مقالات وآراء

تفكيك أكذوبة “الشعب السوداني”

كيف أخطأنا في تعريف الشعب... ولماذا فشلت الدولة في صناعة وجدان وطني واحد

الأستاذ/ زكريا علي عبدالرسول

خلال الفترة التي توقفت فيها عن الكتابة، أتيحت لي فرصة الاطلاع على أكبر قدر من المنشورات والمقالات والتعليقات التي يتبادلها السودانيون حول بعضهم البعض. لم أكن يومها أبحث عن مادة لمقال جديد، وإنما كنت أحاول أن أقرأ المجتمع السوداني بعيداً عن ضجيج السياسة اليومية. كنت أقرأ الكلمات قبل أصحابها، وأتأمل طريقة الناس في التعبير عن أنفسهم وعن الآخرين، وأحاول أن أكتشف ما الذي بقي من الروابط التي طالما تغنينا بها تحت اسم “الشعب السوداني”.
وكلما تعمقت في القراءة، ازداد يقيني بأن ما يظهر على السطح لا يعبر عن وحدة شعب بقدر ما يعبر عن قوة الانتماءات التقليدية. فالقبيلة حاضرة بقوة، والجهة حاضرة، والإثنية حاضرة، والانتماء الثقافي حاضر، بينما يبدو الانتماء إلى السودان – عند كثير من الناس – انتماءً موسمياً يشتد في لحظات الانتصار الرياضي أو عند مواجهة خطر خارجي، ثم يذوب سريعاً عند أول خلاف سياسي أو اجتماعي أو عسكري.
ولم يكن هذا الاستنتاج مبنياً على منشور أو اثنين، بل على مئات النماذج التي تكشف أن السودانيين، عندما يختلفون، يعود كل فريق إلى هويته الأولى، وكأن الدولة لم تستطع خلال عقود الاستقلال أن تنقل الولاء من الجماعة الصغيرة إلى الوطن الكبير.
ومن هنا ولدت لدي قناعة بأن المشكلة ليست في الحرب وحدها، ولا في السياسة وحدها، وإنما في أننا ربما أخطأنا منذ البداية في فهم معنى “الشعب”. فقد تعاملنا مع هذا المفهوم وكأنه حقيقة قائمة بذاتها، بينما هو في الواقع نتيجة لمسار تاريخي طويل، وليس نقطة بداية له.
لقد ظللنا نردد عبارة “الشعب السوداني” كما لو أنها حقيقة لا تقبل النقاش، دون أن نتوقف لحظة لنسأل: ما هو الشعب أصلاً؟ وهل يكفي أن يعيش ملايين البشر داخل حدود جغرافية واحدة حتى يصبحوا شعباً واحداً؟ وهل كل دولة في العالم تمتلك شعباً موحد الوجدان؟ أم أن الشعوب، مثلها مثل الحضارات، تُبنى ولا تُولد؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، لأن الخطأ في تعريف المفاهيم يقود دائماً إلى الخطأ في تشخيص الأزمات. فمن يخلط بين الدولة والشعب، أو بين الأمة والدولة، سيبحث عن حلول في المكان الخطأ، وسيظل يعالج النتائج دون أن يقترب من جذور المشكلة.
لقد عرف الفكر السياسي الحديث الدولة بأنها كيان قانوني وسياسي يقوم على إقليم وسلطة وسيادة وسكان. وهذا يعني أن الدولة يمكن أن تنشأ بقرار سياسي، أو بمعاهدة، أو بفعل الاستعمار، أو نتيجة حرب، وقد يعترف بها العالم حتى لو كانت مجتمعاتها لم تندمج بعد في هوية وطنية واحدة.
أما الأمة فهي شيء آخر. إنها رابطة وجدانية وثقافية وتاريخية، يشعر أفرادها أنهم ينتمون إلى تاريخ واحد وذاكرة مشتركة ومصير مشترك، حتى وإن فرقت بينهم الحدود السياسية. ولهذا وجدت أمم بلا دول، كما وجدت دول تضم أكثر من أمة.
ويبقى الشعب، وهو المفهوم الأكثر التباساً في الخطاب السوداني. فالشعب ليس مجرد سكان الدولة، وليس اسماً يطلق على من يحملون جنسية واحدة، وإنما هو جماعة بشرية بلغت من الوعي الوطني درجة جعلت الانتماء إلى الوطن يسمو على كل الانتماءات الأخرى، دون أن يلغيها. فالقبيلة لا تختفي، والثقافة لا تذوب، واللغة لا تُمحى، لكن جميعها تصبح دوائر أصغر داخل دائرة وطنية أكبر.
ولهذا فإن الشعب لا يُخلق بقرار سياسي، ولا يولد بمجرد إعلان الاستقلال، وإنما يُصنع عبر المدرسة، والجامعة، والإعلام، والعدالة، والقانون، والمشاركة السياسية، والتنمية المتوازنة، والذاكرة الوطنية المشتركة. وعندما تفشل هذه المؤسسات، تعود الهويات الأولية لتحتل مكان الهوية الوطنية.
