قبل أن تبحث عن أصالة الأحزاب السودانية… لا تنسَ الحزب الجمهوري؟!

بقلم: حسن عبد الرضي
كتب الدكتور عصام دكين مقالاً بعنوان: «هل سيظل اليسار العلماني واليمين الإسلامي خصمين في السودان أم يصبحا متفقين على مشروع نظام سياسي علماني صنع في السودان؟»، حاول فيه أن يرسم خريطة لنشأة الأحزاب السياسية السودانية، وأن يثبت أن معظمها لم ينشأ من رحم السودان، وإنما جاء امتداداً لمشروعات خارجية، أو صُنع في كواليس الاستعمار، أو استورد أفكاره من مصر أو أوروبا أو الاتحاد السوفيتي أو العالم العربي.
وللدكتور عصام دكين أن يختلف مع من يشاء، وأن يقرأ التاريخ من الزاوية التي يراها، ولكن من حقنا نحن أيضاً أن نسأله، وبصراحة لا تعرف المداراة: كيف نسيت الحزب الجمهوري؟
كيف كتبت عن الأحزاب السودانية، وعن الأصيل والدخيل، وعن المستورد والمصنوع، وعن القوى التي قاومت الاستعمار، ثم مررت على تاريخ السودان السياسي وكأن الحزب الجمهوري لم يكن موجوداً؟ هل كان ذلك سهواً؟ أم أن الحزب الجمهوري، في حسابات بعض الإسلاميين، ينبغي أن يبقى خارج التاريخ، حتى لا يتذكر الشباب أن في السودان تجربة سياسية وفكرية سودانية خالصة، سبقت كثيراً من التنظيمات التي يتحدثون عنها اليوم، وأن مؤسسها الأستاذ محمود محمد طه كان من أوائل من واجهوا الاستعمار بالفعل، لا بالكلام الذي يأتي بعد رحيله؟
فإن كانت المسألة مجرد سهو، فالتاريخ يحتاج إلى تصحيح. وإن كانت المسألة تجاهلاً، فالتاريخ لا يقبل التزوير. وإن كانت المسألة أن دعاة الإسلام السياسي لا يريدون للشباب أن يعرفوا تجربة الأستاذ محمود محمد طه، فهنا تكون المسألة أخطر من مجرد خطأ في كتابة مقال.
والحزب الجمهوري حزب لا يحتاج إلى شهادة من القاهرة ولا لندن ولا موسكو. فأنت، يا دكتور عصام تقول إن الحزب الشيوعي السوداني امتداد للشيوعية العالمية، وإن الإخوان المسلمين امتداد للإخوان المسلمين في مصر، وإن البعث امتداد للبعث العربي، وإن الناصرية امتداد للناصرية المصرية، وإن الأحزاب الطائفية ارتبطت بمراكز نفوذ استعمارية وإقليمية. حسناً. قد نناقشك في التفاصيل، وقد نختلف مع بعض توصيفاتك، ولكن دعنا نضع السؤال أمامك: أين تضع الحزب الجمهوري السوداني؟ هل جاء من القاهرة؟ هل تأسس في لندن؟ هل تلقى تعليماته من موسكو؟ هل كان فرعاً لحزب أجنبي؟ هل كان نسخة سودانية من تنظيم عالمي؟ أم أنه نشأ في السودان، من واقع السودان، وبقيادة سودانية، وطرح قضية السودان من موقع الاستقلال الكامل؟
هنا، يا دكتور، ستجد نفسك أمام حقيقة لا تستطيع تجاوزها بسهولة. فالحزب الجمهوري الذي أسسه الأستاذ محمود كان تجربة سياسية سودانية المنشأ، سودانية القيادة، مستقلة في قرارها، ولم يكن امتداداً تنظيمياً لأي حزب أجنبي. بل إن موقفه من الاستعمار كان أكثر وضوحاً من كثير من القوى التي ظلت تتنازع حول أي استعمار أولى بالطاعة: الإنجليزي أم المصري. حيث كان الجمهوريون يقولون بوضوح: لا إنجليزي ولا مصري. السودان للسودانيين. والاستقلال لا يكون باستبدال وصاية بوصاية، ولا بتغيير علم فوق القصر الجمهوري مع بقاء عقل المستعمَر أسيراً لعلاقة التبعية. فهل هذه «أصالة سودانية» أم لا؟
والأستاذ محمود لم ينتظر الاستقلال ليصبح بطلاً. ولكن من أكبر مشكلات الذاكرة السودانية أن كثيراً من الناس لا يعرفون تاريخهم إلا من خلال الروايات التي كتبتها القوى المنتصرة أو الجماعات الأكثر ضجيجاً. ولهذا، ربما لم يعرف كثير من الشباب أن الأستاذ محمود لم يكن سياسياً ظهر بعد الاستقلال، ولم يكن من أولئك الذين انتظروا خروج المستعمر ليبدأوا في الحديث عن الوطنية. لقد دفع الأستاذ محمود ثمن مواقفه السياسية في زمن الاستعمار. فدخل السجن بسبب معارضته للسلطة الاستعمارية. وكان من أوائل الذين واجهوا النظام الاستعماري مواجهة سياسية مباشرة.
