القيادة المدنية” دون آلية توازن تمثيلي محددة، يبقى الشعار قابلاً لإعادة إنتاج المركزية ذاتها التي أنتجت الحرب، وإن بواجهة مدنية جديدة.

رابعاً: الفجوة الثالثة : المساءلة عن الانتهاكات بلا بنية عدالة انتقالية متدرجة

يطالب البيان بتوثيق الانتهاكات ، بما فيها اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية ، و”المحاسبة وفقاً للقانون الدولي”. هذه الصياغة تحيل المساءلة إلى مرجعية دولية عامة دون مسار سوداني داخلي متدرج.
الميثاق يعالج هذه الفجوة عبر بنية ثلاثية محددة: مجالس المصالحة المحلية للجرائم ذات الطابع المجتمعي، ولجنة الحقيقة والتعويض للانتهاكات الجسيمة موثّقة النطاق، وغرفة الجرائم الكبرى للجرائم الدولية التي يتجاوز حجمها القدرة الاستيعابية للمسارين الأول والثاني. غياب هذا التدرج في بيان نيروبي يعني أن “المحاسبة” تبقى مطلباً تفاوضياً قابلاً للتأجيل، لا التزاماً مؤسسياً له مسار زمني ومرجعية قانونية داخلية.

خامساً: الفجوة الرابعة،:استبعاد المؤتمر الوطني والإسلاميين: موقف سياسي بلا إجراء دستوري

الرفض القاطع لمشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما موقف سياسي له سنده التاريخي والأخلاقي. غير أن صياغته في البيان تأتي على مستوى الانتماء التنظيمي الشامل، دون معايير فرز إجرائية تُبنى على أفعال موثقة (كما تشترط أدبيات العدالة الانتقالية المقارنة عند التعامل مع نُظم الاستبعاد السياسي، من نماذج ما بعد الفصل العنصري إلى تجارب أوروبا الشرقية بعد الشيوعية).
دون هذا الفرز الإجرائي، يظل الاستبعاد عرضة لتوظيفين متناقضين: إما التساهل لاحقاً مع أفراد بعينهم عبر تسويات غير معلنة، أو التوسع في الاستبعاد إلى حد يهدد مبدأ الاستحقاق الوظيفي التصاعدي الذي يقوم عليه الميثاق ، أي أن يُبنى الحق في المشاركة على الفعل والكفاءة والولاء للعقد الجديد، لا على التصنيف الجماعي المسبق.

سادساً: الفجوة الخامسة: التنسيق الدولي بلا أساس فلسفي للتوافق

يتحدث البيان عن “تنسيق” و”شراكة” مع الجهود الإقليمية والدولية، وعن رفض السماح لطرفي الحرب بفرض أجندتهما. هذا مطلب تكتيكي سليم، لكنه يفتقر إلى الأساس الذي يمنحه عمقاً يتجاوز حسابات المصلحة الآنية بين الفاعلين.
هنا يتقدّم مفهوم الافتقار بصيغته العلمانية الفلسفية: الحاجة المتبادلة كأساس أنطولوجي للاجتماع السياسي، لا كحساب مصلحي عابر. الشراكة المبنية على الاعتراف المتبادل بالحاجة (على نسق Mitsein عند هايدغر، أو المسؤولية تجاه الآخر عند ليفيناس، أو المنطق التشاركي في أوبونتو وحوكمة الموارد المشتركة عند إلينور أوستروم) تنتج التزاماً أعمق من التحالف التكتيكي القابل للانفراط عند أول تعارض مصلحي. بيان نيروبي يفترض هذا التوافق ضمناً، لكنه لا يؤسسه، وبالتالي يبقى عرضة للتفكك متى تغيرت حسابات الأطراف الإقليمية والدولية.

سابعاً: خلاصة : من البيان إلى الآلية

بيان قوى إعلان المبادئ يمثل نموذجاً نمطياً لخطاب المعارضة المدنية السودانية في هذه المرحلة: صياغة أخلاقية وسياسية سليمة المبدأ، لكنها تفتقر إلى الآليات الإجرائية الخمس التي يشترطها البناء المؤسسي الفعلي ، آلية تحقق للهدنة، تعريف تمثيلي للقيادة المدنية، بنية عدالة انتقالية متدرجة، معايير فرز إجرائية للاستبعاد السياسي، وأساس فلسفي للشراكة الدولية.
هذه الفجوات الخمس ليست عيباً في نوايا موقّعي البيان، بل هي بالضبط الفراغ الذي صُمم الميثاق وبروتوكول التفعيل لملئه: تحويل التوافق السياسي العام إلى بنية قابلة للتطبيق، بأسماء آليات محددة، وتسلسل زمني، ومرجعية تنفيذية واضحة. والاختبار الحقيقي لأي بيان مقبل من قوى إعلان المبادئ أو غيرها هو مدى قربه من هذا المستوى من التحديد، لا مدى بلاغة صياغته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..