ولو تأملنا تجارب الأمم، لوجدنا أن الشعوب لم تكن موجودة بالصورة التي نعرفها اليوم. ففرنسا لم تصبح شعباً واحداً بمجرد قيام الدولة الفرنسية، بل احتاجت إلى قرون من التعليم الموحد، والقانون الموحد، واللغة الوطنية، وبناء المؤسسات. وألمانيا لم تكن سوى دويلات متفرقة قبل أن يتحول الألمان إلى شعب سياسي موحد. وحتى الولايات المتحدة، وهي دولة حديثة نسبياً، لم تُنتج الشعب الأمريكي بمجرد كتابة الدستور، بل ظل هذا الشعب يتشكل عبر الحروب والأزمات والإصلاحات والتعليم والمؤسسات.
ولذلك فإن الشعوب ليست معطىً طبيعياً، وإنما مشروع تاريخي طويل.
وعندما ننظر إلى السودان من هذه الزاوية، يصبح من السهل أن نفهم موطن الخلل. فالدولة السودانية الحديثة لم تنشأ نتيجة تطور طبيعي لمجتمع واحد، وإنما ورثت حدوداً رسمتها ظروف تاريخية معقدة، وضمت داخلها عشرات المجموعات الثقافية والإثنية واللغوية التي كانت تمتلك تاريخها الخاص ونظمها السياسية والاجتماعية المختلفة. ولم يكن ذلك في حد ذاته مشكلة، فالتنوع ليس عيباً، بل مصدر ثراء إذا أُحسن إدارته.
لكن الخطأ بدأ عندما افترضت النخب السياسية أن وجود الدولة يعني تلقائياً وجود شعب واحد، فانشغلت بالصراع على السلطة، وأهملت المشروع الأصعب؛ مشروع بناء الإنسان السوداني وبناء الوجدان الوطني.
ومنذ الاستقلال، تغيرت الحكومات، وتعاقبت الديمقراطيات والانقلابات، وتبدلت الدساتير، لكن سؤال “كيف نصنع شعباً سودانياً؟” ظل غائباً عن جدول الأعمال الوطني. لم تتحول المدرسة إلى مصنع للمواطنة، ولم يُكتب تاريخ السودان بوصفه تاريخاً لجميع أبنائه، ولم يشعر كثير من المواطنين أن الدولة تعاملهم على قدم المساواة، فكان طبيعياً أن يبحثوا عن الحماية داخل قبائلهم وجهاتهم وإثنياتهم.
ولهذا، فإن الحرب التي يعيشها السودان اليوم لم تصنع الانقسامات، وإنما كشفتها. لقد أزاحت الغطاء عن بنية اجتماعية لم يكتمل اندماجها الوطني، وأظهرت أن كثيراً من الناس ما زالوا ينظرون إلى الأحداث من زاوية القبيلة أو الجهة قبل زاوية الوطن.
وهنا تكمن الحقيقة التي ينبغي أن نتحلى بالشجاعة للاعتراف بها. إن المشكلة ليست في أن السودان متعدد، فكل الدول الناجحة تقريباً متعددة، وإنما المشكلة في أننا لم نبنِ مشروعاً وطنياً يحول هذا التنوع إلى وجدان مشترك. لقد تعاملنا مع الوحدة باعتبارها شعاراً سياسياً، ولم نتعامل معها باعتبارها عملية اجتماعية وثقافية وتربوية تحتاج إلى أجيال.
إن الشعب لا يُبنى بالخطب الحماسية، ولا بالأغاني الوطنية وحدها، ولا بعبارات من قبيل “كلنا سودانيون”، وإنما يُبنى عندما يشعر المواطن، في دارفور كما في الشمالية، وفي الشرق كما في الوسط والجنوب سابقاً، أن كرامته وحقوقه وفرصه لا تحددها قبيلته ولا لونه ولا لغته، وإنما تحددها مواطنته.
وحين تصبح المواطنة هي المصدر الوحيد للحقوق والواجبات، وحين يقرأ الأطفال تاريخ السودان بكل مكوناته دون إقصاء أو تهميش، وحين يصبح القانون أعلى من العصبية، والعدالة أقوى من النفوذ، والتنمية حقاً للجميع لا امتيازاً للبعض، عندها فقط تبدأ ملامح الشعب السوداني في التكون بالمعنى الحقيقي.
إن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نستمر في ترديد عبارة “الشعب السوداني” وكأنها حقيقة مكتملة، بينما الواجب الوطني يقتضي أن نعترف بأن بناء هذا الشعب ما يزال مشروعاً مفتوحاً يحتاج إلى إرادة سياسية، وإصلاح تربوي، وثورة ثقافية، وعدالة اجتماعية، ومصالحة تاريخية صادقة.
فالأوطان لا يحميها الجيش وحده، ولا الدساتير وحدها، وإنما يحميها شعب يؤمن أن اختلاف أصوله لا يلغي وحدة مصيره. وإذا كان السودان يريد أن يخرج من دوامة الحروب والانقسامات، فعليه أن يبدأ من حيث كان ينبغي أن يبدأ منذ الاستقلال: بناء الإنسان، قبل بناء السلطة، وبناء الوجدان الوطني، قبل بناء الحكومات.
عندها فقط لن يكون “الشعب السوداني” شعاراً سياسياً نردده في المناسبات، بل حقيقة اجتماعية وتاريخية يعيشها الناس في وجدانهم، قبل أن تكتبها الدساتير في نصوصها.
،،، تحياتي،،،

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..