وهنا نسأل: أين كان كثير من الذين يملأون اليوم صفحات التاريخ بأمجادهم حين كان الاستعمار قائماً؟ وأين كان الذين يوزعون شهادات الوطنية بعد أن أصبح ثمنها رخيصاً؟ إن الوطنية التي لا تكلف صاحبها شيئاً سهلة. أما أن تقف في وجه سلطة استعمارية، وتدفع حريتك ثمناً لموقفك، فهذه صفحة أخرى من الوطنية. ولهذا فإن تجاهل تجربة الأستاذ محمود عند الحديث عن مقاومة الاستعمار السوداني ليس مجرد نقص في المعلومات؛ إنه خلل في ميزان التاريخ.
وأنتم معذورون يا دكتور عصام فتوجهكم الاسلاموي قد حجبكم عن المعرفة! ولعلنا نعذرك، يا دكتور عصام، في ألا تكون قد عرفت الأستاذ محمود كما ينبغي. نعذرك، لأن تيارات الإسلام السياسي في السودان بذلت جهداً هائلاً في عزل الشباب عن معرفة قدر الرجال. نعذرك، لأن الأجيال الجديدة كثيراً ما تلقت صورة الأستاذ محمود محمد طه من خصومه، لا من كتبه. نعذرك، لأن خصوم الأستاذ جعلوا من تكفيره بديلاً عن قراءة أفكاره. نعذرك، لأن كثيراً من الإسلاميين أرادوا أن يضعوا أمام الشباب خياراً زائفاً: إما الإسلام السياسي، وإما الكفر بالدين! ثم جاء الأستاذ محمود ليهدم هذه الثنائية من أساسها. إذ قال لهم، عملياً: يمكن أن تكون مسلماً دون أن تكون إخوانياً. ويمكن أن تدافع عن الإسلام دون أن تجعل الحزب السياسي وصياً على الدين. ويمكن أن تؤمن بأن الإسلام هو دين الحرية والسلام، دون أن تحوله إلى مشروع للسيطرة على الدولة. وهنا كانت خطورة الأستاذ محمود على مشروع الإسلام السياسي. ولم يكن خطراً لأنه رفض الإسلام. بل كان خطراً، في نظر خصومه، لأنه قدم فهماً جديداً للإسلام ينافس مشروعهم من داخل الإسلام نفسه.
إن الجمهوريين لم يكونوا علمانيين مستوردين من حيث تأتي المفارقة الكبرى في مقال الدكتور عصام. فهو يتحدث عن «اليسار العلماني» و«اليمين الإسلامي» وكأن السودان لم يعرف إلا هذين الخيارين. وهذه ثنائية مضللة. فالحزب الجمهوري لا يمكن وضعه ببساطة في خانة اليسار العلماني، كما لا يمكن وضعه في خانة الإسلام السياسي. لقد كان مشروعاً ثالثاً مختلفاً. مشروعاً يرى أن أزمة السودان ليست في غياب الشعارات الإسلامية، وإنما في غياب الإنسان الحر. ويرى أن الدولة لا تصبح إسلامية بمجرد رفع شعار الإسلام، وإنما بالعدل والحرية والمساواة والرحمة. ويرى أن الدين إذا تحول إلى أداة لإكراه الناس فقد فقد جوهره الأخلاقي. ويرى أن المجتمع لا يُصلح بالإرهاب، ولا بالتكفير، ولا بالوصاية، وإنما بتربية الإنسان على الحرية والمسؤولية. وهذا هو الفارق الجوهري بين الإسلام الذي يحرر الإنسان والإسلام الذي يُستخدم لتقييد الإنسان.
