مقالات وآراء

النافذة الأخيرة

لا أدري متى بدأ الكركدي يحتل مكانه الثابت في الكافتيريات الصغيرة الملحقة بالسفارات السودانية، ولا أعرف إن كان الأمر راجعا إلى ذائقة السودانيين التي لا تستغني عن ذلك الشراب الأحمر كلما اشتد الحر، أم إلى حكمة إدارية لم يكتب لها أن تظهر في اللوائح الرسمية، غير أنني خرجت، بعد أكثر من زيارة، بانطباع يصعب التخلص منه، وهو أن الكركدي يؤدي في تلك السفارات وظيفة لا تقل أهمية عن كثير من المكاتب التي يقصدها الناس لإنجاز معاملاتهم، بل ربما كان أكثرها رأفة بالمواطن، لأنه الوحيد الذي لا يطلب منك مستندا إضافيا، ولا صورة شخصية، ولا إيصالا يثبت أنك دفعت ما عليك من رسوم.

فالرحلة داخل السفارة تبدأ دائما بإحساس بريء بأن الأمر لن يستغرق سوى دقائق، ثم لا تلبث تلك الدقائق أن تتمدد حتى تصبح زمنا قائما بذاته، تتنقل خلاله بين النوافذ والغرف، وتنتقل معك الأوراق من يد إلى أخرى، حتى يخيل إليك أن المعاملة لا تبحث عن نهايتها بقدر ما تبحث عن سبب جديد لتستمر، وأن كل موظف يحتفظ، في مكان ما، بورقة لم يخبرك أحد عنها، أو بختم لا يظهر إلا بعد أن تكون قد انتهيت من كل ما قبله، أما الرسوم فهي تحضر في الوقت المناسب دائما، وكأنها الشخصية الوحيدة التي لا تتأخر عن موعدها.

وليس أكثر إرهاقا من أن يغادر المرء آخر نافذة وهو يشعر أنه لم ينجز معاملة فحسب، وإنما خاض امتحانا في الصبر، ودفع رسوما لا يعرف كيف تضاعفت، واستنفد قدرا من الأعصاب لا يقل عما استنفده من المال، ثم يخرج إلى الكافتيريا فيجلس صامتا، لا رغبة له في الحديث، ولا قدرة له على الشكوى، وكأنه خرج لتوه من معركة صغيرة لا يراها أحد.

وهنا تحديدا تبدأ النافذة الأخيرة.

فليست النافذة الأخيرة هي تلك التي ختمت أوراقك، وإنما نافذة الكافتيريا التي يناولك منها العامل كوبا باردا من الكركدي، في حركة بسيطة لا تستغرق ثواني، لكنها تمنحك إحساسا غريبا بأن هذه أول خدمة كاملة تلقيتها منذ أن دخلت المبنى؛ فلا أحد يسألك عن اسمك، ولا يراجع أوراقك، ولا يطلب منك العودة غدا، وإنما يصل الكوب إلى يدك مباشرة، وكأن الرجل يعرف، من ملامح وجهك وحدها، مقدار ما فقدته من هدوء خلال جولتك بين المكاتب.

وأحسب أن الرجل، من طول ما وقف خلف تلك النافذة، صار يقرأ وجوه الناس أكثر مما يقرأ الموظفون ملفاتهم؛ فهو يعرف القادم من قسم الجوازات، ويكاد يميز الذي خرج من نافذة التوكيلات، وربما استطاع، لو أراد، أن يخمن قيمة الرسوم التي دفعها المواطن من الطريقة التي يمسك بها الكوب، لأن الوجوه، في نهاية الأمر، لا تجيد إخفاء آثار البيروقراطية.

ولعل هذا ما يدفعني أحيانا إلى الظن بأن تجارة الكركدي في السفارات لا تزدهر بحرارة الطقس، وإنما بحرارة الإجراءات، وأن العلاقة بينهما تستحق أن تدرس في كلية للاقتصاد، فكلما تعقدت المعاملات ازداد الإقبال على الكركدي، وكلما طال الانتظار ازداد الطلب على ذلك الشراب الأحمر الذي يبدو أنه اكتسب، مع مرور الزمن، وظيفة علاجية لم تكن تخطر على بال مزارعيه وهم يزرعونه في الحقول البعيدة.

ولو أن إصلاحا إداريا حقيقيا وقع يوما، فأصبحت المعاملات تنجز في دقائق، وخفت وطأة الرسوم، واختفت رحلة الانتقال بين النوافذ، فلعل أول من يلاحظ ذلك، وأول من يتأثر به، ليس المواطن ولا الموظف، وإنما صاحب الكافتيريا نفسه، لأنه سيكتشف أن مبيعات الكركدي قد تراجعت على نحو يبعث على القلق، وأن البيروقراطية، على ما فيها من قسوة، كانت شريكا خفيا في ازدهار تجارته.

ولذلك، كلما خرجت من سفارة سودانية، خطر لي أن أكثر النوافذ رحمة بالمواطن لم تكن تلك التي أنجزت معاملته، وإنما النافذة الأخيرة، حيث ينتظره كوب كركدي بارد، يقدم إليه في صمت، كأنه الاعتذار الوحيد الذي نجحت السفارة في تقديمه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..