كما أن الاستعمار الحقيقي ليس فقط جندياً أجنبياً. وربما كان هذا هو الدرس الذي لم تنتبه إليه كثير من الأحزاب السودانية. فالاستعمار ليس فقط جندياً أبيض يقف على بوابة السراي. الاستعمار يمكن أن يكون فكرة. يمكن أن يكون تبعية. يمكن أن يكون استيراداً أعمى لنموذج سياسي أجنبي. ويمكن أن يكون أن يستبدل الإنسان السوداني مرجعيته المستقلة بمرجعية تأتيه من القاهرة أو موسكو أو لندن أو غيرها. ومن هنا كان الحزب الجمهوري أكثر عمقاً في فهم قضية التحرر. فهو لم يكن يريد فقط إخراج المستعمر من السودان، بل كان يريد إخراج الاستعمار من عقول السودانيين. وهذه هي المعركة الأصعب. فقد يخرج الإنجليزي من الخرطوم، ويبقى الإنجليزي في العقل. وقد يرحل المصري، وتبقى التبعية. وقد ينهار الاستعمار السياسي، ويظل الاستعمار الفكري قائماً. وقد يرفع السودان علمه الوطني، بينما تظل إرادته السياسية مرهونة بالخارج. أما التحرر الحقيقي، فيبدأ من الإنسان. وهذه كانت إحدى القضايا المركزية في مشروع الأستاذ محمود محمد طه.
أما أن تقول إن كل الأحزاب السودانية دخيلة، فذلك يحتاج إلى مراجعة. ونحن لا نحتاج إلى أن ندافع عن كل الأحزاب السودانية، ولا إلى أن نمنح صكوك الوطنية لأي حزب. لكننا أيضاً لا نقبل التعميم. فالتاريخ ليس أبيض وأسود. هناك أحزاب تأثرت بأفكار خارجية، نعم. وهناك أحزاب ارتبطت تاريخياً بمراكز نفوذ خارجية، نعم. وهناك أحزاب سودانية تبنت أفكاراً عالمية وأعادت صياغتها في بيئتها السودانية. وهناك أيضاً حزب سوداني أصيل نشأ من واقع السودان، وطرح مشروعاً سودانياً مستقلاً، ووقف ضد الاستعمار، ولم يكن تابعاً لتنظيم خارجي. ذلك هو الحزب الجمهوري. ولذلك فإن العبارة الأدق ليست أن «كل الأحزاب السودانية مستوردة»، وإنما أن المشهد الحزبي السوداني كان مزيجاً من المؤثرات الداخلية والخارجية، مع وجود تجارب سودانية مستقلة أصيلة، وفي مقدمتها التجربة الجمهورية. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تقال. فلا تجعل خصومتك، يا دكتور، مع الأستاذ تحجب عنك الأستاذ محمود محمد طه. يمكنك أن تختلف معه. يمكنك أن ترفض فكره. ويمكنك أن تناقش أطروحاته. هذا كله حقك. لكن لا يمكنك أن تكتب تاريخ السودان السياسي، ثم تحذف من الصفحة المفكر الذي أسس حزباً سودانياً أصيلاً، وواجه الاستعمار، ودفع ثمن مواقفه، فكان أول سجين سياسي تهمته أنه قدم رؤية متكاملة للسودان وللإسلام وللدولة وللإنسان. ولا يمكنك أن تتحدث عن «الإسلام السوداني» ثم تتجاهل واحداً من أعمق المشاريع الفكرية السودانية التي أعادت قراءة الإسلام من أجل الإنسان. ولا يمكنك أن تتحدث عن «العلمانية المصنوعة في السودان» وتتجاهل أن هناك، قبل هذا المصطلح بزمن طويل، مشروعاً سودانياً كان يقول إن الإسلام لا يحتاج إلى سلطة قهرية حتى يعيش، وإن الإنسان لا يحتاج إلى هوس حتى يكون مسلماً. فالحزب الجمهوري ليس هامشاً في التاريخ، بل هو سؤال التاريخ نفسه.
ليست المشكلة في أن يكون الحزب الجمهوري قد غاب من مقال الدكتور عصام. المشكلة أن الحزب الجمهوري غاب طويلاً من الذاكرة العامة للسودانيين. غاب لأن خصومه أرادوا له أن يغيب. وغاب لأن الإسلاميين خافوا من أن يقرأ الشباب كتب الأستاذ محمود. وغاب لأن بعض القوى السياسية لم تجد مصلحة في فتح ملف التجربة الجمهورية. وغاب لأن التاريخ السوداني كُتب كثيراً بأقلام الطوائف والأحزاب والانقلابات، ولم يُكتب بما يكفي بقلم الفكر الحر. فالأستاذ محمود لم يكن عابراً. والحزب الجمهوري لم يكن حادثة هامشية. لقد كان صوتاً سودانياً مستقلاً في زمن التبعية. وكان مشروعاً سياسياً في زمن الاستعمار. وكان مشروعاً إسلامياً في زمن الجمود. وكان مشروعاً للحرية في زمن الوصاية. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نوجهه اليوم إلى الدكتور عصام دكين، وإلى كل من يريد أن يكتب تاريخ الأحزاب السودانية، هو: إذا كنت تبحث عن الحزب السوداني الأصيل، الذي لم يكن فرعاً لحزب أجنبي، ولا امتداداً لتنظيم عالمي، ولا تابعاً لعاصمة خارجية، فلماذا لم تبدأ بالحزب الجمهوري؟ وإذا كنت تبحث عن الذين وقفوا ضد الاستعمار، فلماذا لم تضع الأستاذ محمود في مقدمة من تتحدث عنهم؟ وإذا كنت تبحث عن مشروع إسلامي سوداني مستقل، فلماذا لم تقرأ مشروع الأستاذ محمود محمد طه قبل أن تتحدث عن الإسلاميين؟ وإذا كنت تبحث عن تحرير السودان، فلماذا لم تتوقف عند مفكر كان يرى أن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الإنسان؟
ختاماً، يا زميلي عصام، قد تكون محقاً في نقد كثير من الأحزاب. وقد تكون محقاً في كشف كثير من علاقات التبعية والتأثر الخارجي. ولكنك أخطأت حين جعلت الخريطة السياسية السودانية بلا لون جمهوري. لقد نسيت، أو ربما غفلت، عن حزب سوداني خرج من رحم السودان. ونسيت رجلاً سودانياً وقف في وجه الاستعمار. ونسيت سجناً دخل إليه الأستاذ محمود محمد طه قبل أن يصبح الحديث عن الوطنية تجارة رابحة. ونسيت مشروعاً إسلامياً سودانياً لم يستورد إسلامه من القاهرة، ولم يستورد فكره من لندن، ولم يستورد حريته من موسكو. كان الأستاذ محمود سودانياً. وكان الحزب الجمهوري سودانياً. وكان مشروعه في الاستقلال سودانياً. وكان سؤاله عن الإسلام سودانياً. وكانت معركته مع الاستعمار سودانية. وكانت رؤيته للحرية والإنسان سودانية. ولهذا فإننا لا نطالب بإعادة كتابة التاريخ مجاملةً للحزب الجمهوري. نحن نطالب بإعادة كتابته إنصافاً للحقيقة. فالتاريخ الذي يحذف الأستاذ محمود لا يكون تاريخاً كاملاً للسودان. والتاريخ الذي يتحدث عن الأحزاب السودانية ولا يذكر الحزب الجمهوري، هو تاريخٌ يحتاج إلى مراجعة. أما السودان الذي نحلم به، فلن يولد من صراع اليمين واليسار، ولا من صراع الطائفية والعلمانية، ولا من صراع الإسلاميين والشيوعيين. سيولد حين يتحرر السوداني من كل وصاية: من وصاية المستعمر، ووصاية الطائفة، ووصاية الحزب، ووصاية العسكر، ووصاية رجال الدين، ووصاية الخوف. وهذا، في جوهره، هو المعنى الذي ظل الحزب الجمهوري يدافع عنه: أن الإنسان الحر هو غاية الدين، وأن الحرية لا تُمنح من أحد، وإنما هي حق أصيل للإنسان.
فيا دكتور عصام، قبل أن تبحث عن «مشروع سياسي علماني صنع في السودان»، اقرأ جيداً مشروعاً سودانياً سبق كثيراً من هذه التقسيمات، مشروعاً لم يكن علمانياً بالمعنى الغربي، ولا إخوانياً بالمعنى التنظيمي، ولا شيوعياً بالمعنى الماركسي. اقرأ محمود محمد طه. فربما اكتشفت أن السودان لم يكن خالياً من مشروعه الأصيل. بل كان مشروعه الأصيل موجوداً، ولكن بعض الناس بذلوا جهداً عظيماً حتى لا يراه أحد. لعلك قد نسيت مداخلاتك في ندوات وحوارات الجمهوريين في مركز الاستاذ محمود محمد طه الثقافي الذي حاربته جماعتكم لأنه كان منارة للوعي!؟



